مقالات 2010

 

حمام الميديا

حلمي بكر ,بكريار,الموسيقار, ورامبو إطلاق النار, شباك التذاكر في إلحانه ,الزحمة عليه ولا يوم الحشر , موسيقي من زمن العمالقة أجله ملك الموت ليقول كلمته في برنامج “بدون رقابة” وقال كلمات إن كانت في غير برنامج لكان لها وقع السيف على رقاب أهل الموسيقى ولكن البرنامج له صيغة زمن “الخرونغ” فهدف البرنامج “الردح” وعلى قدر ما يزيد الضيف الردح تتنفس المقدمة الصعداء ويرتخي المعد في كرسيه ويدخن المخرج الغليون والقناة تعمل الذي عليها في مد الصفحات الصفراء على الميديا العربية من الأزرق للأزرق.

وزع أحكامه على الجميع بدءا من شعبان وعودة إلى أم كلثوم , هاجم أصالة بعدما هاجمته أصالة وتنابذا بالألقاب وذهب ما بينهما من فن إلى قاعات المحاكم ,أصالة تقول عنه كومبارس!؟ وهو يقول إذا أتتك مذمتي من أصالة …!؟ وهو ليس شرطي سير ينظم السير بعصاته بل هو موسيقار وعندما يصعد المسرح ليقود الفرقة الموسيقية فهو يقوم بذلك عن علم!! وبعد ذلك هل من المقبول من قبل أهل الفن, والفن رفعة, القدح والذم بغير مهن ,فلولا الكومبارس لما رأينا فلما ولولا شرطي السير لامتلأت  الدنيا حطام سيارات كما امتلأت بحطام الفن.

تكلم عن فنانات العري واللحمة والمهرجين الذين غصت بهم الشاشات وأنه نتاج زمن النكسة وإن زمن العمالقة ذهب إلى غير رجعة وقيم وفند ونقض ودحض ورفع وأخفض وتندر وتفكه حتى خلنا أنه في قعدة خاصة رفعت فيها الأحجبة وانطلق اللسان بالكلام المباح حتى لا تعرف الجد من الهزل ,ثم مدح نفسه وأن الست كانت ستأخذ منه أغنية لولا أن القدر سبقه إليها وأن عبد الوهاب مدحه وأنه ليس بحاجة لمحفظة أحد من نجوم الميديا وزيادة في الثرثرة عرج بعد سؤال من أحد الصحفيين الأفذاذ عن لقب بكريار ,ولوهلة خلت أنه تناص مع موسيقار لكن ظني خاب إذ هو يتناص مع شهريار لكثرة الجيزات حتى أن عبد الوهاب اسمعه كلمة لا مجال لذكرها الآن لكي لانخدش أعين القراء .

وقع حلمي بكر في فخ البرنامج ,فلم نجد للقب الموسيقار من وجود إلا عندما يطالعنا شريط التعريف بالضيف بلقبه وهنا نقول ماعبته على غيرك من استماتته للظهور الإعلامي ألم ينطبق عليك!؟ , فما الذي أضافه البرنامج لسيرتك الفنية وعطفا ,لماذا لم تتنبه للنصيحة التي عرضتها للمغنية أنغام بإبعاد الحياة الخاصة عن فنها !؟, وأنت استقدمت ما يحدث بالكواليس وعرضته وأرجعت موسيقاك للخلف ودخلت في حيص بيص وكان الأجدر بك بما أنك كنت تحشر كلمة العلم والمعرفة في طيات حديثك للتدليل على منطقيته وجديته في التقييم أن تأخذنا في رحلة معرفية نستطيع من خلالها أن نزيد من قدرتنا التذوقية ,فنخرج من موجة الموسيقى الهابطة التي تضج ونوقف أبا الليف وشعبان وصولا لعمر دياب ومعبود الشباب تامر حسني وكتل اللحمة غير الممهورة من وزارة الصحة .

البرنامج ذكرني بتلك الوثيقة التي نسبت لنعوم تشومسكي ونكرها رغم قوله إنها نسجت من مؤلفاته عن الطريقة التي تسيطر الميديا على الجموع الإكثار من التسلية والترفيه ودعمها بالمعلومة التي لا تضر ولا تنفع كغطاء للجدية.

أيها الموسيقار إن دخول حمام الميديا لا يذهب الشحوم فقط بل قد يذهب الهيبة العلمية للمختص وهذا ماحدث معك, فتحولت من موسيقار إلى رداح وعليه عندما يتناهى لسمعي أغنية أنت ملحنها سأضرب صفحا عن لقائك هذا واسمعها كما فعلتْ أم كلثوم عندما طلبت منك للمرة الثالثة أن تعيد ما لحنته وأثنت عليه ,نصفق لك كموسيقار ولكن في هذا البرنامج نقول لك :العتبة كزاز والسلم نايلن, نايلن بغناء المغنية اللهلوبة قمر.

باسم سليمان

   الثورة

القاضي بأحكامه الفاضية!

 

فضائيات
الأحد 12-12-2010م
باسم سليمان

لماذا عندما نتابع برامج مثل (أوبرا) أو (لحظة الحقيقة) أو أي برنامج غربي مترجم، نستشعر أن وقتنا لم يذهب هدراً رغم بساطة الطرح أحياناً ومجانيته وحتى فضائحيته. كلامي هذا ليس منطلقه من عقدة تفوق الغرب بل من عقدة الشرق الفضائي الذي لا يحسب للوقت حسابا إلا بإفراغه من الأهمية.

قاضي الغرام) للوهلة الأولى تأخذك كلمة (قاض) إلى الجدية وتلحق بها كلمة (الغرام) مع كل ما تحمل هذه الكلمة من أفراح وشجون. تدخل الأستوديو،فتدهشك البهرجة ولجنة المستشارين وحتى الكومبيوتر موجود ليقدم لنا رأي خبراء الإحصائيات وعندها لن يطول بك الأمر أن تكتشف أن ما فكرت به سابقا،أرجعك بخفي حنين!؟، فتقول لا بأس، برنامج تسلية جديد، يعني…. واضحة، قليل من الهروب من هموم الحياة ونشرات الأخبار، آمنا بما يبثه الفضائي العربي.‏

تتابع لترى ماذا سيحكم القاضي الذي فاق لقمان الحكيم بأحكامه وكان كعسس المماليك في تقصيه عن مشكلات الغرام بين الأزواج أو المحبين وخاصة أن لجنة من أهل الميديا هذه المرة تتغير فيما بعد (أبو شوشة وشلهوب وشعشاع – لا حظ كثرة الشينات وعندما يقطع البث نسمع صوت الوشيش ! هل هو من الوشّيش الذي يعمل بالكراجات!؟ – تدعمه وتشد من وسطه لكي لايسقط تحت (كلمة الفصل) التي سينطق بها!! وهنا يأخذك العجب وتصيبك جميع أنواع الجلطات الفضائية لكنك تصر أن تتابع!، فلا بد لهكذا برنامج من أهداف أهمها التسلية وما الضير بالتسلية !؟ وما الخطأ أن تخرج من البرنامج خالي الوفاض !؟ أليس هذا ما يرده العقل الفضائي العربي!؟.‏الأسئلة السابقة تعاودك عندما تنتهي من البرنامج وتفكر لما أنت ترتهن لبرامج أجنبية لا تقاربك البتة وتضرب عرض الحائط بالميديا العربية في جل إنتاجها والجواب يبدو واضحاً: جميعنا نعلم أن السحر خداع عالي الجودة وعندما تتكشف الخدعة لم يعد من سحر وهذا ما تجده إن كنت مشاهدا يبغي حقا التسلية ودفع ثمنا من وقته وطلب المردود الحقيقي للتسلية؛ لكنك تجد، ضحالة المشكلة وتفاهة المعالجة وسخرية تطول المختصمين الذين ألبسوا أنفسهم جبة الفرجة وهي مكسبهم الوحيد، لقد ظهروا على الشاشة الفضية – يا فرحتهم – وساعدوا من مثلهم من أهل الغرام في حل مشكلاتهم التافهة (الغسالة عم ترزب والكي بورد بأيد الزوج على طول والزوجة قلقة وعاملة زلزال قلق», فلهم الأجر والثواب وللقاضي شارة القضاء العليا وللمستشارين زيادة المعرفة وأنت أيها المتلقي المسكين، ماذا كانت حصيلتك غير ضياع الوقت؟.‏ لا ريب أن جهداً بسيطاً كان من الممكن تحويل برنامج (قاضي الغرام ) لبرنامج للتسلية المفيدة، فبدل المشاهد الواقعية المفتعلة، ليكن تلفزيون الواقع كما عهدناه بالغرب، ولنحضر مستشارين حقيقيين من أهل الاختصاص وأكثر لنستضيف المتخاصمين بدلا من إسماعهم الحكم المضحك وهم يضحكون فقد ظهروا على التلفاز ونحاورهم وساعتها لا يمنع ألا نأخذ البرنامج لجدية مفيدة تدعمها كوميديا الموقف وأن نجعله في منطقة وسطى بين الجد والهزل مادام الغرام أوله هزل وآخره جد وبلا تذكير البرنامج مستنسخ عن برنامج غربي ! يا للعجب؟.‏ القاضي مصطفى شعبان والمستشارون أهل الميديا الذين على كل الجبهات شغالين.‏ قاضي الغرام, يبث على قناة أبو ظبي الأولى مساء الثلاثاء.‏

 

 

 

رواية التخوم تفارق الواقع وتتخلله كالهواء طباعة أرسل لصديق
بقلم: باسم سليمان   

 الرواية هي الواقع مكتوباً، مكتوباً يعني أن هناك وسيطاً جرى من خلاله إظهار الواقع بتلك الصيغة وهذا الوسيط الذي ليس كاميرا تنقل بالحرف ما هو أمامها، وحتى هذه مجرد أن تخرج صورتها لا نستطيع القول إنها صورة طبق الأصل إلا تحايلاً، فكيف بالإنسان عامة والكاتب خاصة !؟
(التخوم) رواية تعنى بالإنسان المهمش الذي يحاول أن يجد له موقعاً تحت الشمس، ولكن أية شمس؟ إنها شمس المجتمع التي تلقي بنورها على البعض وتغيب عن الكثير، ليبقوا في الظل كفطور نمت دون رعد وبرق.
كمال الكاتب والصحفي الذي يريد موطئ قدم في هذا المجتمع. هو من بيئة فقيرة، ربته أمه وماتت مطمئنة عليه بعد أن هجرهما الزوج الأب وسافر هرباً من ذل تعرض له من ضابط نافذ استعذب زوجته، فلم تقبل الزوجة بالهجرة معه لأنه سقط من عينها بسبب تعرضه للضرب والإذلال من هذا الضابط، فلم يرد.
حياة الجامعية  المومس التي تجد نفسها تبيع عذريتها بعد أن أعياها الفقر وضغط منى القوادة،تتعرف على كمال وتبدأ الحكاية، فتستعير بيته لتنجز أعمالها مع الأثرياء العرب وتروي قصتها مع جمال وتكافئ كمال بالنقود والعاطفة والحب لينتهي بقرار الزواج منها.
القزم مخلوق أخضر أثيري يسعى ليكون مارداً كما البشر، وهو الذي وسوس لكمال للدخول في تلك الصفقة مع حياة.
ناديا رفيقة كمال في العمل تحلم بالزواج منه. فائز صديقه الانتهازي.
هؤلاء هم شخصيات الرواية، والمكان هو العاصمة، والزمن في سنواتنا هذه.
لاريب أننا عندما نقول رواية نعني سرداً عمودياً وأفقياً وشخصيات جدلية وسارداً يغيب إذ يظهر ويظهر إذ يغيب وزماناً خطياً أو متقطعاً أو دائرياً، ومكاناً هو الخلفية التي تجري أمامها الأحداث. وقد يتقدم ليكون شخصاً من الشخوص، وعلى هذا ينتظر المتلقي القارئ عندما يطالع سيمة الغلاف متضمناً وسم الرواية، أنه أمام وجبة واقعية  تخيلية، فكرية  بوحية، جدلية تضعه أمام رمل الأجوبة وبحر الأسئلة.. و..
كمال الشخص الرئيس الذي تتقاطع معه شخصيات الرواية لانجده الشخص الجدلي الذي يعتمل فيه قلق وجودي يقوده لتلك الخيارات. وحتى التسبيب الذي دار بينه وبين القزم لا يرقى لتلك الخطوات التي قام بها أو دفع للقيام بها. فالكلام عن الحرمان الجنسي والعاطفي بتلك البساطة التي تتوقف عند حدود الإثارة والحاجة لأنس امرأة في حياته لا تقود إلى تلك الخيارات،فالخلفية الفكرية التي يظهر بها أضعف من أن تنجز جدلاً فكرياً داخله وداخل القارئ. فما قدم به أشبه بابتسار فلمي لفلم تجاري عندما تظهر المومس في حياة رجل وتحرفه وشاهدناه كثيراً في الأفلام المصرية، ولكن لا تصح بالكيفية هذه في الرواية التي هي معالجة من نوع آخر لهذه الواقعة.
حياة مثله، فجأة تقرر بيع عذريتها بثمن باهظ، ليكون جمال الشاري الذي يكتشف أنه شاذ معها،يحب الرجال مثله مثل الثري الثاني الذي تلطمه. فيكتشف أنه مازوخي بعد أن لطمته. ومن ثم كمال كزبون عادي تطلب منه معروفاُ أن يعيرها بيته لتتم عملاً مع هذا الثري المازوخي وهكذا مجرد ردود أفعال غير مسببة حقيقة إلا بابتسار، والسبب يعود إلى أن الرواية قامت بالمجمل على الحوار الذي جاء أقرب إلى الكلام العادي. فغاب عنه التحليل والاستنتاج وكأننا أمام سيناريو يُعد للتصوير وسوف يبث على إحدى القنوات العربية، فلا مكان للجدل والمماحكة الفكرية بين ذوات الرواية. ويبدو أن الشخصيات تنتظر أمر المخرج تصوير! 
اللغة في الرواية بسيطة بساطة شخصياتها، وعمومية لا تحمل مفارقات تعلق في ذهن القارئ لناحية الدلالة.جاءت حواريتها التي تعم مجمل الرواية لتجهض محمولات السرد الذي تعول عليه الرواية لناحية الوصف والتحليل والتعمق في نفسيات الشخصيات والامتدادات الجذمورية. فلا مكان يغني ولازمان يظلل ولا تخيلية تنقذ العمل من صوريته الواقعية المصورة على عجل، والتي كُتب بها فجاء متقشفاً منتظراً عملاً لربما تصويرياً يكمل النقص الحاصل في تقنيات الرواية. الشخصيات باردة تؤدي عملها كممثل يرتبط بعدة مواقع تصوير وهذا يعود لما أسلفنا ذكره.
الرواية جاءت أقرب إلى السيناريو، وربما يعود هذا إلى عمل الكاتب علاء الدين كوكش كمخرج في جعبته الكثير من الأعمال الناجحة. وهذا نلحظه في تلك العناوين في داخل الرواية، فلا ينقصها إلا أن نقول داخلي ليلي أو خارجي نهاري، ونحن نعلم أن معظم الروايات التي حولت إلى أفلام جاءت دون المأمول، لأن الرواية ليست حركة وحواراً بل رؤية عميقة تقوم على التفاصيل التي تصنع في النهاية كلية الرواية من حيث هي تصور مفارق للواقع، لكنه يتخلله تخلل الهواء ولكن الاكتفاء بالمشهدية الحوارية لا يصنع رواية بل عملاً له تجنيس آخر!؟.

 

 

 

ســــــانتا إيفيتـــــــا ألفـــــة التضــــــاد

 

كتب
الأربعاء 8-12-2010م
باسم سليمان

عندما كتب كزنتزاكس روايته “القديس فرانسيس الصقلي” قال :لقد كنت أشعر بيد خفية ترعاني “ لن نتساءل عن تلك اليد!؟ ,فلكل قارئ الحق في أن ينسبها لما يشاء كون المسافة الزمنية التاريخية قد صارت قارة كفاية لتمشي عليها بخطوات ثابتة

أو تحفر فيها لكن أن تكتب عن أرض بكر مازالت في طور التشكل أو أن الطمي البركاني لم يهدأ إلا من لحظات ,فتلك مغامرة لن تعرف بها اليد التي ترعاك أو تقودك مهما كانت لك الحرية في الاختيار والتخيل .‏ الأرجنتين أو سانتا إيفيتا , القديسة أو البغي , الأم أو الحثالة , الشعب أو شحومي الصغيرة , حكاية ديكتاتورية أخرى من ديكتاتوريات أمريكا الجنوبية أو حكاية المخلصة والملهمة والأمل لشعب أو فرد يريد الحياة .‏ توماس إيلوي مارتينيث الذي استلهم مقولة أوسكار وايلد “ إن كان من واجب لنا تجاه التاريخ هو أن نكتبه ثانية “ مقاطعا بها مقولة كلود ليفي شتراوس” يمكن للتاريخ أن يأخذنا لأي مكان شريطة أن نخرج منه” . هاتان المقولتان هما خطوط الطول والعرض التي جرب مارتينيث أن يبحر وفق معطياتهما في رواية حياة شخصية من أشهر شخصيات الأرجنتين : إنها إيفا دوارتي , إيفا بيرون , سانتا إيفيتا التي طوبها بابا الفاتيكان بناء على رغبة الملايين التي أمطرته برغبات وصلوات ورسائل, كقديسة حامية للأرجنتين وأم الفقراء والحالمين ,كما طوب سارتر جان جنيه قديس للأدب هكذا قال جان كوكتو: هما حدثا هذا الصيف الصوفيان .‏ الرواية لا تمشي على خط السيرة الذاتية ولا تريد أن تكتب تاريخا مغايرا أو حتى تحاول أن تفهم ما حدث لهذه الإيفيتا ,إنها تريد كتابة الصدى سواء لدى الشعب الأرجنتيني أو من كانوا على علاقة محايثة بها أو الكاتب ونهاية بالقارئ ,إنها غوص في قلب المتن للوصول للهامش ومن ثم العوم في الهامش لقلب المتن .‏ إيفيتا الفتاة الصغيرة ذات الحلم بأن تصبح ممثلة التي تتعلق بذيول فرقة وتأتي لبيونس آيرس وتعيش على أدوار صغيرة تؤمن لها وجبة خفيفة ومنامة في نزل تعيس تضع عينها على الجنرال بيرون صاحب الثورة وتقول له بعد أن قام الكاتب بقراءة شفاهها آلاف المرات “شكرا لأنك كنت موجودا” على تلك الأشرطة بالأبيض والأسود ,لتندلع بينهما قصة حب أم قصة شعب وصراعات على السلطة لتنتهي إيفيتا كجثة محنطة كفرعون داخل هرم ليس من حجر بل من تاريخ الأرجنتين .‏ هذه “ الشخص “ كما يحاول تهميشها أعداؤها أو القديسة برأي من عرفوا فيها حلمهم المجسد لم تعرف مستقرا لها, ,إذ دخلت بتيه عوليسي دام سنينا, أكلت فيه حيوات ضباط ومؤرخين وعاشقين وشعب بين سجون ومنافي ؛إذ تصبغ كل من أقترب من حياتها بلوثة حبها أو لعنة كرهها .‏ بعمر لا يتجاوز الثالثة والثلاثين أصبحت إيفيتا السيدة الأولى والمحسنة الأولى وأمل الفقراء في الأرجنتين تصبح الحلم والمجاز وعلامة من علائم يوم القيامة والقديسة وتصبح الخطر الأول على العسكريين الانقلابيين الذين حاروا وحيرتهم ,بسطوتها وجبروتها على التأثير حتى بعد أن حاولوا دفنها تحت سابع أرض.‏ توماس إيلوي مارتينث كمواطن أرجنتيني منفي أراد أن يكتب بلده أو منفاه ولا يكسر النفي إلا النفي ,هكذا انطلق برحلة عوليسية مضادة مقتفيا كل خطوة صنعت إيفا دوارتي من أصغر إشاعة إلى ما كتبه التاريخ الرسمي والسري إلى الذكريات الخاصة لناس كرهوها وعشقوها بنفس الوقت من مصفف الشعر والضابط موري كينيك وعقلة الأصبع ثيوفنتس إلى الأشرطة وكتاب “مسوغ حياتي” وقصاصات الجرائد والكتب والسير, تل من الورق والحقائق والإشاعات نقب به وعمل على مزجه بإكسير التخيل ليصنع تلك الرائعة التي قال عنها صاحب مائة عام من العزلة”ها هي , أخيرا الرواية التي لطالما رغبت في قراءتها”.‏ مارتينث رغب بكتابتها من جديد بعد أن أنهاها , أما كقارئ لا يسعك إلا أن تقرأها من جديد وفي كل مرة تمارس عليك السحر ذاته الذي مارسته على شحومها الصغيرة المحبين لها وعلى كارهيها الذي كتبوا الوجه الآخر للقمر عنها , أنها سانتا إيفيتا وسانتا الرواية بيد توماس إيلوي مارتينث الذي لم يكتب أحد وجوه القمر بل المدار.‏ سانتا إيفيتا رواية لتوماس إيلوي مارتنيث ترجمة صالح علماني صادرة عن دار الحوار لعام 2010‏

 

 

فضائية طريق الحرير

 

فضائيات
الأربعاء 1-12-2010م
باسم سليمان

أخبار إمساك العصا من الوسط تشمل على ما يبدو القنوات التابعة لدول لا تملك مصالح سياسية مباشرة في منطقتنا العربية وإنما يهمها مصالحها الاقتصادية والسياحية في تلك المنطقة .

وتأتي في طليعة هذه القنوات قناة «cctv العربية» التابعة لمجموعة القنوات الصينية الوطنية التي تبث نشرات أخبار بالعربية من قبل مذيعات عربيات، وتعتمد هذه القناة في مصادر أخبارها على وكالة شينخوا الصينية .‏ تغطي هذه النشرات الأحداث العامة والخاصة في منطقتنا العربية والعالم ولكن عن طريق نقل الخبر لا أكثر وتنقيته من كل ما يفترض أن يسبب إزعاجاً لأحد الأطراف وخاصة في منطقتنا، والقسم الثاني من هذه الأخبار يغطي الأخبار الصينية وبنفس الطريقة .‏ ويبدو أن هذه القناة ليست أبداً قناة إخبارية متخصصة وما نشرات الأخبار إلا شريط عاجل في باقتها البرامجية الهدف منه تأمين وجبة خفيفة من السياسة له ضمن خطتها في تعريف منطقتنا العربية بالصين تاريخا وثقافة وسياحة وصناعة، آخذة بالحسبان الجالية العربية فيها . وللموضوعية لا بد من القول : إنها في غير الناحية السياسية المتعلقة بنشرات الأخبار ناجحة بشكل ملفت بإقامة جسور التواصل , فالمتابع يجد في باقتها البرامجية وجبة غنية من الناحية الثقافية والسياحية والوثائقية .‏ ومن البرامج التي نستطيع أن نقول عنه : إنه أكثر تخصصا في منطقتنا هو برنامج «الحوار» الذي يُعنى بالقضايا الدائرة في منطقتنا ولكن بنفس الأسلوب السابق , فيبقى في المنطقة الخضراء ويستضيف باحثين عرباً وصنيين متخصصين في شؤون المنطقة وتقدمه مذيعة صينية .‏ واللافت للنظر اعتناء القناة باللغة العربية ,فمذيعوها يتكلمون العربية الفصحى , كذلك الباحثون الصينيون الذين تستضيفهم وهذا إن دل على شيء , فهو : إن اللغة العربية هي لغة التواصل الفعالة بين الشعب العربي لأنها مفهومة من جميع العرب، لا كما اللهجات المحلية التي تغرقنا فيها القنوات العربية، .‏ « cctv العربية» تعيد فيها الصين فتح طريق الحرير فضائيا , فأين قنواتنا العربية من هذه الريادة؟.‏
 
 
 

 

 

ترويض الغضب بالنكتة – باسم سليمان

 

يعمل الغضب في حال وقوعه ,وهو حل نهائي للخروج من الضغط الذي يتعرض له الإنسان,إلى تدمير الشخص الغاضب وتدمير من حوله وقليلا ما يمكن إصلاح ما يؤدي إليه الغضب والغضب هو انفعال بشري نعاني منه جميعا ولكن لهذا الانفعال وجه آخر مبدع وإنساني وقادر على السيطرة على مرض العصر ” الضغط” والذي وفق سجلات البشرية كان موجودا منذ وعي الإنسان حجم السؤال الذي يواجهه ” من أين وإلى أين؟”.

 هذا الوجه هو “النكتة” التي نقولها سرا وجهارا وطارت رؤوس بسبب تفوهها بأحد النكت ولكن النكتة كانت دوما تجد طريقة لترويض سلطات التابو والتي عادة ما يضرب مرض العصر جذوره فيها وهكذا كان قائل النكتة ونكتته آخر ملاذات الإنسان لتهدئة روعه وحتى صاحب التابو استخدمه وعفا عم ناله من النكت التي قالها النكتجي .

وفي عصرنا نما هذا النوع من الفن حتى صار مذهبا فنيا له فنانيه الذين لا يشق لهم غبار وظل حكرا على الرجل لفترة طويل حتى دخلته المرأة وأبدعت فيه ولكن أن يرتاده ذوي الاحتياجات الخاصة ويبدعون فيه لهو دليل ساطع على قدرتهم الكبيرة على تجاوز ما يعقيهم .

ميسون زايد كاتبة وفنانة كوميدية فلسطينية المنشأ تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية مصابة بما يسمى “الشد الدماغي” الذي يجعل حركاتها لاإرادية وكلاماتها غير مفهومة ولكن بمساعدة الأهل والعلاج وخاصة فن ” اليوغا” استطاعت أن تقف وتنجح في المهنة التي اختارتها وهكذا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول بدأ نجمها يستطع وخاصة بقدرتها على إقامة المفارقات لتكسير الحواجز التي سببتها تلك الحادثة وعانى منها العرب هناك .

استضافها برنامج ” المهم والأهم ” مع سمير نور على قناة bbc وجال معها عبر أسئلة ذكية وخفيفة ولكن لماحة لمقاربتها ومقاربة تجربتها .

قدمت عروضا في العديد من البلاد العربية من مصر إلى الأردن وفلسطين لاقت تجاوبا كبيرا من الجمهور وهي الآن مستمرة في هذا الفن الصعب الذي يعتبر في usa من أهم العروض التي يتابعها الجمهور هناك لحساسية ما يستطيعه الفنان تقديمه عبر ملامسة همومهم وتنفيس الضغط عبر آليات جمالية إلى جانب أنه صعب المرتقى والنجاح فيه صعب مستصعب, فما أسهل أن تبكي الناس لكن أن تضحكهم, فهذا شأن آخر.

ميسون زايد لا تعترف بالحدود ولكن تعي أن لكل بلدا خصوصيته ومع هذا تجد دوما النكتة والمونولوج والفكرة الذكية المدهشة والمفارقة والصادمة لوعي الجمهور ,فتضحكه حتى الثمالة وتغسله بماء الضحك الذي يخلصه من تلوث مرض العصر,هكذا تحول الغضب الذي يعتمل بصدور الناس والضغط إلى طاقة إيجابية تدفعهم نحو الحياة بشكل أفضل.

الثورة/ الفضائيات

باسم سليمان

   Bassem-sso@windowslive.com

 

الموتى الأحياء وقيامة السرد – باسم سليمان

 

رواية صعبة المراس لا تُسلم لقارئها مفاتيحها إلا بعد أن يتشرب تلك المعاناة التي عصفت بطفليها ,كولتران وبيسان والأهم أن يعي تموضع بيسان كمدينة في فلسطين حيث كان إليعازر قد ولد ثانية على يد السيد المسيح بأن أقامه من الموت وهنا الرواية تسرد محاولة القيامة من الموت الحياتي لكل من كولتران وبيسان .

من اللحظة الأولى يعترف السارد كولتران بأنه شخصية مخترعة كاسم , فما هم الطفولة المعذبة بالأسماء!؟ . يعود كولتران لنفس الشاطئ الذي من الممكن قد قاده إلى إصلاحية بعد أن تعارك مع العامل الذي يعمل لدى جود الصديق الذي أبقاه عمه عنده بعد أن هرب به بعد مقتل أسرته أبان حرب الجزائر عندما انقسم الفرنسيون على أنفسهم لعيش عند جود وعائلته المؤلفة من مارج الزوجة وغيس الطفلة وبعد مضي الزمن الكافي لمواجهة الطفولة يعود كولتران ليبحث عن تلك العائلة التي احتوته ويخطط لانتقام ما عندما سيوضع النصب التذكاري للجنود القتلى في الحروب الفرنسية ,يلتقي بيسان ويتعارفان يهربان معا ليوم واحد يبوحان بإسرار طفولتهما وتكتشف بيسان معه كيف آل إليه بيت جود وطفولته التي عاشها فيه؛ كذلك هي تكشف عن طفولة معذبة لأم موضوعة في مصح عقلي بيسان تهوى الرسم المائي حيث ضربة الريشة لا تعاد ,فأما أن ترسم لوحة جميلة بضربات لا تعاد أو تفشل هكذا هي الحياة عندما تحدث الأخطاء لا يمكن إصلاحها إلا بتمزيق اللوحة والبدء من جديد ,فهل هذا ممكن في حياة كل من كولتران وبيسان؟.

تتكشف الخفايا ,فبيسان زوجة بكر آل سيفر الذي هرس رأس كولتران يوما على هذا الشاطئ عندما هاجمه عامل جود لأن ابنة جود ,غيس اختارت كولتران وكولتران كان قد غرز رقبة ريك برأس المظلة ولربما قاده هذا إلى إصلاحية وبعدها حياة أخرى ظلت ؛ لأنها لم تقدر أن تمحي تلك الطفولة لكولتران .

في يوم الاحتفال ينتقم كولتران من قاتل والديه “ليموج” وفي الاحتفال يلتقي ببكر آل سيفر ويكتشف أن بيسان زوجته ,فيدعوها للهروب معه والنجاة من هذا الواقع ,فترفض لأن لبكر آل سيفر ابنا تحبه ليس منها ولا تريد له عذابا بذهابها معه إلى بيسان في فلسطين لزيارة قبر إليعازر. يذهب كولتران لوحده وهناك يتمدد في قبره يريد قيامة جديدة له ثم يعترف بأنه لم يفعل ما فعل كولتران وهنا كلامه يستمر لنفس السارد في الرواية ولكن ليسمي نفسه موردّييا قائلا: “أدعى موردييا ,الميت الذي أحمله في اسمي ليس هو ذلك الذي يذهب إليه الظن والاعتقاد ” – موردييا :مقطعها الأول مور”mord” يتجانس لفظيا مع كلمة “mort” التي تعني ميت.

الرواية تأخذ من عمل الذاكرة العشوائية أسلوبا لها في السرد ,فالفوضى المنظمة لتلك التداعيات التي لا تعرف كيف تنفر في السرد وتحوله تماما عن وجهته المتوقعة بلغة أقرب للشعرية كل هذا ليساعد السارد والقارئ في ترهين الماضي في لحظة الكلام ,فالفلاشات تتم بشكل رأسي وحاد في الزمن الخطي بحيث لا تكاد تدرك أن الزمن تغير بل كل الزمن يحضر دفعة واحدة لقول كل الصمت الذي كان ينمو في داخل كولتران وبيسان وكما يقال:إن في لحظة الوفاة تُسرد الحياة أمام ناظر الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة ,فالرواية سرد طويل للحظة وفاة مؤجلة يعيشها كل من كولتران وبيسان وما فكرة الذهاب لأرض إليعازر إلا لوقفها وهنا يفترق كل من بيسان وكولتران ,فبيسان ترفض الذهاب وتقرر البقاء لإنقاذ الطفل الذي تحبه رغم الموت الذي تعيشه أما كولتران ,فيذهب ,ليسمي نفسه موردييا ويكتشف أن لا وقت للمعجزات بل الأخطاء التي تحصل في اللوحة المائية عليك القبول بها والنظر إلى الجميل الباقي فيها.

اعتمد الروائي بعدة سرديات من الرواية على مفهوم “الميتارواية ” وذلك لخلخلة قناعات القارئ وجعله أقرب إلى فهم حقيقة كولتران كسارد وكاذب وحقيقي كفاية  وكأن يقول له: من قال :إنك قارئ لربما أنت مؤلف هذه الرواية لأن في داخل كل منا طفلا يريد أن يتصالح مع طفولته التي هشم الواقع مجازاتها.

رواية تغوص عميقا في النفس الإنسانية تعري اللاشعور الذي يحكم حياتنا وتدفعه للسطح لمواجهته عبر سرد غير مبالٍ ولكنه في الوقت نفسه محكوم ومسبوك بشدة كما ننتمي بشدة لحيواتنا التي إن نظرنا إليها لوجدناها آنية متشظية لكنها تبدو متماسكة كفاية لتوضع للزينة .

بيسان ل جيرار موردّيا ترجمة صلاح صالح صادرة عن دار الحوار لعام 2010

الثورة / كتب

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

من الحكاية للقصة حداثة معطوبة – باسم سليمان

 

لماذا مازال كتابنا يكتبون الحكاية ولا يكتبون القصة إلا بالثيمات النوعية الشكلية لهذا الخطاب السردي كا: وسم قصة على الغلاف والطول المعترف به للقصة والاقتصار على حادث أو شخصية أو فكرة معينة ومعالجتها؟. لماذا مازلت القصص كأنها خبر يحتمل الصدق والكذب أي حكاية معنعنة وإن تمظهرت بمؤلف واحد يضع مبتدأها وخبرها وإن لبست لبوس القصة !؟. وقبل محاولة الإجابة لنقف عند مفهوم الحكاية والقصة .

الحكاية من المحاكاة أي تقليد ما حدث ومحاولة قوله وخاصة شفاها كما هو , ومنشأها الخبر وزمنها الماضي وعادة ما توجه لمستمع معلوم للحاكي وتروى بشكل متكرر.

القصة من القص أي الاجتزاء وتتبع الأثر وهذا يعني البحث والروية وهي فعل فردي يقوم به الشخص بداية لذاته معتمدا على خبراته بعكس الحكاية التي هي فعل جمعي يرويه الحكّاء ليس اعتمادا على خبرته بل خبرة المجتمع الذي يصوغ تجاربه في أخبارا يلقي ما يلقي عليها وفق عاداته وأعرافه وأخلاقياته, فيأتي الحاكي ويجسد تلك الرؤى من خلال الحكاية دون التدخل منه سلبا أو إيجابا وهذا يعني أن القصة هي انتخاب لفرد قد يوافق المجتمع في نسيجه أو يخالفه وبالتالي القصة من نتاج نمو الفردية واستقلالها عن حاجتها للمجتمع كحاضن لحاجاتها و منتج لهويتها وهذا لانراه في الحكاية وكأن الحكّاء هو وزارة إعلام المجتمع في حين القاص صوت المعارضة/الفرد .

القصة لازمن تعنيه وإن ناوشت كل الأزمنة ,فهي تعنى بزمن الفرد وإدراكه له ,فالماضي لا يكتب للاعتبار مما حدث به بل يكتب في محاولة لفهم الفرد معنى الذكرى كفاعل حاضر في وقته “الآن” كذلك الحاضر عندما يكتب ,فليس توازيا له بل مقاطعة لسيرورته ومحاولة لصنع صيرورته والمستقبل عندما يكتب وكأننا نعكس لعبة الحكاية عندما تتكلم عن الماضي ومفهوم الاعتبار مما حدث ,فهنا نكتب المستقبل لنعتبر في الحاضر مما سيحدث.

القصة لا توجه لمتلقٍ معين بل توجه عموما وإن اشتغل القاص على متلقٍ في تصوره ولكن هذا المتلقي له خصوصية تجعله كنموذج للقارئ الذي تندرج تحته كل مستويات القراءة لدى القراء وهذا يعني أنه في هرم سلسلة القراء ,يقودنا هذا إلى أن القاص الذي يعي فرديته واستقلاله عن خطاب المجتمع ومحاولته صنع موطئ قدم لخطابه الخاص يوجه هذا الخطاب لقارئ يعي فرديته ويحاول أن يقرأ لا كما يملي المجتمع عليه وهذا ما نرى عكسه في الحكاية التي تنطلق من المجتمع إلى المجتمع وتعمل بنظامه الذي يقره ,فهي لسان حال الجماعة التي لا تمايز بين أفرادها وهي عبر الحكاية تريد نمذجة الفرد الوافد بشكل جديد إليها عبر الحكاية والتي تحتمل الصدق والكذب ليس من باب النفي والإثبات بقدر ما يعني هذا وضع مرجعية الإثبات أو النفي فيها/بالمجتمع , بعكس القصة التي لا تكتب ما مرجعه يحتمل الصدق أو الكذب بل تكتبه ما مرجعه يحتمل التجريب واستخلاص النتيجة فرديا لأن التجربة الفردية هي الأس الأول في استقلال الفرد ونزوعه خارج الجماعة أياً كانت تسميتها.

القصة منشأها اللحظة من حيث هي فعل يعود لفاعل واحد .الحكاية منشأها الماضي الذي يبتعد عن الحاضر ,فتقصّر في معرفته في حين القصة تقوم بالتعرف عليه لحظة بلحظة وهذا يؤدي للصدام ومحاولة التغير والانتقاد وكسر التابوهات وارتياد مناطق تقلق المجتمع لدرجة تجعله يثور على القاص في حين الحكاية قد شُذبت وحتى لو تجاوزت!, فهو التجاوز المراقَب الذي لا يخل بالثوابت المجتمعية مهما تطرفت الحكاية ,فالحكاية تقسم الكون إلى ثنائياتي الخير والشر, الأبيض والأسود الذكر والأنثى في حين القصة لا تعترف بالثنائيات وإن اعترفت ,فهي تعمل على دمجها, فليس لديها شر محض ولا خير محض ولكنهما أشبه بلحظة التقاء النهر بالبحر إذ هناك وسط ثالث بين الماء الحلو والمالح ,فالإنسان ذكر وأنثى مجتمعان وما الظاهر إلى قشرة يجب الغوص تحتها إلى هذا الخليط الغير متمايز والذي عنه تنشأ ما يسميه علم النفس بالشعور واللاشعور حيث نجد الخير منبته الشر والشر منبته الخير والذكر يبحث عن جزئه الأنثوي المفقود داخله ليستعيض عنه بأنثى خارجه كذلك الأنثى والهوية في القصة ليست كلاً منجزاً بل هي متاهة جذمورية نادراً ما يتعرف عليها الإنسان لذلك كانت الحكمة الفلسفية تقول : “اعرف نفسك” كسؤال أمري مدى الحياة .

القصة نمو, غالبا ما تحدث به الطفرات الوراثية والاكتشافات التي تزيد من معرفة القارئ بنفسه ومحيطه ,فتقوده لدربه الخاص في حين الحكاية منجز يتكرر كصياح الديك الذي ليس له وجود في المدينة التي تصبح الشكل الوحيد للتجمع البشري كبرت أو صغرت والقصة لا تعترف بالجماعة بل بالدولة من حيث هي مؤسسة فوقية هي في جدال معها من أجل التطور, فيما الحكاية هي منتوج الأسرة / الجماعة التي انسحبت منذ قرنين بشكل متسارع لصالح عالم لا يعترف إلا بالفردية ولكن يبدو أن الدولة كمنتج عصري تشجع الحكاية كرد فعل طبيعي لتحفظ استقرارها ,فتحاول إعادة الجماعة لكن بصيغ أخرى كالمؤسسة؛ لتضبط من صنعها وتسيطر عليه وكأن المخلوق/الدولة يريد استعباد الخالق / الفرد بعد أن أنوجدت واستقر لها الأمر.

في الدلالة نجد القصة لا تبقى على ثبات معين إلا وتخلله ,فهي تريد الدلالة منفتحة وكما يقول” بارت”:”كل شيء في الرواية له دلالة ,الحرف ,الكلمة ,الجملة”, فالقصة كالرواية هما منتوج رافق تشكل الدولة الحديثة كما رافق ظهورها تبلور الفردية وعندما يكتب القاص يستخدم كل ما تحت يده ويعيد تصنيعه ومده بطاقات لغوية ودلالية وحكائية نعم حكائية والحكائية المقصودة حكايته كفرد لا كمجموع وإن كان خطابه فردي /جماعي لكن الحكاية وإن كانت تحكي حكاية فرد أو جماعة لكنها ممهورة بختم المجتمع وتكتفي بدلالة واحدة أو قريبة وسلسة تبتغي المتعة لا السؤال والبحث والنقد والشك والرفض التي من خواص القصة .

الحكاية تريد قارئ ينام في نهايتها قرير العين .القصة تريد من القارئ أن يصطخب كموج البحر بداية من الجلجلة التي عليه ارتقائها ليشرف على سردها ,تريده أن يعيد كتابتها أي يجرب بيده ما جربه القاص وقد يخرج بخفي حنين أو بمغارة علي بابا . الحكاية تريد من القارئ أن يكون كبياض الثلج تنتظر قبلة لتوقظها في حين القصة تريد من القارئ أن يستيقظ بنفسه وإلا فليذهب للجحيم وهذا يعني أن القصة لا تريد يداً فوق وعي القارئ كما تفعل الحكاية بل تريده كالسندباد الذي ألف المغامرة على رغد الحياة .

عودة على بدء لاريب أن القائمين على أمر النقد هم من سدنة المجتمع لذا نراهم في تجلياتهم النقدية أكثر حفاظا من الحكّاء على ما يقوله الحكاء إلا القلة المغيبين. الشيء الثاني المؤسسات القائمة من تعليمة وأدبية لا تدفع فلسا واحدا في قصة تشم في رائحتها المغايرة؛ لذلك نرى المسابقات تؤكد فوز الحكائين وتستبعد القاصين وهذا كل يصب في خانة القارئ الذي لم تتشكل فرديته بعد وهم الكثرة فنراهم يشجعون الحكاية وينبذون القصة لأنها تسبب لهم عصر الهضم العقلي مادام المجتمع لم يؤسس لهم في تعليمه ما يجعلهم يتذوقون القصة على أنها تجربة فكرية وليست متعية,مازالت قناعة المجتمع أن القصة “الحكاية” لها دورا تربويا وذات أهداف تخدم رؤية المجتمع ولا يقبلون بدورها من حيث هي تجربة خاصة لاستخلاص الحرية الفردية وليست مكنة من مكناته في تدجين أفراده بل مكنة لتحرير أفراده واستكمال انفطامهم الثاني عن المجتمع كما يقول إريك فروم في كتابه ” الفرد من أجل ذاته” إن جاز التحوير, فالقصة تهدد المجتمع/الدولة من حيث هو سلطة, فلا يقبلها لأنها كما يقول أدونيس :لا معنى للجماعة إلا بوصفها أفرادا. والقائمين لا يريدون للقصة هذا الأمر لذلك عندما ظهرت القصة الحديثة سارعوا إلى لباسها لا إلى جوهرها أي أخذنا من حداثة القصة, التحديث في جانبه المادي “السيمات” ورفضناه في جانبه الفكري ,فالحداثة الأدبية لدينا كالفزاعة لا تكش إلا عصافير الإبداع في حين ديدان التخلف تنغل تحتها .

تشرين / ملحق أبواب

باسم سليمان

     

 

 

في زيارة لعالم “مغني لاند” – باسم سليمان

 

لا يوجد في عالم الفضائيات ماهو أكثر إبداعا من الفضائيات العربية !؟ وخصوصا في عالم الترفيه وأخص في ذلك  عالم ” مغني لاند ” وأشباهه من ” ممثل لاند” عارضة لاند ” راقصة لاند ” وبالجملة ليس بالمفرق كل من فرختهم المفرخة العظيمة الشاشة الفضية والذين اكتسبوا سمرة تتوق إليها ملكات الجمال من شدة بقائهم تحت الأضواء .

ونوعية الضوء – الذي سيسمرنا ونحن نراقب فراشته وهي تزدهي ولا تحترق بل نحن الذين نحترق لهفة على ضوء يسمرنا ويسمر غيرنا ولكن واحسرتاه نحن من جماعة “متفرج لاند” التي فقدت كل قيمة لها في سوق من يسمع الصوت لأن الأذن السميعة والعين الشويفة مركزة بس على من هم تحت الأضواء- هو: “خدني معك” أخذنا إلي بيت المغني أمير يزبك – ثمان وثلاثون حفلة خلال الصيف !؟– وبعد هذا الجهد ,جاء  وقت الترفيه لذلك كان المقدم / الممثل وسام صباغ حاضرا مع كاميرا المخرج إيمان خليفة؛ ليزوروا المغني أمير يزبك ويعمل على ترفيههم وترفيهنا .

 تجولت الكاميرا في بيته ورأينا العود الذي لحن عليه الملحن ” جورج يزبك ” الكثير من أغاني سلطان الطرب قد ارتفع والتصق بسقف البيت المعمول كسماء ومن بعدها طلعنا على الجبل و”قوصنا” بمجموعة الأسلحة التي يهواها أمير و”شفطنا “, وغبرنا بالفورد ورأينا مجموعة السيارات التي يهواها أمير من مرسيدس و .. وحتى الكرفانات والحبل على الجرار إلا أن الجرار ليس من مجموعته؟ .

 وعلى ذكر “القواص” “فقع” المغني أمير يزبك موالا ارتجت له حجارة الجبل ومن بعدها جاء دور البحر ,فغطسنا وأكلنا المحار والسمك النيئ ومن بعدها السباحة والغطس يجعل السباح جائعا لذلك كان الغداء من سمك البحر المتوسط وبعدها وعدنا أمير بمفاجأة لجماعة ” متفرج لاند” قد تكون مساعدات معنوية وتضامنية لرفع قيمة أسهمهم والمفاجأة مع سمير يزبك  .

والفنان سمير يزبك خبأ نصيحة قد قالها لأمير ويبدو أن أمير مقصر بالعمل فيها ولنا أن نخمن النصيحة ولنا أن نعممها نصيحة للفضائيات العربية ” يهمنا من المغني غناءه ومن الممثل تمثيله ومن الراقصة رقصتها أما كيف يستيقظوا صباحا وماذا يأكلون وماهي فضائحهم ومعاركهم الشخصية وو.. كل تلك التفاصيل التي لا تدخل ضمن دائرة الفن, فنرجو من شاشاتنا العزيزة ألا تدخلنا في واقع الفنان الذي لا يخص فنه وإلا …

في المرة القادمة لن نقول : خدني معك بل لا تخدني معك .

خدني معك يبث على قناة otv اللبنانية مساء الاثنين

الثورة / فضائيات

باسم سليمان

 

  

 

 

سرد كأحجار الدمينو في ” حياة قصيرة”- باسم سليمان  

يقول ميلان كونديرا : عليك بكتابة رواية لا تروى ولا تقلد . لم يكن قصده أن تصنع تحفة فنية عصية على التقليد بقدر ما كان يقصد أن تكتب الحياة والحياة إن ظهرت متشابهة ومكررة للكثير منا ؛لكنها كبصمة الإبهام خاصة خصوصية كل شخص منا.

رينيه الحايك في سردها الجديد ” حياة قصيرة” لعبت دور المتلصص الصامت والحيادي الذي يكتفي بتدوين أثر شخصياته فقط , فقد انسحبت حتى لا تجد لها همسا في روايتها, الهمس يخص الشخصيات التي تعيش حياتها وكأنها متغافلة عن ذلك العقد الضمني بينها وبين المؤلف , فيظهر صوتها واضحا كشخصيات لها استقلالها وخاصة لناحية شخصية إبراهيم وريتا اللذين يتبادلان محاور العمل الأفقية والرأسية ,فعندما يتكلم إبراهيم في فصله الذي عنون باسمه يمتد أفقيا لتقاطعه ريتا الحبية والزوجة والطليقة وعندما ندخل فصل ريتا يكون إبراهيم هو المحور الرأسي وبقية الشخصيات تلعب دورها كمنحنيات تقاطع المحورين الرئيسيين .

ينطلق إبراهيم من اللحظة التي تموت فيها ريتا في المشفى إثر اعتلال في القلب ويُغفل اسمه في نعوتها لكنه يقصه من الجريدة ويحتفظ به في حقيبة جيبه وبين اليومي حيث الحياة لا تلتفت للوراء يبدأ بالتعرف على ريتا من جديد من خلال الذكريات والتأملات الطويلة لما حدث أما ريتا, فتبدأ من بيتها لتصل إلى إبراهيم للحظة التي تسبق إسعافها للمشفى وهكذا تكتمل دائرة التعرف وكأننا في غياب الآخر نزداد فهما له, فبعد طلاقها عرفت إبراهيم أكثر وهو بعد موتها عرفها أكثر.

رينيه الحايك أرادت للسرد الذي كتبت بها روايتها أن يتخفف من المقولة لصالح جريان الحياة ,فلا نجد تلك المقولات الكبيرة بل نجد تلك التفاصيل حيث تعمل في نفس القارئ على إثارة انتباهه لما حوله تقول ريتا:” فكرت أن أكتب بعض ذكرياتي . الآن لم يعد هناك ما يكتب عنه أعجب كيف لا يبقى إلا القليل في رأسنا من ملايين اللحظات التي نعيشها” هذا القليل هو الذي يعذبنا, ما عشناه ينزلق رويدا رويدا من بين أيدينا حتى لم يعد ما نستطيع قوله إلا حركات غير مفهومة تشبه تلك الحركات والحشرجات المكتومة التي تطلقها الحياة وهي تنسحب كظل مع غياب الشمس وهذا يعني الالتفات باهتمام من يعرف أنه يعيش ,فلا يأخذه الانغماس في لجج الحياة عن جوهر الحياة ذاتها .

الرواية جاءت حتى في لغتها بسيطة حيث هي لغة بوح شفيف يشبه ما نتفوه به لحظة تأملنا لذواتنا في نهر الحياة أو نسر به لصديق ما ,فلا اصطناع ولا تمثيل كيوم عادي مهما حدث به .

مكان الرواية بيروت ولبنان وقت الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي وبعض دول الوطن العربي والمغترب حيث تتوزع شخصيات الرواية من خلال إبراهيم وريتا وهم الذين مروا بحياتهما ,ظهروا أو اختفوا, ففي الفلاش باك الذي نجده في الرواية والذي يتتابع كموجات متلاحقة تولد من بعضها البعض يقودنا لحقيقة واحدة أن الحياة هي ما نتذكر لا ما نعيشه والرواية تريد أن تثبت عكس هذه المقولة : إن الحياة هي ما نعيشه لا ما نتذكره ؛ لذلك نكتشف خواء إبراهيم وريتا نتيجة لعدم قدرتهما على اكتشاف العيش ,فاكتشفوا الذكرى يقول إبراهيم :” جالس في سريري. الغيم يعتم الغرفة ثانية . الجو أسود والعالم يموت ويتلاشى” وذلك بعد موت ريتا وتظهر له أن الذكرى سراب نعيش به في حين الحياة لا وقت فيها للتذكر.

تمتاز الرواية بقدرتها على مشهدة التفاصيل بكاميرا بالألوان أو بالأبيض والأسود مع موسيقا هادئة تترك للمكان المرصود والزمان قول نفسه بعيدا عن أية محمولات مقصودة ولكنه غني بكل الدلالات لأنه مكان العيش والذكرى.

الرواية واقعية مفتوحة أو ما بعد الواقعية حيث لا سير أبطال في صراعهم الطبقي أو محاولة لملمة شتات ذاتهم تحت قناع الوحدة بل الحياة ببساطة ,بساطة ولادة موجة وتكسرها على رمل الزمكان.

حياة قصيرة ل رينيه الحايك صادرة عن المركز الثقافي العربي الدار البيضاء المغرب / بيروت لعام 2010

الثورة/ كتب

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

الشاي رحلة تأمل – باسم سليمان

 

الشاي في الصين , قصة حضارة موغلة في التاريخ , ليس مشروبا عاديا بل ارتبط بأهم الديانات الموجودة هناك وخاصة في جبل “وو يى” وحتى أهم فيلسوف في الصين بعد كونفوشيوس” تشوشي” سحره هذا المشروب فأقام قريبا من هذا الجبل الذي تنمو به شجرات الشاي كما كانت منذ وجدت وهذا الفيلسوف صاحب فلسفة المثالية الموضوعية ذاع صيته واعتبر ممثل الكونفوشيوسية واليوم أفكاره تعم العالم يقول عن الشاي : إنها كالعلم رائحته رائعة ولا تشوبه شائبة يدعو للتأمل ويمازج الروح ونتيجة لحبه للشاي بنى أعظم مدرسة شكلت حاملا رئيسا للثقافة الصينية في ذلك الزمن وما بعده.

في الأسطورة شربت الآلهة الشاي ونسيت قدر الشاي في وسط النهر , فعبقت رائحته التي تسلب الألباب , فوجد الصيني القديم القدر وقلد الآلهة , فصنع الشاي وهكذا صار الشاي مشروب الأباطرة تقام له الطقوس والأدوات الخاصة التي تكرست بشكل خاص بعهد أسرة “سونغ”.

” تشاو يونغ” باحث في تاريخ الشاي عمل على مدار سنوات وهو ينقب ويقارن ويبحث في اللقى الأثرية والكتب ليفهم كيفية صناعة الشاي وشربه وطقوسه في ذلك الزمن في جبل “وو” في عهد أسرة ” سونغ ” استطاع أن يعيد التاريخ وكيفية استعمال هذه الأدوات , في البداية كان يشرب الشاي بعد تقطيره عبر البخار ولكن تغيرت الأمور فيما بعد وظهرت أنواع من الشاي في جبل “وو” سُميت شاي التنين والفينيق ذات قيمة كبيرة حتى إن أحد الشعراء قال : الحصول على الذهب أسهل من الحصول على غرام من تلك الشاي المصنعة بطريقة خاصة كسر من الأسرار.

لعبت الشاي دورا هاما في الثقافة الصينية , فحول مائدتها تجمع الكتاب والفلاسفة والشعراء ورجال الدين وتبادلوا الآراء والأفكار وقد خلدوها في حكمهم وأشعارهم وأقوالهم حتى غدت الشاي رديفا للثقافة الصينية تحمل بين رشفاتها تاريخا عظيما .

جبل “وو” منطقة سياحة من الطراز الرفيع . الخضار والماء والجبال المتوجة بالغيم وحديقة الشاي الملكية التي كانت تمد قصر أسرة “سونغ” بالشاي.

يقال : إن أحد الشعراء كان مدمنا على الخمر لا يفارقه وعندما قدم لجبل “وو” سحرته تلك النبتة ومشروبها , فترك الخمر وكتب فيها أشعارا كالماء.

الآن الشاي قد غزا العالم , فقد الكثير من روحانيته واكتسب الكثير في تلك الرحلة الطويلة من الصين للعالم ولكنه إلى الآن نجده مرافقا يوميا لهذا العدد الهائل الذي يسكن الكرة الأرضية .

تتنوع الشاي حمراء وخضراء وسوداء ولكل منها قيمته وفلسفته وتاريخه.

شاي جبل ” وو” بث على القناة الصينية العربية في برنامج نافذة على الصين

باسم سليمان

 

 

 

 

مات الملك وعاش المتفرج

 

يبدو أن جورج قرداحي قد نجح باستنساخ تجربة الأجوبة الأربعة من الغرب الذي أشرقت علينا برامجه التلفزيونية من كل حدا وصوب ولكن بجودة …..؟؟؟ وخصوصا حذف إجابة ما وهي في برنامج “كش ملك ” الذي تقدمه هبة الأباصيري تكون الرابعة أم نقاط لأنها هكذا ظهرت لنا على الشاشة ,نقاط , فهذه الإجابة هي الهروب!!؟, الذي يجب أن يتفاداه الضيف العتيد وخصوصا نجومنا الذين يداومون على شاشاتنا  مع أنهم لا يضيؤون بمقدار شمعة وهكذا استطاعت صابرين المعتزلة– ليست من مذهب المعتزلة الذي انقرض في سياق الحضارة العربية – والعائدة من ردتها الفنية ولكن استذكرناه لسبب؟ ,فهي لم تفعل كما فعل حسن البصري بسبب الخلاف على مرتكب الكبيرة – التمثيل – واعتزل أستاذه بل بقيت تختار بشجاعة الأجوبة الثلاثة  الباقية أو الأسئلة أو الاقتراحات وتتفادى كشات وزير المقدمة هبة الأباصيري – ليست قريبة بهجت الأباصيري في مسرحية المشاغبين ذكرتهم بالخير الممثلة القديرة المتحجبة سهير البابلي, فبهجت ذاك من التخيل الرائع ومقدمتنا العزيزة من الواقع,”الواقع” – وتواجه بشجاعة قل نظيرها , مثلا السؤال التالي : هل أنت عنيدة -مغرورة – برأيين – وطبعا الرابعة أم نقاط ….. , فأجابت: هم يقولون لي مغرورة وأنا لستُ كذلك وهنا حركت هبة حصانها الأسود وقالت وكشت ملك صابرين : أنت على إذاعة أف أم ,قلتِ: إن يحيى الفخراني هو من ألح عليك لقبول الدور في مسلسل ” همام شيخ العرب” . وهنا صابرين بذكائها المعروف عنها لدرجة أنها تشتغل بالإفتاء الفني مع أختها حنان الترك ,فأجابت : لا , كل ما في الأمر أني رحتُ أعيّد حفيد يحيى الفخراني يحيى الصغير وهنا قال لي الممثل القدير يحيى الفخراني أن الفرصة تأتي للمثل مرة واحدة ,فليغتنمها وهذا ما حدث ,فقلت له الدور لا يلبق لي لأنه كوميدي شوية ,فقال لها: أنت ممثلة بارعة!؟ وردت صابرين كشة الملك بأن أكلت الحصان بالجندي الأسود.

و بقية الأسئلة عن الرجيم وعن عمليات التجميل التي أصرت على أن تكون حلال وبموافقة الزوج “سي السيد ” كما في ثلاثية صاحب النوبل نجيب محفوظ وطبعا الزوج يجيبها : لا أنت زي القمر ,واستكملت بآرائها عن فائدة الماء للبشرة وجملة من التفاصيل الصفراء والأسئلة المصفرة من ماركة :قلتِ وقالتْ ونميتِ ونموا وأنك أحسن ممثلة – لا أبدا أنا قلت كده -!؟ . عشرة أسئلة لا يشق لهم غبار أطاحت بهم صابرين التي أبدعت يوماً بأم كلثوم بضربة واحدة .

نعود لجورج قرداحي ونتمنى أن تكون قاعدة حذف إجابة ما تشمل حذف هكذا برامج التي حيرت أصحاب العقول عندما حاولوا معرفة جدواها ولكن أصحاب الجهل والرأسمال ابتسموا ابتسامتهم التي كالموزة و”وظحلطوا” المتفرج العربي إلى الدرك الأسفل من هذه البرامج المنتشرة بكثرة انتشار الذباب في صيف قائظ.

برنامج “كشك ملك “قد كش حقا ملك الذائقة وهزمه شر هزيمة أمام ملك التسطيح ؛لذلك تمتلئ سطوح بيوتنا بتلك الصحون الفارغة وصحون الدور العربية أزيحت منها المكتبة ووضع بدلها صندوق الفرجة ,فبدلا من أن نتفرج على العالم ونعرفه صرنا نتفرج على أنفسنا ونزداد قوقعة.

البرنامج ” كش ملك ” على قناة الحياة الثانية الفضائية

الثورة / فضائيات

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

جوكر القنوات الفضائية

 

يبدو أن الممثل الناجح والجماهيري صار ” جوكر” القنوات الفضائية العربية وخاصة لناحية الترفيه الذي لا يرفه إلا للإعلانات التي تصاحبه كبرنامج , داعمة له ومروجا لها ,فتشكله أي الممثل في أية خطة برامجية مادامت  تتعلق به عيون المشاهدين الذين يتبعون نجمهم كما تتبع برادة الحديد المغناطيس .

والممثل ” الحربوق” لا يوفر فرصة تأتيه حتى ينط لنا من خلال الشاشة ,من برامج المسابقات التي لا تقيم لمعنى المسابقة قيمة إلى الطبخ , فيطبخ لنا خلطة تشبه “شوربا عجب العجب” إلى ما تريد!؟ , مادام البرنامج لا يحتاج لأي نوع من العضلات بل السطحية السمجة حيث لا نفهم لماذا هو متواجد في هذا البرنامج؟؛

لأنه كلما طل علينا في لقاء أمطرنا بوابل من ضرورة التفاني في العمل وتخصيص كل الوقت له والتحضير والمتابعة إلى ما يقود التخصص العميق والخاص لأن النجاح لا يعترف إلا للمتفاني في عمله !! .

حسنا أيها الممثل , قل لنا ماذا تفعل في تلك البرامج ؟ هل الحاجة للشهرة وقد حصلت عليها أو المال الذي صار يسمن بين يديك بعد الانتعاش والتطور السريع لكل ما يتعلق بالفنون التمثيلية ورواجه لدرجة لا تقدم فضائياتنا غير الدراما في النسبة الأعم من برامجها أم أنك لا تريد أن نفارقك, فتطل علينا في الدراما أو أي برنامج, تعلم تمام العلم أنه لن يضيف لرصيدك إلا المال ورصيدنا إلا الملل منك .

الغريب أن التخصص أصابته الليبرالية التجارية , فلا حدود ولا من يحزنون , فمن ممثل إلى مخرج ومن كاتب سيناريو إلى منتج أو الله أعلم والقضية كالدائرة لا تعرف بدايتها من نهايتها ورغم ذلك الكل يقول : إن الشخص كان ممثلا, مخرجا أو كاتب سيناريو يقضي عمره في إتقان عمله ثم يفعلون عكس ما يقولون , فبين ليلة وضحاها نرى تبديل الاختصاصات كتبديل الثياب مدام الأمر فيه يكتفي بالمعلومات العامة والباقي يحله قانون ” الجمهور عاوز كده “.

ليس الجمهور بل رأس المال أما رأس المشاهد الذي صار كالصحن يتلقى ما يحقنه به القمر الصناعي وهو في سكينة بال وعنوان قناعته: القناعة كالممثل كنز لا يفنى من العَلم للعَلم هذا قديما أم اليوم من البرنامج إلى إعادته.

نحتاج الاختصاص كالماء في الصحراء ولن نقول ذلك عن ممثلينا الذين حقا هم مختصون بمهنتهم لكن نقوله عن التقديم والإعداد الذي صار شغلة نافلة بعالم الفضائيات العربية الكل قادر عليه والأكثرية لا تقدم شيئا.

الثورة

باسم سليمان

 

 

مسرحة السرد في ” اقتراب ” للمطرفي – باسم سليمان

 

يموت جلال وليس له رائحة نتنة . حمدون السارق وزوج امرأة السرّ والمتهم بقتلها وقتل جلال وبفنية الجريمة الكاملة على ألسنة حارة الدراويش , المبرأ من التهمة قانونا وسرداً . الصحفي المكلف بإعداد تحقيق عن المسرحي جلال الذي رحل في عزّ شهرته , يصبح صديق جلال والراوي لهذه السيرة والمستمع لحياة حمدون من فم جلال , المتأمل في كل ذلك . يبدأ سرده من اللحظة التي حمل بها المشيعون جثمان المسرحي جلال ؛ لينتهي بالماضي القريب وجلال يعد مسرحيته الأخيرة .

“اقتراب” رواية من الحجم الصغير ل فوزي المطرفي تدور أحداثها على خشبة مدينة دمشق وخشبة المسرح . يستحضر فيها المطرفي أدوات المسرح من منولوج وديالوج وتلك اللغة التي تعلو عن حسية اليومي المعاش إلى التجريدي لمقاربة الحياة من عين تتأمل وتعلق على ما ترقبه وتصدر أحكاما لتجد لسيرها موطئ قدم في هذا الزمن الذي يزداد اعتباطية  فيهشِم الجسر الواصل بين الغاية والدلالة من حيث ارتباط الفكر بالممارسة لتقيم من بعد ذلك الوسيلة الميكيافلية صرحها على أرض الواقع متطلعة للفكر بعد أن تُحكم قبضتها على الممارسة .

يتخفف المكان في سرد المطرفي لكنه تخفف مقصود أشبه بالمكان المسرحي ,فالمكان لا يرصد لذاته بل يقدم خدمة للفكرة التي تطرح سواء كان في وصف بيت جلال أو متابعة حركات حمدون أو الجبل الذي أتى منه المسرحي أو ذاكرة الصحفي السارد, كذلك الزمان وإن كان ذلك جيدا للرواية لناحية الزمان والمكان إلا أنه لم يخدم الشخصيات التي بقيت معلقة في فضاء مسرحي محصورة بزمن العرض فقط مما جعلها باهتة لا تظهر إلا في اللحظة التي يسلط عليها الضوء كأنها على الخشبة. هذا الظهور والغياب يصلح من حيث آليات المسرح لكنه في الرواية يختلف الأمر إذ تبقى الشخصية تعمل بعيدا عن الصوت والحركة والفكرة التي تقدمها وإن انسحبت من الضوء وهذا ما جعل شخصية الصحفي الذي برز كمريد للمسرحي جلال يصوغ الرواية كالتحقيق الصحفي المكلف به  – لا كأسلوب- بل بانتقائه الأحصنة التي يريدها لجر عربة السرد متغافلا حقاً عن أحصنة جلال أو حمدون الخاصة وغيرها من الشخصيات التي ظهرت لتدعم التحقيق ” المسردن”  وتنسحب دون أثر يذكر في ذاكرة السرد ,فلا عدو لأحصنة سردية لا تخدم توجهه وهو بذلك عمل على تشذيب لحية السرد في حين عندما وصف جلال ترك للحيته الحرية في النمو ويا ليت تتطابق السرد مع لحية جلال؟! .

الهدف مما سبق في طغيان الجو المسرحي على الطقس الحياتي / الروائي يكمن في مقولة التطهير التي يلعبها المسرح , فجلال كان يرى بالمسرح القادر على الفعل إذ هو من  يدمج المشاهد بالمسرحة من حيث هي حركة وفعل وبذلك يستطيع عبرها إعادة تطهيره ولكن ألا تأخذ الرواية جانب التغريب البريختي؟! حيث هناك مسافة بين المشاهد والمسرح ليحدث فعل التأمل القادر حقا على الفعل أكثر من التطهير الذي يترك حالة من الراحة السلبية وهذا ما كان ينقص الرواية أن تهضم المسرح الأرسطي وتتخلص منه  ,لكن ذلك لم يحدث .

التطهير ,هو ما ينشده المطرفي , أنه يدعو لتطهير حياتنا عبر مسرحتها لكي نستخلص التطهير ذاتيا الذي استحصله جلال بالموت الغامض بالحديقة ولا رائحة نتنة تفوح منه .

رواية حملت الكثير من الأفكار أشبه بالتلقيح الصناعي ولا بد في هذه الحالة أن يعمد القارئ لإبعاد الكثير من البيوض / الأفكار والاكتفاء ببعض البيوض ليكون الحمل سليما وما يمكن أن نسميه بالمسافة البريختية بين المشاهد والمسرح لكي لا يصاب بالعول و فقر السرد أمام الفكر المطروح.

 اقتراب رواية لفوزي المطرفي صادرة عن دار كيوان 2010

الثورة

باسم سليمان

Basemsolaiman@hotmail.com

   

 

 

بدون تعليق

 

يبدو المصور كالصياد الذي يلتقط من نهر الحياة الأسماك / الصور . والتصوير كعملية التحنيط تحافظ على الزمن والمكان بعيداً عن الصيرورة لتدخله في هرم الذاكرة لتحين لحظة تأويله عندما يفتح الألبوم ويبعث الصامت في النظر والكلام.

“المصوراتي” تقديم وإعداد عادل مبارز استضاف سوزان نجم الدين ويبدو الهدف من البرنامج واضحا من عنوانه  بأنه يستنطق الصورة ويعيد دمجها بصيرورة الحياة وهذا يقتضي فهما جيدا للعلامات التي تتضمنها الصورة , فلا يكفي أن يكون التعليق بسيطا أو عابرا بذكر مكان التقاط الصورة ومع من؟, وما إلى ذلك الذي يعتبر ملامسة سطحية لمفهوم الصورة !؟ وهذا ما حدث !؟, فهل هذا يصب في الغاية التي يدل عليها عنوان البرنامج أم أن الأمر لا يعدو أن يكون يشبه تلك الصورة التي كانت تسمى 4*4 حاسر الرأس وحتى هذه تفوقت على ما قدمه البرنامج من الصور واستنطاق مفهومها وعلاقتها بالذاكرة .

عادل الذي من عادته أن يزود حلقته بمجموعة من الصور للضيف سواء عن طريقه أو بمجهوداته , اكتفى مع سوزان بما قدمته الشبكة العنكبوتية وأرجع السبب في ذلك لعدم تقديم سوزان مجموعتها الصورية التي تخصها !؟, لذلك كاد البرنامج يذهب  باتجاه آخر لولا ما نثرته سوزان من ذاكرتها حول طفولتها ودخولها عالم التمثيل والعمل الاجتماعي الذي تقوم به من خلال ما قدمته النت من صور حولها وحول تكريمها  .  

تكررت الأسئلة المعتادة التي تطرح عادة وكأننا في برنامج لا يتعلق بالصور بل بأي برنامج يعتمد على الكلام والحوار لا على الصورة !؟.

وفي نهاية البرنامج قام المصوراتي عادل بالتقاط مجموعة من الصور لسوزان وهو يحاورها بعدما وضعها تحت الإضاءة وعدسة كاميرته وعرضهم عليها وأهدها صورة كان التقطها في لقاء سابق ,ستعلقها على جدار مكتبها.

المصوراتي تفيد الحرفة في أمر التصوير أي أن صاحبها له القدرة على توقيف الزمن والمكان عندما يضغط على زر كاميرته كذلك من يتصور تقدم له تلك الصورة مجموعة من التداعيات الثرة وهذا هو جوهر معنى كلمة الصورة الذي يجب أن يعمل عليه المصوراتي ويعرفه أيضا الذي تلتقط له الصورة لكن للآسف هذا ما لم نره في البرنامج !!, فذهب البرنامج منحى تلك المجلات التي تقدم في بعض صفحاتها صورا للمتواجدين في نشاط اجتماعي ما ,لكنها مسطحة وباردة وبلا عمق وكل ما تقدمه شهرة فارغة , فهل سوزان نجم الدين بحاجة لتلك الشهرة والتي قالت في جواب لها: إنها تتأنى كثيرا في اختيار عملها لأنها تريده كاملا من حيث الإخراج والنص وكل متعلقات الإنتاج . وهنا السؤال لك يا سوزان لماذا أقدمت على التصوير في هذا البرنامج دون أن تتأكدي أن العدة كاملة لحلقة ناجحة ترضي بها جمهورك!؟وأنت يا عادل مبارز أنت مصوراتي!؟ ,أين الصور!؟.

 يبث على نايل لايف مساء الأربعاء.

ألف

باسم سليمان 

 

 

بين الريف والمدينة أقاصيص هاربة

 

تأتي قصص رمضان إبراهيم على الجسر الذي يصل الريف بالمدينة وهنا الريف والمدينة يقفان وجها لوجه ,يتنازعان السيطرة على سردياته . الريف يشهر الذاكرة والمدينة ترفع الآن وبين هذا وذاك تتشابك مصائر شخصياته بأمكنتها وأزمنتها محاولة أن تجد هامشا لا تذوب فيه تحت وطئ ذاكرة تضمحل أو آن يلبس بنطال المدينة بكل صلافة.

تظهر هذه الدلالات السابقة الذكر بالكثير من معطيات سرده, فالموقف الرومانسي لوصف الريف من حيث الطبيعة الجميلة غير الفاعلة بالسرد بالظاهر لكن تكمن فعاليتها باطنيا بفعل الحنين وباستحضار حيثيات القرية من ذاكرة الطفولة وبيوت الطين والعجائز الذين يقفون على مشارف الغياب وعلاقة السارد بهم , في حين المدينة خرجت من الوصف بالمعنى السابق وتمازجت وردود فعل الشخصيات عندما تضمنتها المدينة بواقعية غير محايدة تعمل عملها ظاهرا وباطنا ,فالشخصيات قلقة غير مستقرة تلفظها المدينة ومن جانبها تحاول الهروب من ضغط عجلة المدينة التي لا تسمح لتلك البساطة المعهودة في الريف أن تنوجد ” بدت الأشياء سريعة جدا , الطريق إلى الكراج , إشارة المرور, لم أحس يومها بالفترة الزمنية بين ألوان الإشارة .. أناس كثر على يمين الطريق قبل ثوان ٍ كانوا على يساره..ما هذه السرعة في كل شيء”.

يبدو السارد هو المسيطر على مجموع القصص وإن ظهرت قصص أخرى لكن بقي السارد هو الذي يصل بين ضمائر الغير والغياب يضع نقاط آخر السطر والفواصل وعلامات الاستفهام والتعجب لها وهذا يشي بالمقولة السابقة حيث “الأنا “في الريف تحتفظ بالكثير من هويتها مقابل “أنا” المدينة التي هي نتاج مجموعة من الضمائر المتناوبة السيطرة .

الخط الأفقي هو الحامل لتوترات القص في سرد يقوم على إفراغ حمولته بنهاية مفاجئة مسبوقة بتحضيرات تخدمها وهذا ما يحسب لتلك القصص, فابتعدت عن المقدمة والعرض/ العقدة ومن ثم الخاتمة واكتفت بالعقدة والخاتمة عبر تموجات تغني السرد ولكن لو دعمت تلك القصص بخط رأسي يجعل القصص بعدة عقد تدعمها شبكة من القصص القصيرة تخصب الخط الأفقي للسرد لكان ذلك جعل تلك القصص تنفتح على مستويات عديدة تدعم دلالة جدل المدينة الريف وقد حدث ذلك في بعضها كقصة ” غانية المقاهي” حيث السارد يتناول الشاي في مقهى ما , فتخطف كأس الشاي السارد من ضجيج المقهى وتغوص فيه ككيس الشاي عندما نضعه في الماء الساخن وكأن المقهى يشي بتعدد أنوات الذات في المدينة وصولا لكأس الشاي ,فالشاي دخل في ذاتية السارد واستوطنها في حين نجد في قصة ” وحيدا ينتظر” ذلك الفلاح الذي يصلح المحراث ينكفئ على ذاته بعد قدوم الجرار ولا يرى في كأس الشاي “وحيدا يجلس أمام شرفته لعله يتناول كأس من الشاي برفقة عابر سبيل حتى ولو كان من عمر أبنائه”؟.

ختم القاص مجموعته بنصوص اسماها “نصوص مفتوحة “؟! لها شكل “ق ق ج”؟! نقتطف منها هذه القصة” عقارات” :سأله لماذا تقطعون الأشجار,وتقيمون مكانها هذه الأبراج الفخمة… قال له : أيها الغبي , هل تملك ما تطفئها به لو احترقت نحن نعالج المسألة بواقعية عقارية متحضرة.

هذه هي المجموعة الأولى للقاص تستحق المتابعة .

أقاصيص الهروب مجموعة قصصية ل رمضان إبراهيم صادرة عن دارة عروة – طرطوس لعام 2010

الثورة / كتب

باسم سليمان

 

 

 

  

 

رقابة البتنجان والكوسى

ماذا تفعل على هذا الكرسي ؟

 

أفيشات, مجلات , حفلات , أغنيات , برامج وإلى آخر التسويق الإعلاني والإعلامي والكل موافق والفلم مكفى دون شاشة .

“بدون رقابة “أجلس زياد بطرس أمام وفاء الكيلاني على شاشة lbc ؛لتمطره بأسئلة صفراء محاولة أن تنضجها تحت شمس ملحن أغنية غابة شمس الحق والمقدمة المعدة يبدو أنها تجيد نكش كل ما يتعلق باللا فن وتطرحه على زياد الذي حاول أو انتبه أن الكرسي الذي يجلس عليه ليس بثبات كراسيه السابقة التي جلس عليها , فجرب قدر المستطاع أن يكون صريحا كما عهدناه لكنه سقط في لعبة السياسة التي تقول ولا تقول .

سؤالنا لزيد ماذا تفعل على هذا الكرسي؟ , هل جلوسك عليه قاد الحديث إلى التجربة اللحنية لك وما قدمته للموسيقى سواء اللبنانية أو العربية أو العالمية ؟ وماهي الفروق التي تشتغل عليها في لحنك أو الكلمة ؟؛لتطوير الأغنية ولتخليصها من السجع الموسيقي والكلمي حتى  صرنا نقول : عجب عجب أغنية تمشي ولها ذنب .

طبعا يا زياد أنت على علم بطبيعة الأسئلة التي ستطرح, فالبرنامج كُرر وكُرر حتى صار المشاهد يستطيع الجلوس محل المقدمة ولا تفرق الحلقة إلا بطلتها البهية ولهجتها المصرية المحببة وطبعا هذه الأسئلة والأجوبة ستكون مادة غنية للصحف الفنية الصفراء؟ وطبعا لبرنامجها لأنها أمنت مجموعة من النكشات التي ستلقيها على من  سوف تستضيفهم سواء في برنامجها أو برنامج لا حق بغير اسم ,مثلا “دون رقابة ” أو غيرهم من البرامج التي تدعي الجرأة عفواً الفضيحة الصفراء؟.

هل من معقولية القول أن نقول : لِمَ كلما عولنا على أحد ممن نعتبرهم من الصامدين في وجه المد الاستهلاكي الذي دون جذر نراه يتخبط في هذا المد؛ ليحدث لدينا ما يشبه الفصام بين المبدع وإبداعه ,فنقول نحب إبداعك وياريتنا لم نتعرف على شخصك ,لربما هذا الحكم قد ورثناه من قناعات فكرية راجت في فترة من الزمن ولم تعد صحيحة لأن المبدع هو في نهاية الأمر إنسان / مجموعة من التناقضات ولكن لنا الحق في المطالبة بتلك اللحمة بين المبدع وإبداعه ,فهل هذا حق  لنا أم … !؟ ولكن تبرر لنا أغنية غابت شمس شرعية هذا الحق ؛لذلك نلجأ إليها كلما عملنا على جبر خواطرنا المكسورة في هذا الواقع العربي .

زياد بطرس رغم ما قلناه تبقى الحلقة التي اُستضفت فيها من الحلقات القليلة التي كانت بدون رقابة لربما فقط على صعيدك الشخصي .

بدون رقابة أو غيره برامج تكثر على قنواتنا الفضائية ,تدعي ما تدعي ولكن لم نعرف ما هي الرقابة التي تجاوزتها هل هي متعلقة بالبتنجان أم بالكوسى .

الثورة / فضائيات

باسم سليمان  

صورة صغيرة ,خطوة في دعم سياحتنا – باسم سليمان

 

من الأسباب التي شرعنت عطلة اليومين في سوريا . كانت فكرة دعم السياحة الداخلية التي تشهد انحسارا في ظل الكلفة المرتفعة نسبيا وضيق الوقت للقيام بها وخاصة لشريحة الموظفين وضعف التوجه الإعلامي لتغطية الأماكن التي تعتبر سياحيا من الدرجة الثانية ,فبقي توجه الناس لذات الأماكن التي عرفوها بالرحلات المدرسية أو ما تنجزه النقابات والجمعيات لصالح أعضائها وهذه لم تخرج عن السياق السابق وهكذا بقيت الكثير من مناطق السياحة السورية في ظل من الجهود التي تحاول تفعيل هذا الجانب المهم في الاقتصاد الوطني .

شام fm قناة إذاعية فضائية صورية اختارت لتملأ شاشتها صورا ملتقطة لكل المناطق السورية بدءا بالعاصمة وصولا لقرى نائية وتعمل على تكرار هذه الصور وتجديدها بين فينة وأخرى على وقع الأغاني المنوعة والأخبار البسيطة والمنوعة من كل أنحاء العالم حيث تعرض صورة ما وخبرا يرافقها ويتعلق بها ولكن النسبة الأكبر والدائمة والمستمرة تتعلق بالمناطق الطبيعية السورية سواء لناحية جبالها أو سهولها أو بحرها متضمنة في ذلك المدن والقرى .

هذه الطريقة جعلت المشاهد يتعرف على المناطق القريبة منه والتي هي بمتناول قدرته ,فيقصدها وبالطبع المحرض لذلك تلك الصور الجميلة والمنتقاة بعناية من قناة شام fm والتي لا تأخذ من وقت المشاهد الانتباه الذي يعطل عن عمل ينجزه والمعنونة باسم المنطقة التي هي فيها . بهذا ترفد السياحة الداخلية ,فتغطي النقص الحاصل في فترة هبوط السياحة الخارجية وتجعل المناطق السياحية سواء من الدرجة الأولى أو الثانية!؟ فعالة طوال السنة .

ما تفعله القناة يعتر رائدا ,فماذا لو خصصت بانوراما تهتم بأماكن التصوير الخارجية بأن تعمل مزجا بين اللقطات التي تضمنها مسلسل ما وبين تلك المنطقة التي صور فيها وتقدم نبذة عن تاريخها وأهميتها الثقافية والاقتصادية والسكانية ,فتلعب دورا في جذب الاستثمارات التلفزيونية إليها لتصوير فلما ما أو سلسلة درامية ما من خارج سوريا .

 

سمي التلفزيون نافذة على العالم ,فلنفتح هذه النافذة على سياحتنا الداخلية كما تفعل الكثير من الدول المجاورة وخاصة تركيا التي بجملة مسلسلات استطاعت أن ترفع عدد سواحها العرب أرقاما مضاعفة وطبعا كان منهم الكثير من السوريين الذين يدهشوك عندما يقولون لك لم نكن ندري بتلك المناطق الجميلة في سوريا !؟. عجبا ألسنا في عصر الميديا والقرية الكونية ,أفلا من الواجب أن نعرف حارتنا أكثر بتلك القرية!؟.

الثورة

فضائيات

باسم سليمان

 

 

الناقد والمنقود في تراثنا الأدبي – باسم سليمان

نقد مستقر , جهل مستمر

حبر على سطر, نور على ظل , كتابة على كتابة وتناص يخرج بالكلمة من قاموسيتها والجملة من سياقها السابق الجاف المتصحر؛ ليبني بتخصيبه إياها سياقا جديدا , فالقصة والشعر والرواية لم تعد كالسابق ولا تقرأ كالسابق , فالعتبة نص في الظل والغلاف جبة تصرح ليس فيّ إلا الحبر وكل كلمة توضع تحمل تاريخيتها معها وتحمل نقيضها كذلك الجملة , فلم يعد القاموس يجدي ولا والسياقات الجافة , فالقراءة الجديدة هي قراءة معرفية لأن الأدب اليوم هو أدب يستبطن المعرفة, يظهر الشريعة ويريد الحقيقة بالجدل بينهما  وقديما قالها الطائي : ما لك لاتفهم ما يُقال ؟!.

قلت ذلك بعدما طالعت النقد المدرسي الذي جاء في عن سابق نشر عن قصة “الأمنية الرابعة ”  نبدأ بالعنوان ” الأمنية الرابعة ”  والتي تأتي تكملة لأمنيات العصفور كما يظهر من النقد المدرسي ؛ لكن نعرف أن العصفور استكمل أمنياته والثالثة حولته لإنسان وتحوله لإنسان جبّ كينونته السابقة , فكانت نهايته , فلمن تكون الأمنية الرابعة ؟- لنوضح أكثر من آجل الطلبة, الأمنية الرابعة هي النص الموازي والخفي للقصة –  وخاصة أن الأمنية الأولى والثانية لم تنس العصفور كينونته السابقة ,في حين الثالثة أنسته , فالعدّ لا يستقيم هنا , ونترك تصور الأمنية الرابعة للنقد المدرسي؟.

الشخصيتان الظاهرتان في النص هما, للعصفور والمارد والغريب أن النقد المدرسي استند لشخصية العصفور وأهمل الشخصية الرئيس وهي المارد بحكم قدرته على تحقيق الأمنيات وبدلالة العتبة العنوان والاهم أنه عبد السرد الإنساني ومحكوم بقوانينه ونحن نكتب بلغته لا بزقزقة العصافير, وأيضا كان المارد الخاسر الأكبر والقصة قصته ,قصة حريته التي ينتظرها منذ دهور وما خروجه عبر العصفور إلا عارض على ما يفترضه السرد البشري بأن تكون يد الإنسان هي التي يتحرر عبرها المارد وإلا لماذا كان تنكره للعصفور؟ وماذا سيقول لمجمع المردة ؟ولماذا فكر بالانتحار برفض القانون الذي يحكمه بعدم تنفيذ ما يوجبه عليه محرره من الفانوس؟ ولماذا استعجل أن ينفذ الأمنية الثالثة رغم العار الذي سيلحق به؟, أليس خوفا من وقوعه تحت سلطة يد أخرى, أكان يرغب بإيجاد تاريخا جديدا للمردة بدلا من تاريخ الإنسان؟!, وهنا الدلالة على سطوة الإنسان على التاريخ .

 فمن هو العصفور؟ أنه لاشيء فلا تاريخ له كما قال المارد؟! , ومن هو القانون الذي يحكم المارد؟, أنه الإنسان ؟!؛ لذلك عندما تحول العصفور إلى إنسان نجح في أمنيته الثالثة وأعاد تهيئة كينونته بنسيان كينونته السابقة بأن وضع الكينونة الجديدة للصياد المتحول لعصفور دون تأنيب ضمير في الجعبة ؛وهذا يفهمنا ماهية  الذاكرة التي تحكم المارد ويريد أن يدخل تاريخيتها هي ذاكرة الإنسان المتن لا العصفور الهامش ؟! ؛ لأنه عبد سرديتها وقانونها .وهنا كيف نفهم  إغفال الجدلية من قبل النقد المدرسي التي قامت عليها القصة!!-  بين الواقع والخيال والهامش والمتن بين العصفور والمارد وبين الدال القار والدلالة المتغيرة التي يجب أن تعيد أنتاج الدال لتتحقق صيرورة اللغة/ الفكر/ المعرفة/ الإنسان -  لصالح أحدهما بحيث بترت الدلالة في النقد المدرسي لصالح الدال القاموسي المتجمد وسلم التصحيح  !؟.

إنها ليست ورقة خضراء فقط بل ورقة توت وكلنا نعلم ارتباط التوت بالمعرفة؛ لذلك كانت النهاية من حيث انطلقت من الجدجد الذي سيأكل ما يستر جهلنا وخاصة في النقد المدرسي؟!!.

ولناحية البناء التقليدي ؟!, ألم يسمع النقد المدرسي بالبناء الدائري إن صح التعبير حيث تكتمل دائرة القص بعودة الخط السردي لمبتداه وبالتالي تعاد خلخلت القصة بإعادة قراءتها, فتكون الإعادة ناسخة للقراءة الأولى ؟! أم أن الخاتمة جاءت زيادة في الكلمات؟!

وفي النهاية نسأل النقدي المدرسي لكي لا نطيل. كيف فهم أن العصفور انتصر على الصياد؟!, لقد فقد كينونته, ذاكرته وتاريخه بتحوله لإنسان وما فشله في أمنياته السابقة إلا من فهمه الخاطئ لهذه الكينونة التي يجب أن تكون فخره وتكون أمنياته مصبوبة في تجذيرها وتحويل الهامش لمتن ؟!. ألم تكن هذه تهمة المارد للعصفور أنه نكرة ؟!.

وختما نقول : أنقذونا من الجهل في القراءة والذي هو مقتل النقد.

كتب

الثورة

باسم سليمان

http://thawra.alwehda.gov.sy/_View_news2.asp?FileName=4856739820100921201613

 

الدراما سياحة مجانية

 

تميزت سوريا بغناها الطبيعي والسكاني وأفرز ذلك العديد من التقاليد واللهجات التي تسبح تحت عباءة اللغة الأم العربية ولكن تلك اللهجات ليست منفتحة ومتراسلة مع بعضها بشكل كاف؟!.

الدراما السورية التي طلقت الأستوديو باكرا رغم نجاحاتها العديدة داخله , انطلقت نحو المكان السوري الغني بشكل يخدم تطلعاتها الفنية والمضمونية , فمن الساحل للبادية ومن الشمال للجنوب ترصد المجتمع السوري وتعمل على فك عزلة طبيعية بدراما طبيعية تمد جسور التواصل بين تلك الأمكنة ولهجاتها اللغوية وعاداتها وسكانها.

فمن لغة دراما العاصمة البيضاء والتي طعمت باللهجة الشامية والتي كانت سائدة فيما مضى إلى اللهجة الحلبية ومن ثم الساحلية وطبعا كانت اللهجة البدوية حاضرة وتقديم هذه اللهجات صاحبه تقديم أماكنها وعاداتها وتقاليدها ولهجاتها بحيث لم يعد غريبا بل مستطابا هذا التنوع والسبب يعود إلى فك علامات الاستفهام عن الآخر البعيد بحكم الجغرافيا وهكذا استطاعت الدراما السورية أن توجد رابط تواصلي فعال في عالم تحكمه الميديا وتعمل بقناة السياحة الداخلية والخارجية عبر تحبيب المشاهد بمناطق أخرى كانت غائبة عنه والجميع يعرف كيف تحولت السمرا”ضيعة ضائعة ” إلى قبلة للسياح من داخل البلد وخارجها.

هذه الميزة للدراما السورية جعلتها متنوعة وغنية بطروحاتها ,فلم تقف عند مكانا بعينه أو فئة معينة ترصدها أو موضوعا يتكرر نتيجة لعدم مبارحة أمكنتها بل عملت على استبطان العاصمة دمشق التي تضم بقلبها العروبي كل شرائح الوطن وفئاته وتجمعهم في تنوع خلاق وتمد هذا الاستبطان لكل الجغرافية السورية ومجتمعاتها عبر شرايين درامية تضخ دماء التواصل المعرفي لتفتح سلة العادات السورية على بعضها مشكلة قوس قزح مجتمعي قلما نجده في غيرها من الدرامات.

استطاعت الدراما السورية أن تدخل لكل بيت وجبة متنوعة من غنى الوطن مليئة بعاداته وتقاليده ولهجاته وهذا ما يحسب لها ويصب في خانة تطورها المستمر.

الثورة

باسم سليمان

 

 

دراما التفاصيل

 

إن وقفة متأملة لما تم تقديمه إلى الآن من الدراما السورية , ترينا مدى اعتناء هذه الدراما بالتفاصيل التي تغني العمل الدرامي وتجعله ممتزجا بالواقع المرصود وقديما قال أرسطو عن الأدب إنه محاكة لأفعال الناس والدراما لدينا لم تخرج عن هذه القاعدة بل كانت مسيرة تطورها بقدرتها سنة وراء سنة في إنجاز تلك المقاربة لتكون معبرة عن حال المجتمع بكل تجلياته عبر تأسيسه مكانيا بالصورة وزمانيا بتقديم عدة فترات زمنية من تاريخ مجتمعنا.

وإن كانت الإعمال هذه السنة متفاوتة لحد ما في إنجازها هذه المقاربة والمحاكاة لكن نستطيع أن نأخذ عملين نستطيع من خلالهما رصد بعض المضامين التي عالجتها هذه الدراما وعليها نستطيع القياس .

والعملان هما “ما وراء الشمس ” وتخت شرقي” .

الأول يختار موضوعا عن ذوي الاحتياجات الخاصة وهذا ليس بجديد كل الجدة لكن جدته تكمن في تقديم الحالة على صعيد الواقع الفعلي من خلال شخصية علاء الذي حقيقة هو من ذوي الاحتياجات الخاصة ورفد الوضع بشخصية بدر التي يمثلها الرائع بسام كوسى . تكمن الأهمية الخاصة للمسلسل بالاشتغال على هذه العلاقة التي يسودها التوتر وعدم الفهم والشفقة والرفض لذوي الاحتياجات الخاصة  والعمل على تغيريها من قلبها ليصبح المتلقي في درجة التفهم والقبول بدلا من الشفقة وغيرها . هذه النقطة التي تم تقديمها وبإفراد مساحات كبيرة لذوي الاحتياجات الخاصة بالصورة والتفاصيل المقدمة للمشاهد تعمل على تفكيك خوفه وإنشاء علاقة عاطفية قوامها الاحترام ومن ثم تدخل في دعم الحركة التي يقوم بها المجتمع لدمج ذوي الحاجات الخاصة فيه من جهة وتحضير الحاضنة الاجتماعية لهذا الدمج.

والمسلسل سيناريو محمد العاص وإخراج سمير حسين .

تخت شرقي سيناريو يم مشهدي وإخراج رشا شربتجي , المسلسل سيد التفاصيل بجدارة يقارب المسكوت عنه بطريقة ذكية من خلال تعليقات يعرب / قصي خولي وغيره يعرض هموم اللحظة ومستجدات الحياة ويفكك ثوابت قارة عبر نقرها بطريقة ذكية لتنشط الوعي واللاوعي لدي المشاهد حيث تنتقل تلك النقرات لأحاديث المشاهدين فيما بعد وتحرك بحيرتهم الراكدة.

هنا نقول إن نجاح المسلسلان يكمن في تلك القدرة على التقاط التفاصيل لأن الحياة هي مجموعة تفاصيل نعيشها وليست جمل فوقية ادعائية, فبالقدر الذي تنتقل به الدراما لتصبح تلفزيون الواقع لكن دراميا تصبح كالأدب المعبر الحقيقي عن إنسان هذه الأرض.

من خلال ما تقدم يتضح لنا إن الدراما السورية تغوص أكثر في مجتمعها سواء قدمته كوميديا أو بيئيا أو تاريخيا وتبتعد أكثر عن الارتهان لرأس المال الغبي وتنجز علاقة لم ترجح كفتها بعد لصالحها لكنها تكسب نقاطا لصالحها في كل موسم درامي تنتجه مع المال الذكي وإن كان من انتقاد أو سلب أو تفاوت , فهو فيها والسبب يعود أنها أصبحت تقاس بنفسها ليس مع غيرها من الدرامات التي تتخبط ولم تجد بعد بوصلتها.

الدراما السورية دراما تستمع حقيقة لنبض الشارع تعمل على توسيع هامش الحرية تناور بخفة الماتدور ثور التابو, إنها دراما عضوية كما يقول غرامشي وهذا ما يجعلها تتعرض لكل هذا النقد وكشف أوجه السلب فيها لأنها دراما مؤثرة ليست كغيرها فقط للتسلية.

الثورة

باسم سليمان 

 

القحط السردي في رواية مواسم – باسم سليمان
قحط سردي يتوغل بين شخصيات مختزلة

يمتاز الخطاب الإنساني أنه خطاب دلالات وتأتي الرواية من قمم أساليب هذا الخطاب ,بأنها معجم متحرك للدال والدلالة تمسح به فضاءات زمكانية كبيرة من حياة الإنسان وخاصة إنسان المدنية- كمفهوم- عندما سيطرت المدينة على العالم , فالرواية هي خطاب المدينة ذات الطبقات سواء الجيولوجية والأركيولوجية والبنائية والحياتية الظاهرة منها والباطنة والجدل فيما سبق ذكره , فهي ليست الحكاية – التي هي طبقة من طبقات الرواية مندمجة فيها – كما أعتيد سماعها ؟! -لأن وضع الحكاية في المختبر السردي وخاصة الشعبية منها , يكشف الغنى المكتنز فيها والذي يعتبر خلاصة رمزية لحركة الشعوب في التاريخ .
وعند كل كتابة يشي ميسم غلافها بهذه اللفظة ” الرواية ” تتداعى للفكر تلك الفِكر السابقة وكم تكون الخيبة كبيرة عندما تموت تلك اللفظة الجوهرية في خطاب الراوي بكتابة لا ترتقي لدرجة ” الحدوتة ” ؟!.
“مواسم” يقول الغلاف :إنها رواية , رواية يحيي العامل في المطحنة الذي يغريه صديقه بالذهاب لصيد الذئاب التي تفتك بماشية البيك لحصلوا على الليرات الذهبية , فيستعير يحيي بندقية حارس مزرعة البيك , فيفقدها ويدفع ثمنا لذلك ثلاث سنوات عملا لدى البيك , يزوجه من امرأة لجأت إليه هربا من أهلها الذين سيقتلونها لأنها حملت بالحرام ثم يطلقها يحيي لتدور الأيام ويعود ابنها ليعرف من والده المفترض كما زعمت تلك المرأة؛ ليمت قتلا ويتهم يحيي بذلك ؛لأنه آخر من دخل عليه طلبا لقرضه مالا يرسله لابنه رشيد, فينتهي تحت يدي المحقق ؛ ليعترف بأن سامح ابن تلك المرأة ابنه وهو ليس ابنه حقيقة ,إضافة لحوادث أخرى وشخصيات لن تزيد في ما ذكرنا شيئا .
تدور أحداث الرواية في الريف وطبيعته وتتالى مواسمه لا أكثر ويبقى أن نضيف أن محمول الرواية يكمن في صبر يحيي وشهامته في تلقي أقدار السماء وإكراهات الحياة . لا ريب أن هذا المحمول أرض خصبة للشغل الروائي ولكن الروائي جعل شخصياته سطحية , فلا صراع نفسي لبطل منقسم على نفسه يحاول رتق هذا الشرخ ولا بطل يتقنع محاولا تطويع اغتراباته ولا شخصيات تنمو بل كل ما نجده هو ردود فعلها الباهتة تجاه الأحداث , فيحيي الشخصية الرئيس لا يثور ولا يرضخ كغيره من الشخصيات التي يقود الراوي سيرتها ببرودة حكائية, نحو ظهيرة سردية لا تتحرك فيها غير مذبّة تكش بها رتابة السرد واجتراره للحوادث من ذاكرة عجوز فقد ارتباطه بالحدث بمرور الزمن ودنو أجله .
وبسبب غياب الحدث النفسي عن الشخصيات , يسير الزمن سيره نحو الأمام لا يلتفت يميناً أو يساراً, فتتابع فصول السنة/ السنين , تتوزع عليها الأحداث السابقة الذكر مع حشو وصفي للطبيعة والأعمال محاولة إكمال البيت الروائي بتمام تفعيلاته لتصل للقافية / الخاتمة المنشودة , بأن يحيي الذي قبل كل شيء ولمرة واحدة رفض بأن طلق تلك المرأة التي زوجه إياها البيك , يعود الزمن ليجبره على ما رفضه .
لنرى بمفهوم المخالفة الذي ربما قصده الروائي؟! بأن يحيي تلك الشخصية المستلبة من قبل الواقع والأقدار كان عليها أن تثور لتغير في مسيرتها وسوف نسلم بذلك في محاولة للبحث عن الجدوى من تلك الأحداث التي مرت بحيي , فهل عيار نار طائش ونطحة من ثور وتدحرج عن الدرج وزواج من امرأة شذت كاف لتحريك الصراع النفسي الذي سيقود يحيي إلى الحياة وهل يكفي تناص معنى الاسم ” أي الذي يحيا ” مع يحيي سيقودنا إلى تلك السخرية ونسميه ” يموت” لأنه لم يفعّل معنى اسمه ؟!.
لا بد من القول : إن سطحية المعالجة وعدم تبئيرها ومسخ الشخصيات ومعالجة فقط الحركة الظاهرة للإحداث قاد الرواية إلى العقم الحكائي والدلالي , فكيف بالروائي؟, وأفرغها من المتعة وقادها لبلادة سردية هي من أفرغت اسم يحيي من معناه وجعلت مواسم الرواية تعنون نفسها بالقحط الشديد.
“مواسم” رواية ل د. طلال أجود سعيد صادرة عن دار كيوان دمشق 2010
الثورة / كتب
باسم سليمان
basemsolaiman@hotmail.com

دائرة بقطر مائل

 

ليس كولومبس هو من اكتشف أمريكا ؟! بل هو مستثمرها الأول, فقد سبقته إليها فنيقيا والصين ومع هذه الخطوة عرف العالم القديم التدخين بأشكاله العديدة دخان المصانع والآلات البخارية وعوادم السيارة وضمنا كان التبغ يظهر بأشكاله العديدة .

نُقل إلينا الدخان ولم تنقل إلينا آدابه , فالشامان لم يكن يدخن اعتباطيا بل يدخن لصلح حصل واحتفال يقام واستشراف ما يقوله المستقبل وأخذ الإذن من الروح الكبرى لصيد ثيران المسك .

كان الغليون يحقن الدماء ويحدد خليفة الشامان عندما يسلمه له ليسحب منه أنفاسا عبقة بروح الشامان الأكبر والروح الكبرى . اندثر الشامان الهندي وتقاليده وتبعه ثور المسك إلا قليلا وخلفه الرجل الأبيض الذي ملأ تلك السهول بالأبقار وانتصب يدخن سيجارته المصنعة كرصاصته بنرجسية فجة وسلطة تمتد من عينيه إلى تلك السهول وما بعدها إلى العالم القديم.

دخن العالم القديم بأجمعه عبر النرجيلة والسيجارة الملفوفة يدويا والمصنعة والغليون . كان التدخين بأنواعه رمز السلطة لا الحكمة في هذا العالم القديم, وسيلة للمتعة وقضاء الوقت لا لاستشراف المستقبل . والعالم القديم صنع تقاليد تدخينه من السلطة . الكبير من يحق له أن يعلن تدخينه سواء بالنرجيلة والسيجارة أو الغليون أما الصغير والمرأة فلا يحق لهما وإن فعلاه ,كان خلسة, واستتبعته عواقب وخيمة إن كشف . وعندما ينضج الصغير ويصبح رجلا يسمح له بالتدخين لكن في حضرة من هم من مجايليه فقط , هكذا صار التدخين بأدواته كشعارات السلطة التي تعلن أن مستحقها له الأمر والنهي.

أن القرن العشرين بجدارة هو قرن التدخين العالمي , حيث مكننت صناعته وظهرت دعايته وتبناه المفكرون رمزاً لحريتهم ونشاطهم الفكري وتأملهم مسترجعين بعض آدابه التي عاشت مع الشامان الهندي .

قرن المطالبة بالحريات , لبست المرأة البنطال وأشعلت سيجارتها ونادت بمساواتها مع الرجل . سرق المراهق من سترة أبيه بعض السجائر ودخناها بأحد الأزقة معلنا بداية تفكك الأسرة التقليدية . صار التدخين إكسسوارا للحرية والفكر وبعض وسائل الثورة المعنوية على كل السلطات بل صار مطلبا يضاف لما شرعته الثورة الفرنسية . غزا كل وسائل الإعلان والإعلام وكتب عنه مقالات وأشعارا ومجدته السينما بأنه يساعد على التأمل والتفكير ورفيق البطل.

دارت الأيام وظهرت جوانبه السلبية وبدأت المطالبات بمنعه لكي لا يؤذي من يتعاطوه وزاد في سرعة الدورة أن ظهرت مطالب المدخنين السلبيين بحقهم بأن يتنفسوا هواء نظيفا وسنت القوانين ورفعت الدعاوي على شركات التبغ ودفعت تعويضات لمن تضرروا وبدأ  حظره في الأماكن العامة وامتدت لخاصة العامة وانقلبت وسائل الإعلام وهاجمته في عقر داره إلى أن صار متعاطيه منبوذا يكاد أن يتشرد ليحظى بسيجارة دون أن يتلفت خلفه .

التدخين يطارد اليوم كما الهندي الأحمر في سالف الزمان . يبتسم ,يتمتم الشامان بأصوات تأتي من السديم غير المعرّف لحركة الخلق الأولى . شيء ما قبل لغوي قد قاله , ويدفع بغليونه بعدما سحب بتأمل دخان النار الأول , لشامان آخر, يعقدان به صلحا وألفة وأخوة شرختها حراب وصرخات دامية أو يستأذن الروح الكبرى من جبال ووديان وأنهار وسهول وحيوانات تشاركهم المكان بأن يقيم طقس الصيد حول نار تتلمس سماء الليل بألسنتها ومحاربين أشداء يلونون وجوههم وصدورهم وأيديهم بألوان ترابية . نخرج من بؤرة الصورة لنرى دائرة حمراء بقطر مائل تحبس خلفها سيجارة أفقية يرتفع دخانها عاموديا , نغير قليلا بعدسة العين, فتظهر إشارة الضرب داخل الدائرة الحمراء المكونة من القطر المائل والسيجارة , نبتعد أكثر , تبدو شفتان في قبلة عميقة لفلتر أحمر ومن ثم تنفخان دخانا في نسيم عليل, تسقط السيجارة تدهسها قدم بحذاء أسود , يخرج صاحبها لنلمح وراءه ” مكان مخصص للمدخنين ” تتابع المصانع نفث دخانها وعوادم السيارات غير عابئة بتلك القرارات التي نالت من غليون الشامان.

تشرين / ملحق أبواب

باسم سليمان

 

 

 

كوميديا الأجزاء

 

نستطيع أن نقيم التجربة الكوميدية السورية التلفزيونية بأنها ذات جودة تنافس بها وتتجاوز كل ما تقدمه الكوميديات العربية وتتجاوز أحيانا نفسها بين عام وآخر .

السنة الفارطة غاب عنا ” بقعة ضوء ” وعاد السنة واستمر” ضيعه ضايعه ” بجزئه الثاني . ووقع خيارنا عليهما للذي تميزا به من طروحات كوميديانية أخرجت الكوميديا من رتابة المكرور والتهريج في كثير من الأحيان وهما ليس من أول من خطا تلك الخطوات الناجحة بل سبقهم إليها على سبيل المثال” يوميات مدير عام ” مرايا ” وغيرها .

ولكن هل نستطيع القول : إن هذه الكوميديا استمرت في الصعود أم انتابتها حالات من الضعف وهذا طبيعي أم أن الأمر لهما استقر على المراوحة في المكان أو بدء الهبوط نتيجة لأسباب سنعرضها .

” ضيعه ضايعه ” الذي يحسب له أنه استطاع إيجاد شخصيات ستستمر في ذاكرة المشاهد وأن هذه الشخصيات تستطيع استثمارها فيما بعد وهذا ما توقعناه في الجزء الثاني الناجح جدا جماهيريا والذي يُوضع عليه علامة استفهام وتعجب فنياً والسبب يعود لبقاء تلك الشخصيات على حالها الذي عرفناه سابقا والطريقة ذاتها في معالجة الفكرة المطروحة وهنا نقول : أليس من الأفضل لو تطورت تلك الشخصيات كلها ولم تبق كما عهدناها؟!.

 ولا يشفع للمسلسل الاشتغال على بعض مفردات ” جودة ” والضيوف الذين يطلون بين حلقة وأخرى , فطريقة المعالجة التي صارت متوقعة أضعفت المفارقة أهم عنصر من عناصر الكوميديا ؛ لذلك  كان الأجدى لو تم تطعيم تلك الشخصيات بردود فعل وصفات ومميزات جديدة تجعل المفارقة تتجاوز نفسها بحكم توقعنا الذي يقوم على معرفة سابقة بها , فتبهر وتؤمن مشروعية الجزء الثاني بغير الاعتماد على نجاحه السابق .

” بقعة ضوء ” تعاني ما ذكرناه سابقا بالإضافة أن الكتاب ذاتهم يتكررون كذلك أسلوب المعالجة المفضوح للمشاهد .

من جماليات الكوميديا استخدام السخرية والتهكم كأسلوبين ناجعين في مقاربة تابوهات دون ردود فعل عنيفة من قبل سدنتها بل يجعل السدنة ينفتحون على الغير والآخر وقبول التغيير والنقد من فئة محبوبة , فيجعل ذلك الأمر سهلا ويعمل عمله في المشاهد والمجتمع ككل ؛ لذلك كان كلامنا السابق على البرنامجين المذكورين أنفا لمَا لهما من نجاح وشعبية كان يجب استخدامها لأقصى مدى مسموح لكي لا تبقى الكوميديا في حيز الضحك بل كوميديا سوداء نخرج منها إلى نور النهار.

وأسلوب الأجزاء الذي نشهده في الكثير من البرامج الناجحة فإنْ لم يكن الجزء الثاني أو السابع متجاوزا لمَا تم تقديمه سيؤدي لخسارة ما تم إنجازه وهذا ما لا نريده لبرنامجين صارا علامة فارقة في الكوميديا السورية خصوصا والعربية عموما.  

الثورة

باسم سليمان     

 

 

التمثيل أو التمثيل فينا

 

لم يدخل التاريخ يوسف العظمة لأنه قائد لا يشق له غبار بل لأنه كان شجاعا بوقفة الحق في وجه الاحتلال الفرنسي الزاحف إلى دمشق أقدم سياق حضاري استمر حتى الآن منذ بزوغ فجر الحضارة الإنسانية .

 نستطيع القول مجازا بل هو الحقيقة : إن يوسف العظمة مثقف عضوي وقريبا منه كان أبو خليل القباني المسرحي /الممثل العضوي كما يراه ” غرامشي”  الذي حمل صليب تطوير بلاده وإخراجها من ظلمة العثمانيين بوسيلة أشد فتكا بالظلام من السيوف والبواريد وهي نور المعرفة والعلم بوسيلة المسرح, فصلب في مسرحه النهضوي وهجر إلى مصر وساهم في نهضتها المسرحية التي أنتجت الزمن الجميل في بلاد الأهرام فنيا وليس زمن تحجب الأخت الفاضلة حنان الترك.

نسأل أين ورثة القباني في الألفية الثالثة وأقصد الممثلين الذين لم يتقنوا إلا دور الشماعة ويستأهلوا عليه جائزة أوسكار ” الكلام هنا جاء بصيغة التعميم المخطئة ؟!” والشماعة تكمن في قدرتهم على ارتداء أي دور يناط بهم دون السؤال عن تأثير هذا الدور والهدف المرجو منه  وخاصة نوعية الأدوار البيضاء أو السوداء التي قدمت لنا في باب الحارة وأهل الراية ” التي كانت ستضيع بكذبة صغيرة ؟!!! كما تقول شارة المسلسل وعليه نتأكد من هشاشة أصحاب الراية واعجباه !!” هذه الأدوار التي تقسم الدنيا إلى فسطاطين , فسطاط الحق وفسطاط الباطل ,ولكن هذه الأدوار التمثيلية  التي  ظاهرها جميل وباطنها التخلف والعفن والتراجع عن المكاسب التي أنجزها المجتمع السوري بكل فئاته  .

 قلنا أدوارا بيضاء والمقصد فيها تلك الشخصيات التي لعبوها وتقدم نفسها كمثال للخير والحق والصراط المستقيم وهذا لا ضير فيه بل المشكلة تكمن في أن هذه الشخصيات البيضاء التي يلعبها ممثلونا ” تعميم خاطئ؟!” تبث بين ثنايا أخلاقياتها السم الذي يتجلى بأشكال عديدة من قمع المرأة وتسلط الذكورية التي لا شغل لها في أوقات السلم على فرض وجوده سوى ملء بطونها ومباضعة نسائها وتفتيل شواربها في حين لتصبح مثاليتها حقة أن نرى دعوتها للخروج من تلك التقاليد التي سُحبت على ماضينا بقدرة النفط والأصولية المتخمة بالدم الأسود والأخضر والحقيقة أن واقع ماضينا يكذب ذلك فالحراك المعرفي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وبداية العشرين هو ما أوجد النهضة التي أجهضت نتيجة أسباب معروفة .

هذا البياض النقي لتلك الأدوار الذي لا تدخله شائبة يجعلها مصدرا للتقليد وتبني ما تقوله ,  بعكس الشخصية الرمادية التي يتجاذبها الخير والشر وهي من الواقع وقريبة من حياة المشاهد ,فلا يتبنى ما تقوله بل يعمل عقله وتفكيره في أفعالها مما يولد جدلية تقوده للمعرفة على عكس الشخصيات البيضاء التي تسبب عمى المعرفة ,فتسلبه نعمة السؤال وتجعله يركن لتلك الصيغة المقدمة عن ماضيه وكأنها الحقيقة , فيشتهيها في مستقبله وطبعاً الماضي ومقاربته تحكمه نوستولوجيا مرضية واضحة , أما السوداء فلها ذات السلبية بحيث تُرفض جملة وتفصيلا وهكذا يقسم المجتمع لفئتين مؤمنة وكافرة وهنا يأخذ المصطلحان السابقان أبعادا تتجاوز موضوع العقيدة الدينية إلى الوطن والحضارة والتقدم والتخلف وغيره .

والذي تقدم سببه الدور الذي يلعبه الممثل حاليا في المجتمع الذي تجاوز فيه المثقف والكاتب والفيلسوف وحتى رجل الدين , فهو مصدر للمعلومة وطريقة الحياة والحكم عليها بل نموذج يتم تقليده ومقاربته إلى أبعد حدود وإن لم يكن كذلك, فلماذا الهجمة على الدراما التي تقدم بعض التحرر من تقاليدنا البالية ؟! وهذا ردا على من سيشككون بأهمية أدوار الممثلين في الدراما التي على نسق ” باب الحارة ” وأهل الراية ” وأنها مجرد أدوار لا تغني ولا تفقر أحداً.

من الضرورة العودة إلى التاريخ ليس استنساخا على فرض ولا تحويرا عما كان عليه وتقويله أكثر مما يحتمل لكن تضمينه ما يجعلنا نقف موقف الرافض لهذا النكوص الذي يصيب مجتمعنا لأن أي مقاربة حقيقة لتاريخنا ستفجر الويلات والسبب لأننا لم ننجز نقلتنا المعرفية بعد لنصبح على رشد ونكون بمستوى الإنسان الذي يقبل أخاه تحت قبة الوطن الجامع والمانع للفرقة وبحكم أن أكثر تقاليدنا المفترضة والواقعية تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن بعضها رغم تنوعها ,فلا أحد يحق له أن ينسبها لنفسه أو يتبنى الدفاع عنها بل هي ملك مشاع بين أبناء الوطن الكل له حق استثمارها بما يخدم الوطن والمصلحة العامة والخاصة المحكومة بالتقدم في سلم الحضارة .

لذلك أيها الممثلون ” تعميما لأن فيهم الكثير ممن نعتز بهم ” عليكم واجب يجب أن تعوه بحكم تصدركم المشهد بسبب طغيان الميديا على غيركم ممن كان يتحكمون بمفاصل حركة المشهد المجتمعي  أن توقفوا الرضوخ لتلك الأجندات التي يتبناها بعض المخرجين والكتاب المرتهنين للمال , أسود أو أخضر لأنه عندما تقع تلك العودة للماضي كما يتصورها الجاهلون بتاريخنا ستكون أول مطالبهم منعكم من التمثيل وتهجيركم ولكن هذه المرة لن تستطيعوا أبدا لعب الدور الذي لعبه المسرحي والممثل العضوي القباني فزمنه غير زمنكم , فتوقفوا عن التمثيل فينا ولتمثلوا الحضارة التي فينا ولا تجبوها من أجل حفنة من الدولارات.

باسم سليمان

كلنا شركاء

سوريا

 

 

أول الغيث

 

لامناص أن يكون الشهر الفضيل هو موسم الدراما المفضل والذي صار غاية كل من له باع أو ليس له باع في العمل الدرامي يسرح ببضاعته على القنوات الفضائية التي صارت أكثر من النق على ضروريات الحياة وهو يضع بحسبانه أن يصل بترويج بضاعته لحدود طريقة ” أي قطعة بعشرة”.

ومن كان بيته من بلور فلا يرمي بيوت الآخرين الدرامية بل يتمرن على تكسير بلور بيته لربما يخطر على باله بنائه من حجر.

تاريخي , اجتماعي , كوميدي , تربوي , بدوي , زرافي من الزرافة يأخذ من كل شيء ويسرح؟!.هي سلة الدراما السورية التي اقتحمت بها شاشات الفضائيات العربية ويبدو استفتاح هذه الدراما كما يفعل البائع عند أول بيعة يخفض السعر ليفتحها الله عليه , كذلك درامانا التي بدأت بالرمي التمهيد لأسماع وعيون المشاهدين لتحتل فيما بعد قلوبهم على وقع الرياحين وقرع الطبول , حلقات أولى نتعرف بها على وجوه الممثلين المعروفين جدا وعلى التكلفة الإنتاجية التي اقتطعت على حياء من أثمان أجورهم وعلى حوارات مثل ” صباح الخير ياجار” ” تفضلي شربي قهوة ” وحياة سعيدة لا تدل على الصعاب التي ستليها ومع تمرس الصائم بالصيام تزداد جرعة الحلقات الأولى من هذه الدراما وخاصة تلك التي قامت على نجاح الجزء الأول ,فكما يقال سمعة التاجر نصف تجارته والملاحظ أن هناك بوليودية متفشية تعمل على الإبهار ونرجو أن تنحو نحو الواقعية الإيطالية من حيث تقديم الواقع وهوليودية من حيث التخييل في القادم من الحلقات .

لاريب أن المتعة هي من مقومات النجاح الرئيسية لكن لينعقد سقف البيت لا بد من حجر العقد/ الفكرة الذي يكمل بناء القنطرة الدرامية وكون الجميع قد اعتمد في معظم المسلسلات طريقة 30/30 , فنستطيع القول : إننا لسنا أمام ق ق ج ولا قصة قصيرة بل نحن أمام الرواية من الجانب الدرامي وكون الرواية أشبه بالوادي الذي تنتهي إليه جميع السيول ننتظر من هذه الدراما أن تقدم لنا الدراما الروائية بطريقة تستحضر أدوات الرواية لبثها في الميديا  بمستوياتها الأفقية والعامودية .

وبناء على ما رافق زمن التحضير لهذه المسلسلات من تصريحات وإعلانات ومقابلات ومتابعات نقول : إن الموسم يبشر بالخير ونتمنى أن لا تسرق الجرة التي فيها محصول الشهر الفضيل ونبقى طوال العام إلى أن يهل رمضان من جديد نقف على إطلال نجاحات الماضي .

الثورة/ فضائيات

باسم سليمان   

basemsolaiman@gmail.com

 

 

 

الأساريع والإرهاب الجمالي

 

قلت لفتاة واصفا أصابعها : إنها أساريع ظبي , فتبسمت وقلت في نفسي هذا أول الغيث ولكن عندما سألتني ما المعنى؟ حرت في أمري, فماذا لو شرحت لها هذا التغزل ألا أقضي على كل حظوظي ؟!.

الأساريع هي نوع من الدود أحمر الرأس تنشط فيما يسمى الربيع الذي يعقب سقوط الأمطار في الصحراء وذكرها أمرؤ القيس في معلقته متغزلا بأصابع عشيقته حيث كان الجمال وقتها ابن التجربة وعالمها وفي بيئة الشاعر الصحراوية ما هو أجمل من تلك الأساريع التي شقت بيويضاتها وخرجت تلتمس رزقا أخضرا؟.

الصورة الشعرية هي أحدى أدوات الشاعر التي يجب عليه قدّها من تجربته ومن زمنه ومن مكانه لتكون صادقة قادرة على تأمل الجمال الذي تعني به ,فتمد الشعر بنسغ اللحظة الحياتية المعاشة وهكذا يكون الشعر ابن اللحظة/ الحياة.

لكن الغريب أن يعاب على شاعر اليوم إقحام الحياة في قصائده والطلب منه أن يأتي بصور ليست من بيئته بشيء , فمازال المتلقي المدرسي يبحث عن عيون المها ووجه الفتاة التي كالقمر وغيرها من الصور الذي إن سألت الشاعر عنها وعن تجربته معها لأجاب: للحقيقة ….؟!.

وتعاني القصيدة الحديثة من هذا المطب , فمازال التلقي يعيب عليها تلك الصورة الفجة والجافة والمقرفة التي تبني بها شاعريتها ويرفده بذلك الثقافة السائدة لدى من يشرفون على منابر تربية الذائقة الجمالية لدى المتلقي ,فيساهمون بقصد عن تلك القطيعة المعرفية بين شاعر اللحظة الذي يعايش الحياة , فيوسع من مداها والمتلقي الذي مازال في غيبوبة الماضي بنستالوجية مرضية  تجعله غريبا عما يقوله شاعر اليوم وتؤدي بالشاعر للغربة عن المتلقي .

والنظر لذلك الأمر يكشف لنا عن هذا البتر الذي يعيشه المتلقي في حاضره , فهو لا يستسيغ صورة شعرية يستبدل الشاعر بها  القلم بالكي بورد ولا الحبر الأسود بالحبر الذي لا يسفح على الشاشة ولا أن يقول لحبيبته ( طبعا هنا سياق الكلام ذكوري وهذا من الجماليات التي إلى الآن لم نستطع التخلي عنها أو نقبل بأن يجانبها جماليات أنثوية لغوية) : إنها أوف لاين أو خارج التغطية .

هناك إرهاب جمالي يمارس بحق الشاعر لا يسمح له بالخروج عن السائد والقار ولا يسمح له بهز ذائقة المتلقي ليتنفس روائح أخرى , هذا الإرهاب الجمالي اللغوي سمح بكل التنميطات في غيره من الميادين وأرتهن للمستورد وقاعدة الغالب والمغلوب ورفض كل ما يمكن أن يعمل على تفتيح المتلقي على الحياة المتغيرة بشكل سريع ,ثقافيا ولغويا.

إذا كانت اللغة هي وعاء الفكر بنظره غير دقيقة لأن في هذا الكلام الكثير من النقاش وليس مداره هنا . نسأل مادامت لغتنا تنتمي بجمالياتها لأزمنة مضت سواء في الناحية الفكرية أو الأيديولوجية أو لناحية التلقي , فكيف للفكر العربي أن يكون ابن عصره وزمنه وهو يعيش في ماض لم يبق منه سوى الأوراق الصفراء المهترئة وكيف لنا أن نحدّث هذا الفكر بتلك اللغة التي يجب أن تنفض عنها الغبار كل ما رمت استخدامها بشيء أفرزه هذا العصر.

لذلك لا نعجب من عدم نمو القصيدة الحديثة في ذائقة المتلقي الذي أمام ما يخطه الشاعر الحديث يمارس رفضه بشكل صارخ عبر أحكام أشبه بالدوغمائية وتصل لحد الإرهاب الجمالي الممارس على تلك الجماليات التي تبدعها القصيدة الحديثة.

وعودة على بدء وصفتني الفتاة : بالمقرف والمعقد نفسيا بعدما عرفت المعنى

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com     

 

 

الشيوعي الأخير يدخلنا جنة مقالاته

 

عندما يكتب سعدي يوسف شيئا غير الشعر, يصبح كمن يخرج من ماء النهر ؛ ليجالس الضفة ويراقب ,كيف أنه لا يستحم بماء النهر مرتين؟!.

” مقالات غير عابرة ” عنوان كتابه الصادر عن دار تكوين/ دمشق , يفتتحه كعادته بأن يُخرج التفصيل/ اليومي  للرؤيا , فيمد الكلمة / الخطوة نحو أفاق مضمرة في السائد والمعتاد , فيخصبها بالآتي , فيحفز السؤال ويعطيه جناحي فينيق .

وبداية بالعنوان الذي يحيل أو لايحيل ؟! إلى محمود درويش – بقصيدته :أيها المارون بين الكلمات العابرة – التي أرادها صرخة تقفع غشاء الصمم في أذن العدو وكان لها ذلك ,لتصير الكلمة مرادفة لفعل التحرر وهنا سعدي يعكس العابر؛ ليستقر لكونه يخاطب سمع شعبه العربي الذي استبد به الصمم ليحرره أيضا من عداوة نفسه , فتأتي المقالات الأولى تختص بحمود درويش يعبر بها جسر الصداقة بينهما ويكشف خفايا وضعت بعض علامات الاستفهام حول درويش , ففي “قمر بغداد الليموني ” يميط سعدي اللثام عن حيثيات قبول محمود جائزة “المربد” وكيف أن محمود التجأ لقرية قصية في النرويج لكي لا يحرج أحدا إلى أن جاءه اتصال يحثه على قبوله كونه …. ؟! وأن محمود طلب رأي سعدي العراقي الأصيل , فجاء الجواب ” ليس بمقدوري , ولا من حقي أن أقول لك لا تذهب . لكن سأظل أتذكر , بكل اعتزاز أنك استشرتني مبديا استعدادك للأخذ بما أرى ” ويتابع في ” أيها الثاوي برام الله ” :هل سيقرأ العرب موجات الصنج الهائلة ؟ هل ستحملون صوتك الأدق رنينا الآن؟.

سعدي لا يكتب سيرة بل يقف موقف المتأمل في سرير نهره / الحياة / الشعر , فالشعر خبزه اليومي وهو المعجزة التي تستخدم اللغة العادية التي يقولها الصغار والكتّاب ومعجزته تتأتى من إن الشعر يعود باللغة إلى بداءتها, آن اللغة مرهفة كالوتر الحساس والشعر يقدم الخطوة الأولى في السلم الذي يحمل البشر للسماء . بيروت التي تنام على قلق وتستفيق على حدود في أوائل السبعينات وأمجد ناصر الذي زاره في منفاه حين كان يقيس نسبة ترسب الطين في أنهار العراق ” ومديح لمقهى آخر” حيث يضبط سعدي ساعة الرؤية الشعرية لأمجد ناصر لتصل لساعة ” الحياة كسرد متقطع ” ليقول عن الشعر وعن ناصر ” الفن تعلم دائم , مثل ما هو سفر دائم . وظل أمجد ناصر يتعلم . توقفه عند ناصر كان مكتملا بالنقد الذي يلاقي الشعر بالأحضان ليقول : أليس هذا هو الفن المتمكن .

” الشعر مغيِر في اللحظة الحميمة التي , تجمع بين الراهن والأبدي في عناق عجيب” ومقالة سعدي تلامس بأسلوب البندول ما قاله وكأنها تحبير ظل ما كتب . أهدى أدونيس قصيدة , فقامت دنيا العرب , هل حقا ثارت لما رأت أنه تعريض بأدونيس أم …؟! لكنه يقول : أدونيس محرّرِ في الشعر والفكر.

عراقه المبتلى بداء المثقف التابع الذي جاء على ظهر دبابات الاحتلال يرصده سعدي بدقة قناص ويصيب كبد كذبه وافترائه في مقالته ” محاولات في موضعة المثقف التابع” ورغم العدد الهائل لقراء هذه المقالة لم يأته رد واحد, ألهذه المرحلة  وصل الأمر؟! ” المثقف التابع بدأ مراوغا … يتفادى الضربة . أما الآن فقد أمسى القوة الضاربة , المستخدمة من جانب الاحتلال ووكلائه المحليين.

” أجوبة إلى بيت الشعر في المغرب” بطريقة خوزيه سارماجو يدمج السؤال بالجواب كنص واحد فلا فرق . يتقول عليه , فيقول : انتهيت إلى الأمر الصعب : لا وطن لا منفى . ليس من طقوس : إنه الضنى اليومي . حاجتي إلى فوضى الانجراف مثل حاجتي إلى دقة الانتظام …… , التنقيط عندي هو وقفة , للتمهل في استيعاب ما سبق وللتمهيد إلى ما سيأتي . ثم أنني لم أعد أشعر أنني شاعر. أنا الآن مدون حياة هي حياتي وحياة الناس . أنا لست شاعرا!. – امرؤ القيس ؟ : حامل لوائنا إلى الجنة . ممدوح عدوان ؟ : أحببت ما خفت من صوته . سركون بولص : هو الشاعر .

الكتاب يضم العديد من المقالات والترجمات ك “الملك كلوديوس” ل كافافي وعن نعومي كامبل وقراصنة الصومال وغيرها مما تعرضنا له أو لم نتعرض , كتاب يدخل في صميم التجربة الشعرية المعاشة لسعدي يوسف , كتاب يستهدي بنجمة شماله ويصنع بوصلة تحمي قارئه من عماء كثرة الجهات .

مقالات غير عابرة ل سعدي يوسف عن دار التكوين 2010

الثورة

باسم سليمان

 

فيزيولوجية الكائن الفضائي

 

ليس غريباً القول: إن الميديا الهوليودية قد سيطرت على تشكيل صورة  فيزيولوجية المخلوق الفضائي في خيال المتلقي, فمنذ بدايات السينما ومن بعدها التلفاز والمكنة الإنتاجية الأمريكية تشتغل على هذه الصورة والتي تطورت كثيراً حتى كادت تلتبس على المتلقي لولا تأطيرها في دال الفلم وتخرج عن ذلك إلى الواقع عندما يفك أسر الملفات السرية التي حُقق فيها عن ظهور هذه الكائنات, فيختلط الخيال بالواقع؛ لتنفتح احتمالات المتلقي على شتى التوقعات.

والصورة التي زادت دقتها سواء التفصيلية والحركية للمخلوق الفضائي تطرح سؤالاً عن حقيقة فيزيولوجية هذا الكائن.  هل هي كما تم تصويرها في الأفلام والملصقات والصور المسربة إلى وسائل الإعلام من تلك الملفات السرية والشهادات التي أدلى بها من خاض تجربة ما يسمى ” اللقاء من الدرجة الثالثة” أم أن الحقيقة الفزيولوجية مازالت بعيدة كل البعد عن تلك الصورة/ الدال للمخلوق الفضائي؟.

سنأخذ في بحثنا هذا ثلاثة نماذج كان لها التأثير الأكبر على تلك الصورة .

المخلوق الفضائي “ET” للمخرج “ستيفن سبيلبيرغ “وتصميم المخلوق للفنان “رمبالدي” وصورة المخلوق الفضائي التي تداولتها وسائل الإعلام ومخلوقات حرب النجوم للمخرج جورج لوكاس وفريقه الفني.

1- شغل ” ET” مخيال كل أطفال العالم للنجاح الباهر الذي حققه الفلم عبر شخصيته حتى صار مطلب كل طفل أن يلتقيه وهذا الكائن في توصيفه الفزيولوجي لا يرقى لقدراته التي وضعها الفلم فيه , فهو من الذكاء ما يفوق العلماء ولديه من الطاقات الروحية القدرة على إعادة الحياة لمخلوقات كادت أن تفارقها الحياة ونحن نذكر كيف عادت زهرة عباد الشمس للحياة بمجر أن لمسها كذلك الطفل الذي صحبه في مغامرته الأرضية بعد أن أرتبط كل من الزهرة والولد بالكائن الفضائي بعلاقة روحانية ولنفهم ما نقوله لنتأمل صورته وحركته التي جسدها الفلم .

وسنضرب مثالا عن علاقة الوعي العقلي والذكاء بآلة تنفيذ هذا الوعي وهذا العقل وسنأخذ اليد الإنسانية مثالا, فلو لم تكن اليد الإنسانية بشكلها الحالي, هل كانت قادرة على تنفيذ وصنع ما يدعمها لتحقيق رغبات الوعي والذكاء الإنساني؟, فالتجربة أثبتت أن اليد في شكلها الحالي هي الآلة الوحيدة من بين كل أشكال ما يمكن تسميته بالأيادي لبقية الكائنات الأرضية القادرة على تنفيذ ما يطلبه العقل منها وحتى شبهها القريب يد الشمبانزي تفشل على صعيد التحكم والمهارة والدقة فشلا كبيراً في تحقيق ما تقوم به هذه اليد وهنا نسأل كيف ليد هذا الكائن الذي يتمتع بتلك القدرات الكبيرة أن تنفذ ما يطلبه ذكاؤه منها وهي ليست إلا بالشبه البعيد لليد الإنسانية من حيث عدد الأصابع وشكلها وتمفصلها والمرونة والقدرة على التحكم.

2-  إن صورة المخلوق الفضائي التي تداولتها وسائل الإعلام مدعومة بالشهادات التي أدعت اللقاءات من النوع الثالث أي لقاءات الوجه للوجه هل كانت أقرب للواقع من تلك التي قدمتها الأفلام . صورت لنا وسائل الإعلام هذا المخلوق بطريقة تؤكد تخليه عن ماديته, فجسده يكاد يتلاش تحت رأسه الكبير وعيناه الواسعتان وفمه الضيق وفتحتا الأنف التي تشبهان الثقب وكل هذا يدل على تطوره الكبير الروحي والعقلي بحيث استطاع أن يتخلى عن الآلة الجسدية , فهو يتكلم دون أن يحرك فمه أي عن طريق التخاطر و عيناه تكاد تريان بالبصيرة لا بالبصر بحيث يبدو جسده بقية باقية من عصر بائد خلفه وراءه نتيجة التطور الكبير الذي قطعه عبر الزمن , فهو يغدو روحانيا معنويا موجيا ضوئيا أكثر .

قد نقول: إن هذه الصورة قريبة لما خطه المخيال/ الواقع؛ ولكن ألا نرى فيها جذوراً واضحة لنظرية دارون ” النشوء والتطور” وبالتالي كان معيار التصور أرضي بحت ومحكوم بالمخيال الأرضي بعيداً عن واقعية المخلوق الفضائي .

3- أما حرب النجوم ,فالمقولتان السابقتان تنطبقان عليها ونزيد أن في هذا الفلم كان الوضع أقرب للمهرجان التنكري وموضوعه المخلوقات الفضائية .

لا نستطيع إلا القول إن الفكري الإنساني عندما أراد أن يتصور تلك المخلوقات جعل بيئته هي المشبه به وبيئة المخلوقات الفضائية هي المشبه كذلك فعل بأن جعل الأرضي مقياس للكائن الفضائي, فهندسة أقليدس وخاصة لجهة البعد الثالث/ العمق وتجليه بالارتفاع / الانتصاب كانت حاضرة بحيث لم نجد تأثيرات الأبعاد الأخرى على تلك الكائنات أو الأقل من أبعاد الأرض كالطول والعرض فقط كذلك فيزيولوجية الكائن الأرضي من مفاصل وأجهزة هضم ودورة دموية وغير ذلك كلها كانت حاضرة وحتى الحيوانات كانت المجال الأرحب للنسج على منوالها بكثير من تلك الصور/ الدوال للمخلوقات الفضائية .

وهنا ألا نستطيع أن نعتبر المخلوق القضائي لناحية اللقاء من النوع الثالث هو تجلي لحركة تطور الإنسان التي سوف تزداد مع رقيه في سلم الحضارة وقلة اعتماده على آلته الجسدية في حين تبقى غيرها من الصور محاولات غير جدية لتقديم كائنات الفضاء التي نرغب جدا بلقائها .

مجلة الخيال العلمي

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

العنصرية الجديدة

 

لم يحدث أن انفصل المنتَج عن الإعلان عنه إلا في القرنين الفائتين- وذلك بشكل جوهري-  بحيث يسبق الإعلان في الوصول لحاجة وذائقة المشتري/ المتلقي , المنتَج الذي كان قبلا يحصل الإعلان عنه مباشرة وأمام المستهلك , فيتعرف عليه عن كثب مجردا من غلالات الإعلان المشهية والمضللة والتي عادة ما تشتغل على جوانب ليست من صلب المنتَج بل تخاطب السيكولوجية النفسية للمشتري الذي يضيف إلى الجانب الاستعمالي تلك اللواحق التي أشأها الإعلان عن المنتَج.

هذا الانفصال جعل الإعلان سيدا في توجيه الرغبة الشرائية إلى مناطق رغبوية غير استعمالية ولا تهتم إلا بتسوقيه ضاربة بعرض الحائط القيمة الإنسانية للمنتَج وبل ومؤذية في أحيان كثيرة عبر مخاطبة مناطق الضعف في المستهلك ومناطق القوة وسنأخذ مثالين لهكذا إعلانات تنتشر في فضائياتنا بكل بساطة صانعة نوعا من العنصرية الجديدة والمتخفية بأثواب زاهية وتعمل عملها في تنميط الناس في مجموعات منها المنبوذ ومنها المقبول واللعب على جسر الانتقال بين هاتين المجموعتين.

الإعلان الأول والذي يتناول كريمات تفتيح البشرة حيث يظهر لنا فشل المستهلكة “الغامقة اللون”؟! في الحصول على فرصة عمل أو حبيب أو شيء ما  ولكن بعد استعماله وتفتيح لون بشرتها أو ما يسمى الإشراق تفاديا لكلمات عنصرية مباشرة تتحقق الأماني وتنفتح السبل أمام المستهلكة وهنا ,فلننظر لهذا الإعلان الموجه لمجتمع جل إناثه من يميلون للبشرة الغامقة ونتأمل ماذا يفعل هذا الإعلان في إحباط نفسيات كثيرة وإيجاد طبقة منبوذة من ” غامقات اللون ” وطبقة مطلوبة من ” مشرقات اللون”.

الثاني الذي يستخدم السمنة و النظارات وجهاز تقويم الأسنان, فيظهر الإعلان هؤلاء على أنهم أغبياء مضحكون مقابل النحيفين والذين لا يستخدمون النظارات وأجهزة تقويم الأسنان على أنهم الأذكياء في اختيار المنتج المعلن عن لأنه الأفضل .

في الحالتين يحقق الإعلان هدفه التسويقي بأن يجعل الطبقة الأولى تعمل على شراء منتجه لتتخلص من تلك المنبوذية والثانية لتحافظ على مكتسباتها التي أعطاها إياها الإعلان وهكذا يربح الإعلان على حساب تسويق مفاهيم إنسانية مغلوطة في مجتمع مازالت الكثير من العادات السلبية تتحكم به .

يجب مراقبة الإعلان والتأكد من مشروعية طرحه الإعلاني قبل السماح ببثه لأنه يختلف كثيرا عن البرامج الأخرى التي قد تستخدم نفس الطريقة لكن ليس لها نفس التأثير لعدم ارتباط الفكرة بمنتوج يستهلك بل بأفكار يعالجها ويعمل على تفتيتها بالسخرية السوداء من معتنقيها .

الثورة/ فضائيات

باسم سليمان

  

 

بورتريه لجمال الغيطاني بالكلمات

 

يرسم الرسام البورتريه بالألوان فيما القارئ يرسم وجه كاتبه بالكلمات . جمال الغيطاني الذي ألتقطه محمود أمين العالم بعد مجموعته القصصية الأولى وزجه في عالم الصحافة وقال عنه : يكتب نوعا قصصيا جديدا القصة/ التاريخ ؛لذلك كان جوابه على المحاور أحمد على الزين الذي يجيد وضع نقاط تمركزه على خطوط طول وعرض الكاتب الذي يحاوره ليكون قادرا على الطيران في سماوات إبداعه دون أن يتوه أو يفقد بوصلته الذي سأله لماذا يكتب ؟ يكتب الغيطاني ضد النسيان لتخليد اللحظة لربما هذا السبب جعله يرتاد التاريخ ويخرج لنا بروايته ” الزيني بركات” التي أبدع الممثل القدير أحمد بدير في تجسيد صورته بأن أخرجه من الكلمات إلى البورتريه و” الزيني بركات” تتناول العصر المملوكي في إسقاط واضح على الحاضر وكأنه يقول إذا كان لا بد لنا من استيعاب حاضرنا يجب علينا فهم ماضينا بحقائقه كاملة والجدير بالذكر أن الرواية صدرت عن مطبعة وزارة الثقافة في سوريا عام 1974.

كتب ما يزيد على خمسين عملا وقرأ مبكرا أرسين لوبين وتصور نفسه اللص الذي يسرق من الأغنياء ويعطي الفقراء, حمته أمه وأمدته بالدعم المعنوي والمالي ليغذي شغفه بالقراءة والكتابة التي قال عنها : إنها ولدت لديه كالغريزة لا يعرف كيف وهو الذي كان يتحف أمه بحكاياه / كذبه الأبيض , فكانت أول من استمع إليه وعندما قرأ أحدب نوتردام مشي ثلاثة أيام محدودب الظهر, عمل بالسجاد في أول عمره ,فنقل حبكاته البديعة لرواياته ومقالاته .

المحاور أحمد على الزين الذي يتجول مع الكاميرا وضيفه  لكنه بصوته الذي يقدم شذرات تدعم الحوار وتسد مسد الفراغات التي لا مناص منها في هكذا لقاءات هي أقرب لسيرة ذاتية لكن بأقلام عدة .

برنامج روافد من البرامج الثقافية القليلة التي يتم التحضير لها جيدا وخاصة بثه على عدة حلقات بحيث يستكمل النقص الذي تعانيه البرامج الأخرى التي تقدم وجبة ” همبرغرية” لا تسبب عادة إلا عصر الهضم الثقافي وخاصة عندما يتحول البرنامج لسلسلة من الحلقات همها الوحيد تعبئة ساعات بث تلك القنوات . روافد يبث على فضائية العربية .

الثورة

باسم سليمان

 

طائرة المتنبي في نيويورك

 

أوصل بنا المطاف إلى هذا الدرك؟. أقول ذلك, ليس بسبب تكاثر من ينجمون في حين نفتقد علماء الفلك في بلاد تمتاز بسماء صافية جعلت ناسها في قديم الزمان روادا سابقين لغيرهم في علوم الفضاء ولا أقوله بسبب أن نوسترداموس قد استنسخه العرب بحيث تجد في كل حي من يستشرف المستقبل لهذه الأمة , فيدفع عنها نوائب الزمن بأغماضة عينه أو تفل قهوته أو ورق اللعب , فيصرخ بنا ” باصرة “.

هذا قد اعتدنا عليه وصار تسلية لنا ولكن رغم العادة أحيانا يمتلك البعض قدرة هائلة على الإدهاش لدرجة نقول : مازال في هذه الأمة مبدعون ونسل زرقاء اليمامة يتفشى فينا رؤى وليس رؤية.

وطائرة تتبعها المنايا      على آثارها زجل الجناح .

هذا بيت للمتنبي , فات الاستشراق الغربي أن يرى فيه تلك النبوءة التي غيرت وجه العالم في بداية الألفية الثالثة ولنا أن نسخر منهم , فأن مكروا بتراثنا, فمازال في جعبة هذا التراث ما يجعل مكرهم في سراب .

لقد تنبأ المتنبي بأحداث الحادي عش من أيلول/ سبتمبر , هذا ما يقوله , سالم الزمر في كتابه ” طائر الشعر” الصادر حديثا عن دار الصدى دبي  ولا يكتفي بذلك بل يفند قول من اعتمد سياق القصيدة : بإن الطائرة ليست هنا بمفهومها الحديث بل هي حمامة من الحمام الزاجل ذهبت ضحية صقر أشهب , فيرد : إن اعتماد كلمة الطائرة غريب عن الكلام العربي الذي يأخذ لفظة الطائر في هذا المكان وليس الطائرة ويستكمل حجته الباهرة بإثبات نبوءة المتنبي ببيت آخر له يدل على السوء الذي جلبته تلك الطائرة مشبها إياه بالسوء الذي فعلته تلك الطائرات في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر:

فقلت لكل حي يوم سوء     وإن حرص النفوس على الفلاح  .

و سنتندر على سياق الكلام وليس من باب الرد , بل من باب الفكاهة لنخفف من هول الإبداع الذي أتحفنا به المتنبي وكشف لنا حجابه الشاعر سالم الزمر .

فلو قلنا : إن كلمة طائرة هي ترجمة plane  الأجنبية في حين أن ترجمة طائر تكون bird  ألا يدعم هذا الفرق ما قاله شاعرنا ؟!.

ونضيف أن حس المتنبي الإنساني جعله يغفل عن مصلحته الشخصية ويفضل مصلحة البشرية وينبه لما سوف تسببه تلك الطائرة/ الطائرات من دمار للبشرية , فلا يهتم بمعرفة ما يقوله المستقبل له من أن فاتك الأسدي سيجندله رغم قوله :

الخيل والليل والبيداء تعرفني     والسيف والرمح والقرطاس والقلم

يا لا روعة المتنبي , أية شهامة يكتشفها أحفادك الشعراء فيك وأي عبقرية كشفية ضمنتها أبياتك لتجعلنا مأخوذين بها مسرنمين وأنت تنام ملء عينيك عن شواردها.

أعذرني أيها المتنبي على ما قلته سابقا ولكن حالنا صار يدعو .. لا أعرف إلى ما يدعو؟! . إنها حالة هلامية كوابيسية تقض مضجع الإبداع العربي وتجعلنا كمن على رؤوسهم الطير, ليس صمتا بل موتا؛ لذلك أقوله جوابا على بدء الكلام.

تشرين

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

ماردونا الثائر على التراجيديا – باسم سليمان

 

مارادونا . هل هو مسرحية كتبها سوفوكليس ونسيها الزمن لتمثل على مسارح كرة القدم وفي كواليسها ؟!.

يقول هيدغر ” سترث الملاعب المعابد” وهذه الديانة الجديدة تريد أنبياؤها . من لا يعرف تلك الأسماء : بيليه , زيكو , بلاتني , ماردونا والآن ميسي الأرجنتيني الذي أرسله المدرب ماردونا ليكتب انتقامه من نهايات التراجيديا المحزنة التي ألمت به وبالكرة الأرجنتينية من بعده.

طفل من ذهب البرنامج الوثائقي الذي عرضته الجزيرة في الليلة ذاتها التي أقصت الأرجنتين المكسيك لتتقدم خطوة نحو إمساك كأس الذهب . هل يفعلها ماردونا لاعبا ومدربا؟!. 

من فقر, وحي لا ذكر له يصنع ماردونا التاريخ .يدخل الوثائقي عربة الزمن يرافقه خطوة خطوة , وقد حسبوها له سبع وثلاثين خطوة وإحدى عشرة لمسة قدم وستة لاعبين إنكليزي  ومن ثم قبلة الموت للشباك ورد كروي ماحق على اعتداء عسكري قامت به إنكلترة وقتها على إحدى جزر الفوكلاند الأرجنتينية , نقل ماردونا المعركة من الرصاصة للكرة وكانت أشد إيلاما على البريطانيين وكان قبلها بأربعة دقائق قد سجل هدفا بيده صار الأشهر وسمي هدف ” يد الإله” وفي لقطة مدهشة يقذف بحذائه نحو الجمهور ,فيلتقطه أحدهم وكأثمن ما يكون يضعه في صدره في المكان الأقرب للقلب.

تتوج الأرجنتين على قمة كأس العالم ويصبح ماردونا معبود الجماهير كما ابن بلده السابق غيفارا , لكن الزمن يغير دولابه وتبدأ حياة هذا النجم كما يحدث للنجم ” السوبرنوفا ” الذي يسبق انهياره توهجا خارقا يضيء سماء الليل ثم يختفي في عتمة السماء , مخدرات , فضائح , انهيارات قلبية , مصحات , إبعاد من اللعب ومنشطات , لكنه يبقى الساحر كما تلك الكرة ,فأينما يحضر, يسحر؛ حتى نال جائزة أفضل لاعب بعد بيليه للقرن العشرين .

ينال دكتوراه فخرية من إنكلترة يالسخرية الكرة من العداوات وقبعة كاسترو وحياة صاخبة وعناق من الرئيس السابق كارلوس منعم  للأرجنتين وابن نسبه إليه جهاز كشف الكذب على الهواء مباشرة وحفل زفاف أسطوري ومن ثم اختفاء ووقوف على الأطلال وضيف على البرامج التلفزيونية التي تريد أن ترفع من أسهم شعبيتها.

لكن ها قد طلّ من جديد بلحية ووقوف دائم أمام مقاعد الاحتياط كمدرب يسرق الكاميرا من اللاعبين وهو يوجه فريقه الذي يشق طريقه كالجرافة نحو كأسا جديدة

بقيادة أسطورة جديدة تنجبها الأرجنتين ” ميسي ” الأغلى وبطل مسرحية جديدة لكرة القدم سيكتبها هذه المرة ماردونا الذي تمرد على تراجيديته .

ماردونا , طفل من ذهب بث على الجزيرة الوثائقية .

الثورة/ فضائيات

باسم سليمان      

 

عنعنة الرواية في واقع السرد – باسم سليمان

 

نحن أولاد الماضي . أبناؤه الذين يحاولون الانتساب له عبر فعل ” كان” ليجدوا ل ” يكون ” و” كن” شرعيتهما في الزمن الحاضر/ المستقبل , للخروج من الماضي به, بصيرورة وجودنا . يبدو الخبر السابق بكل ما يحمله من تصديق وتكذيب فاعلا بطريقة جبارة بحياتنا المعاصرة . الماضي يحمل السر ,الجواب الأول عن السؤال الأول ” من أين؟ وإلى أين؟” وما هو أكثر جذبا للإنسان من السر ؟! ألم يكن هبوطه في المدونة البشرية عائدا لرغبته في الكشف عن سر المنع أيكون صعوده بكشف ذلك السر, بهتك المنع؟.

” هلابيل” الرواية الجديدة لسمير قسيمي أو السايح  أو قدور فراش أو نوى أو خلقون بن مدا أو سيباستيان دي لاكروا أو المتلقي أو من تريدون ممن يحفون بالرواية من خارجها أو في طيات صفحاتها .

تبدأ الرواية من فم قدور ” إنسان الهامش “الذي يروي قصة ذلك المخطوط الذي غير حيوات الشخصيات في الرواية ومن ثم تتداخل الأصوات الراوية وصولا للراوي كمبدع للسرد وكل ذلك عبر عنعنة الرواية والأزمنة بتاريخيتها الحقيقية والمتخيلة كذلك الأمكنة ,فالجزائر تحضر كبلد تدور به الأحداث من إرهاصات الاحتلال الفرنسي مع المترجم دي لاكروا وشخصيات ذاك الزمن إلى لحظة الاستقلال وصولا إلى مشارف سنيننا هذه مع المخطوط الذي يرجع لبدايات التدوين البشري حيث كان الإنسان يخط وثائقه الأولى .

“هلابيل” ولدٌ لأبوينا في أول الزمان وِلدَ بين السماء والأرض, نكره أبوه ونسته أمه لأنه ابن الخطيئة ورواه خلقون عن الوافد بن عباد جعل الله ظهوره فينا!!؟.

ومن هنا بدأت العنعنة / الرواية , الحقيقة / المتخيلة في رواية ” هلابيل ” لتصل ليد المتلقي عن لسان الراوي الأخير أو أحد الرواة المتسلسلين من مَن تقع يدهم على هذا المخطوط .

يقدم سمير روايته كأي تحقيق بوليسي في جريمة غامضة , فيجمع خيوط الواقعة الروائية وبتلك الطريقة يؤمن المتعة القرائية للمتلقي ويورطه في سؤال المتخيل والواقع وهو لا يوفر تقنية فنية لإتمام الغواية القرائية محاكيا مكر المنع في بداية الزمان لينشأ الخلق في الأرض لتقوم القراءة الحقة للرواية من قبل القارئ الذي يسعى للسر الذي يخفيه السرد في تتالياته.

فسمير يحقن متخيله بكل أسباب الواقع ,فالأماكن التي دارت بها تلك الأحداث التي ذكرها في روايته موجودة سواء عن كيفية دخول الفرنسيين والمعارك التي حدثت وشخصية المترجم دي لا كروا وغيرها مزيلا صفحات روايته بهوامش عديدة تضيء تلك الإحالات الواقعية البحتة في الرواية ,فيحدث تناص فعال بين المتخيل والواقع يدفع بحدود القارئ لدرجة التماهي مع النص/ المخطوط الذي تدور الرواية عنه , من حيث أن سياقات النصوص التي نعرفها لا تختلف في فكرة تشكلها عن ما قاله الوافد بن عباد ودونه خلقون وترجمه دي لاكروا وتناقلته الأيدي وصولا لقدور التي بقليل من الصرامة تكتشف نسبه ل “دي لاكروا: بعد أن صار جزائريا حقا وباسم جزائري , هكذا يتم تخصيب التاريخي العقيم بالأدبي لإعادة إنتاجه بطريقة أقرب لفحوى وجود الإنسان .

وعندما يقدم سمير تلك الرسائل والمخطوطات التي وجدها السائح في بن يعقوب يقدمها بلغة زمنها وأسلوبه ,فتأتي شهادة متخيلة صادقة تمعن في تأبير الحدث القرائي لنصل به لدرجة الموثوقية ويضيف الجانب الآخر لحيوات شخصيات الرواية التي تتقاطع مع قضية المخطوط متخيله الوجودي فينجز بهم وجوده كفاعل خفي وينجزوا به وجودهم كفاعل مباشر, فقيام السرد كمعادل للمعاش, فحياة قدور وسجنه ونوى العاهرة لكن القديسة فيما بعد ,السائق وحبوب سليل فرقة الوافد بن عباد الذي أخرجه أبوه من ملته ,المفتش , الراوي ومن ثم لكل تلك السياقات التي تحتكر حق القول بالحقيقة في حين الحقيقة تسربت من يديها كرمل تلك الصحراء التي احتفظت بمخطوط الوافد بن عباد الذي لو ظهر للعلن لكان هناك كلاما آخر يقال.

رواية تحاور القلق الوجودي في الإنسان وتدعوه للبحث عن نفسه للتصالح مع الخطيئة لينل القدرة على التغير ومن ثم الغفران ومساءلة الثوابت التي تجثم كالأصنام فوق رؤوسنا بدءا بالزمن الثابت والمكان الرابض في حين الكرة الأرضية تدور وتدور حول شمس الحقيقة التي لم نفتح أعيننا على نهارها.

لم يكن المخطوط نعمة على من وجدوه لكنه غيرهم ؛لكن نحو ماذا؟ هذه, تعود لكل من سوف يمس الرواية بأصابعه ويتأكد أن المتخيل ليس بعض الواقع بل كله.

هلابيل رواية لسمير قسيمي صادرة عن دار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف لعام 2010

الثورة / كتب

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

 

 

الجنس إن توسل بالأدب – باسم سليمان

 

يقول علم النفس : إن الطفل الصغير عندما يلعب لعبة التخفي ليس بالضرورة أن يستتر وراء شيء ما بل قد يكون قراره العقلي أنه لا مرئي كافيا لاختفائه وأيضا أثبت العلم أن النعامة لا تخفي رأسها خوفا في الرمل بل تبحث عن طعامها , فهل لنا أن نخرج من طفولتنا المرضية ونقارب واقعنا بكثير من الشفافية وأن نتوقف عن أسلوب النعامة ونأخذ بالمثل القائل : العصفور المبكر يمسك الدودة.

” وأنا كمان” في معرض تناوله للحرية الجنسية اختار إعلاميين وشعراء وكتاب لمقاربة هذا التابو وخاصة أنهم أكثر الناس صداما مباشرا مع تقاليد المجتمع المتحفظة والتي تأخذ بسياسة الطفل السابقة والنعامة في حين الواقع تنتابه تغيرات عميقة ولا تكتفي كلمة ” لا” في ترويضه والتحجج بالتقاليد وخصوصية مجتمعاتنا بل لكي نستوعب التغير يجب فهمه وإدراكه وتسليط الضوء عليه وهكذا نخرجه من سراديبه التي يعمل بها إلى المعرفة التي لن تكون إلا مسؤولة.

هيام أبو شديد دفعت بضيوفها إلى تجاوز الخطوط الحمراء واستجابتهم لها أدى إلى مفعول مساعد بحيث نحا الحوار نحو الشفافية والصراحة بعيدا عن ما يجوز ولا يجوز كأحكام خارجة عن الإنسان بل كان صادرا من الإنسان الذي يريد أن يكتشف أمداء ذاته .

عبدو وازن الشاعر والصحفي المعروف حكى عن تجربته وطريقة المنع التي نالت من أحد كتبه وكيف أن الرقيب عادة ما يستكين لأشياء خارجة عن الأدب لتدخل حسابات مجتمعية سياسية وحسابات أخرى  فلا يطبق القانون الذي عادة ما يكون أكثر تسامحا مما هو الواقع.

جمانة حداد الشاعرة والصحفية المعروفة بجرأتها ك “ليليت ” وصاحبة مجلة جسد التي تعنى بالأدب الإيروتيكي كانت هي الأخرى تؤشر إلى فصامية المجتمع الذي نعيش به حيث أصبحت هذه الفصامية طريقة حياة بعدما كانت نتيجة للضغوط التي يعانيها الفرد من قبل مجتمعه .

البرنامج ليس جديدا في ما طرحه لكن بعده عن الفضيحة واستقباله أناسا لهم تجربتهم الإبداعية كالذين ذكرتهم سابقا والإعلامي إيلي باسيل والشاعرة لوركا سبيتي وغيرهم جعل الحوار عن هذا الموضوع يجري سلسا ومعطرا برائحة الأدب فحاول بذلك التخفيف من ردة الفعل رغم جرأة ما تما تقديمه من آراء ومواضيع للنقاش.

لربما قد يكون تقديم المعرفة الجنسية بصيغة أدبية أحدى الحلول لمواجهة سؤال : كيف نعمم التربية الجنسية في مجتمعاتنا الذي إلى الآن لم يبرح حيز التنظير في حين الواقع يغلي وبدأ يحرق التقاليد والعادات الهانئة في مقعدها.

” وأنا كمان ” يبث على فضائية MTV اللبنانية في سهرة الاثنين تقديم  الإعلامية هيام أبو شديد.   

الثورة / فضائيات

تنويه جاء العنوان في الجريدة الورقية على الصيغة التالية ” وأنا كمان ” مقاربة في غير مكانها .

وأقول أيها الرقيب أطلع ولو قليلا على علم الأحياء لترد للنعامة بعض كرامتها

باسم سليمان

 

صفعة الشعر الأولى على نقرة اللغة – باسم سليمان

 

إن جسّ نبضا في كتابة أولى أشبه بلملمة شظايا موجة وهي تتكسر لذلك الأجدى سماع دقات القلب التي لا يلبث أن يتردد صداها في الشرايين وبدلا من إمساك الموجة الأفضل مراقبة كامل المشهد الذي يصنع الشط.

” في.. ولن.. ولكن” شهيقه الأول ل ميلاد فؤاد ديب , يبدو في مجموعته متبرما من الحياة وراغبا بها بشدة , ضاغطا جمله في صرخات متوالية , عبر مقاطع تكسر بلور الصمت الذي صنعته دهشته ورعبه من العالم الذي احتواه ومجبرا على احتوائه ” ركض على نفسه/ فسبق جثته”.

كما الطفل يتلمس جمله يقلبها ثم يرميها ليستمع للمعرفة التي تحدثها أو الضجة التي يريد منها أن تفل ضجة العالم التي سلبته الطمأنينة ” أفرغ جسدي تماما/ من غير أن أسأل ما هي الروح” , فهنا أو هناك, المعنى الذي سبقه بالوجود وهذه الأسبقية التي تحدد مسارات القول وبالتالي الحلم- كما حلموا لا كما يحلم – تتغذى على فرديته , الملاذ / القصيدة كما يشتهيها هو لا أحد غيره ؛ لذلك يريد ابتداع معناها بداية , فيقول:” أزني مع اللغة / لأحرم المعنى”.

في ” ومضات” يقدم بداهاته, ” نفضت أمي تنورتها/ فخرجت كهلا” يجعلها طلله الذي سيمر به من دون بكاء , لكنه سيقبض على رماده ويعليه في الريح ” أرفو طفولتي/ حتى لا تتخرق رجولتي” هذه الومضات حادة , سريعة , تترك ندبا بالقارئ فأصلها جرح لا يندمل في الشاعر, مفاتيح لما يأتي في “متتالياته” وقصائد صغيرة ” و” قصائد ” التي تهدأ جملته فيها كفراشة ترشف الرحيق.

عبر ” متتاليات ” وقصائد صغيرة ” ينجز رفو طفولته بلغة واضحة بسيطة تمتح من اليومي, يصبها بمفارقات مدهشة كأنها “هايكو” أجاد تنضيد زهوره , ثم تركها للريح لتشكلها كما تريد تحت عناوين لها صفة النافذة , حيث ستارتها منفلتة من عقالها” في المساء/ يا حبيبتي/ حيث يركض الجميع خلفنا/ ومالنا غير القبور/ عرفت كم أنت جميلة/ وبسيطة…/ كالموت”.

أما في “قصائد” تهدأ نفسه وتطول قصائده ومقاطعها , تظهر وحدة القصيدة وتلاحمها , حيث يطفو المعنى فوقها كضباب صباحي لا يلبث أن تبدده شمس القراءة وتحوله لرطوبة خانقة أحيانا ومنعشة أحيانا أخرى ,معتمدا على سردية قصصية ومونولوج , بعيدة عن الجزالة اللفظية أو البلاغة متوسلة مشهدية ينجز عبرها قوله , مرتبا عبرها لغته أو نفسه , ليكون للقارئ القدرة على التقاط تشظيات موجه والتمتع بنبضات قلبه المبثوثة في شرايين شجرة شعره ” بكل ما لدي أحبك/ بالعفن على جروحي/ بالطحلب على قصائدي/ بزعيق ركبتي/ وخرمشات أمعائي / برائحة حرق الحصى/ عندما تمرين إلى أعلى النشيج / بيد تشدك بكامل زنزانتها/ وتطمرك بصدري الوالغ في اليباس”.

” لا..ولن.. ولكن” مجموعة شعرية ل ميلاد فؤاد ديب  طباعة مكتبة الشمالي

تشرين

باسم سليمان

 

 

القنوات العربية الغنائية .. هل هي حالة تطهرية؟ – باسم سليمان

إن مصطلح الأغنية قد ضم في مفهومه الكثير من الضروب المحدثة عبر تاريخه وتنوع بشكل يدعو للتشتت بحيث نستطيع أن نقاربه بالكثير من الجهات الأفقية والعامودية .

وهذا أفرز الكثير من التساؤلات وخاصة مع ثورة الميديا والعدد الهائل من وسائل الاتصال التي تخصصت به حصرا وخاصة التلفزيون الذي جمع الصورة والصوت وكل ما يكتنفهما مما جعله أرضا خصبة للاستثمار من قبل رأس المال وما فرضه هذا الاستثمار من تحويل الأغنية ببعدها الاجتماعي والفردي القيمي والإبداعي والوجداني إلى الاستهلاكي البحت في كثير من الأحيان.

فهل هذا حقا أضر بالأغنية أم زادها غنى ؟!. الرأي السائد يقول : نعم أضرها وخاصة أن الأجيال الجديدة لا تستسغ الفن الراقي وهناك قطيعة فنية ذائقية يعانيها هذا الجيل المرتهن للفضائيات الغنائية بكل ما تبثه . وقبل أن نؤيد أو نرفض لننزل على أرض الواقع ونستمع لهذا الجيل المرتهن للفضائيات الغنائية .

تقدم الفضائيات العربية وجبة منوعة من الأغنية وفي هذا مندوحة لها مقابل نتاجاتها الأخرى البائسة وكأننا في عالمنا العربي نمارس التنوع الخلاق فقط على صعيد الأغنية , فالقنوات الخاصة التي تعمل برأس المال تبحث عن مفهوم السلعة في الأغنية وتتدرج حتى المبدع منها في حين تأخذ القنوات الحكومية جانب الاعتدال ولربما المحاباة لما يسمى أغاني الزمن الجميل .

تبدو الأغنية اليوم مدار صراع بين عدة جهات كل منها يشد الدلائل نحوه لإثبات صحة ما يقوله في حين يبدو المستهلك الأكبر متغافلا عن ذلك يمعن في شططه إن صح القول ردا على الوضع العربي المتدهور على جميع الأصعدة .

فالشباب الذي تحاصره كل المثبطات الجسدية والفكرية والقلق الهائل من تأمين حياة لائقة يجد هروبه في تلك المحطات التي تغرقه بكل أنواع السلع الجيدة والسيئة ولكنه بنفس الوقت يبدي قدرة هائلة على التأقلم فهو يستمع لشعبولا وأم كلثوم ومارسيل خليفة وعلي الديك , يوائم بين الأضداد وكأنه يقول : الاختلاف والتنوع غنى ,فلماذا اللون الواحد.

لاريب أن هذه المحطات تشتغل بعقلية السوق, فتقدم سلعتها مزينة بكل وسائل الإبهار حتى الجنسية منها وتعلم أن تسريع ولادة أغنية ومن ثم اختفائها , يجعل المستهلك في حاجة دائمة للجديد أي تكن قيمته ولكنها بنفس الوقت تحرك تلك الطاقات الكامنة في عقول الشباب , فتدفعهم لتحقيق أحلامهم والاشتغال عليها وهذه الوضع ليس بدائم لناحية السلبية , فتشكل الطبقة الوسطى الغنائية يحتاج لأجيال كما حدث في بداية القرن العشرين ومنتصفه وعندها سنشهد طفرة ذائقية لدى سامعي الأغنية.

الإجابة على السؤال أعلاه لا تكون بالحسم سلبا أو إيجابا بل بالعمل على تطوير الذائقة من خلال تربية الأجيال ومعطيات زمنها , لنرفعه من حالة الإغماء التي تصاحب حفلات تامر حسني إلى ” الله ياثومة” التي كانت تصدح بها المسارح. وطبعا الثقافة لم تكن يوما من هموم رأس المال بالمعنى الإبداعي بل من واجبات المجتمع الواعي أي كان تشكله وللحقيقة نجد اليوم الشباب المبهور بتلك الفضائيات هو ذاته من ينقب ويبحث ويبدع لتقديم أغنية عربية جميلة رغم أنه يستمع لكل الوارد إليه ولكن عبر الانتقاء ونجده يروض رأس المال وبدأ يفرض إبداعاته في حين من يتهمونه بالارتهان لتلك القنوات انسحبوا للظل يقفون على الإطلال.

القنوات الغنائية العربية رغم ميلها للسلب فيما تقدمه تبقى دليلا واضحا على حركة الأجيال وقدرتها على تثمير واقعها المتحطم ناحية البناء ,فلنترك هذه القنوات التي استطاعت أن تجمع التابوهات مع كاسريها في حالة غنائية مسرحية تطهرية كما قال يوما أرسطو عن المسرح.

قديما بنى أبولو طروادة بالعزف على قيثارته , فكانت الحجارة تطرب وتطير وتصطف في أماكنها وأيضا عبر أتباع دنيسيوس بموسيقاهم الماجنة عن أحقية الجسد في أن يكون طرفا في تشكيل ثنائية الروح الجسد ونهاية عزف الفارابي ,فأبكى وأضحك ونوم مستمعيه وهكذا ما تحاول قنواتنا الغنائية العربية فعله وياريت نصل ببقية شؤوننا لما وصلت إليه.

الثورة

باسم سليمان

 

 

القص بالحبر السري في النداءات الثلاث – باسم سليمان

 

“ثلاثة نداءات وتصبح نجمة” بهذه الجملة الشعرية يعنون مفيد عيسى أحمد مجموعته القصصية الصادرة عن وزارة الثقافة/ الهيئة العامة السورية للكتاب لعام 2010 .

ثيمة الدلالة الشعرية في العنوان لا تذهب مذهب شعرنة القص بل تتأتى من أن الشعر هو حالة إنسانية راقية جدا أكثر من أن يكون حالة تعبيرية كتابية , ولذلك جاء العنوان بهذه الدلالة ليكون قادرا على توسيع أفق القص نحو ذاتية القارئ عن طريق تحضيره للمستوى الجمالي في القص ,فلا يقف عند متعة الحكاية والمعاني القريبة بل يفتحه على التناص مع القصة من حيث هي تخييل مكتوب والحياة تخييل معاش وتتأكد هذه الثيمة عندما يتلقى القارئ ,القصة المعنونة بذات عنوان المجموعة وكيف أن النداءات: هي نداء الحياة ونداء الأنثى ونداء الحرية , وعندما تكمل هذه النداءات تصبح نجمة .

يختار مفيد شخصيات قصصه من ناس الهامش , ينفض عنهم غبار اللامبالاة , يلمعهم جيدا بدأب كاهن بوذي ومن ثم يضعهم مرآة أمامنا بعد أن يكون رسم الإطار وقص خشبه ونحت عليه الاسم والسمات العامة للشخصية حتى تكاد تنتبه أن أحدهم غافلك ودخل أحد الطرقات الجانبية ولم يبق منه غير ظله الذي لمحته عينك وصوتك المنادي له الذي بقي حبيس فمك .

” أوقف أبو ليلى تدوير مروحة الكير , التفت إليّ وصاح: عم .. هذه مروحة انكليزية صنعها هتلر اشتريتها من خواجة أرمني , انتزعتها من طائرة ألمانية سقطت في جبيل , أيام الحرب الكبيرة, ولو فتلت السهل والجرد لن تجد مثلها” بهذه السخرية الجادة ترتسم شخصية أبو ليلى وما أبو ليلى إلا ذاكرة المنطقة التي نعيش فيها من حيث أنها تشبه مروحة الكير .

أبو ليلى الحداد لديه ذاكرة متوهجة كالجمرات في أتونه ولكنه شخص لا تستطيع ترويضه هو كتاريخ هذه المنطقة بقدر ما تنفر منه تدفعك محايثته إلى القول كما السارد في القصة الذي بعثه عازف المزمار ” الهوا” لعند الحداد ليصلح بارودة الصيد ” صرخ أبو ليلى : ارجع ولاه …وين رايح . لم ألتفت .. لكن في قرارة نفسي قلت سأعود, أعرف أني سأعود , ربما غدا أو بعده أو…” , نظرة جديدة تجبر القطع الحاصل في ذاكرتنا .

هكذا يكتب مفيد عيسى أحمد نصين, واحد بحبر أسود على ورق أبيض والثاني بحبر سري يظهر رويدا رويدا كل ما تقدمت في قراءة القصة حتى تصبح الحكاية جزءا بسيطا مما استخلصته .

يعتمد في إستراتجيته القصصية على لغة سلسة هادئة قريبة المتناول وخاصة في لحظة مدها بجماليات الشعرية , فلا تثقل عليها معماريته المدروسة بدقة بل تزيدها وضوحا حيث يجعل كل الأدوات الأسلوبية في خدمة القصة ومتعة قراءتها, فهو يضع نصب عينيه , القارئ العادي كقارئ تهمه الحكاية ويدخر للقارئ المولع بكشف رسائل الحبر السري العلامات التي يكتشف بها أمداء تتوالد كموج البحر, ففي قصة ” سحر الشجرة الغامضة ” حيث يقع ” تامر العيود” في سحر تلك الشجرة البهية ” روح الغابة” ,فيحاول استنباتها في بستان داره وهو الخبير بأنواع النبات والتي أحضرها معه إلى القرية , فكان بستانه غابة صغيرة, وهكذا جعل من تصرفاته حديث القرية , تراقبه وتنسج حكايات عنه إلى أن امتد به الزمن ولم يستطع استنبات هذه الشجرة في حين كان هناك صوت جرافة تشق طريقها باتجاهها . يختفي تامر العيود في بيته وتكثر الأقاويل وعندما يلفظ أنفاسه يشتم رائحتها الرائعة وكأنها ” مزيج من العنبر والبخور” أي الشجرة . تندفع القرية لبيته محاولة معرفة سره وفي زحمة الأقدام تنسحق نبتة غضة نفذت حديثا من التربة فتفوح رائحة ” من البخور والعنبر”.

في النهاية نجح تامر العيود عندما تماهى مع الشجرة وفشلت القرية لذلك كان العكس في اشتمام الرائحة ليعاكس بين ما اشتمه تامر العيود وما اشتمته القرية التي تخلع خضارها.

تتنوع الحالات التي يعرضها القاص وجميعها حالات “بندولية” سواء لناحية الحدث الذي يشبه ” الجذمور” فيمتد أبعد من الحبكة والخاتمة المفاجئة وكذلك الشخصيات , فهي لا سوداء ولا بيضاء بل كأصابع البيانو لا تقوم المعزوفة إلا بالتناوب بملامستها وعند التدقيق جيدا بعد الانتهاء من القصص جميعها تلعب الأرضية الجغرافية والبشرية والسردية التي نسجت القصص من حريرها في جعلها منظومة في خيط واحد ” ثلاث قصص وتصبح أحدى شخصياتها.

تشرين

باسم سليمان

 

 

 

الحلم كبداية مشروعة للقصة – باسم سليمان  

 

تشتغل فاديا عيسى قراجة في مجموعتها القصصية الجديدة ” القصة الأخيرة” على ثيمة الحلم كمجاز للتغيّر من حيث هو زمن مستقبلي يُؤمل بالوصول إليه , فتؤسس له في الحاضر السردي لشخصياتها عبر الصور الملتقطة من حيواتها ومن ثم لم شملها عبر أطياف دلالة الحلم وما جرى مجراه, فيظهر بوضوح  في بعض القصص أو يختفي خلف النهاية التي تؤول لها شخصيات القصص وأحداثها.

وهي إذ تؤسس لمنطق القص لديها من خلال السارد الراصد. لا تجعله العليم بكل شيء بل تترك القص يكشف له وللشخصيات ما يحمله الزمن المستقبلي إلى لحظة السرد؛ بحيث تترك للحظة الصفر / الخاتمة قول كل شيء, فتأتي مفجرة لكل القص السابق لتضعه على عتبة السؤال من جديد وكأنها بذلك تقول: إن لحظة القص الحقيقية فيما لم يكتب ؟!.

ففي قصة ” شرفة الشاي الأسود” تأخذنا القاصة لقبو حيث تنمو القصة من الشاشة الفضية وتنتهي بالمنور المعادل الواقعي المعاكس للحلم الذي وسم القصة من خلال الصبية الحالمة بفارس أحلامها الذي تريده مشاكلا لقصة الفلم الذي شاهدته وعندما تحاول أن تلبس واقعها الحلم يتمزق الثوب ويظهر جسد واقعها فجا؛ لذلك تترك الحلم وفارسها لتستكمل حياتها على وقع الأحذية التي تراقبها من المنور .

أما في قصة ” القصة الأخيرة” وهي القصة التي عتبت بها مجموعتها القصصية. تسرد القاصة قصة تلك القاصة التي تريد أن تلقن زوجها القاص درسا في احترام إبداعها والتوقف عن تبخيس ما تفعله وبل سرقة نتاجها عن طريق رسالة تخبره فيها بخيانة تخيلية. يقع الزوج في حبائل قصة زوجته ليصل في النهاية للاعتراف لها بينه وبين نفسه بقدرتها كقاصة وقبل أن ينهي الزوج قراءة رسالتها نقرأ بالخط الأحمر الذي كتبت به القاصة الزوجة ملحوظة لزوجها ” لا تظن أن نهاية القصة مطابقة لما سأفعله الآن حيث تطلب البطلة من زوجها الطلاق لأن قلبها لم يعد ملكها وهي لا يمكن أن تخون جسدها كما يفعل هو”.

نستطيع أن نقول : إن ثيمة القص تأخذ هذا المنحى في مجمل قصصها حيث يجهض الحلم على عتبة الواقع أو يترك معلقا لاحتمالات القارئ , فشخوصها القصصية يتأرجحون, قدما في الهامش وقدما في المتن وعلى محمل هذا النوسان تُبنى القصة وتوقعات القارئ وهذا مما يحسب للقاصة فاديا عيسى قراجة بالإضافة للنهايات التي جاءت غير متوقعة.

 هذا من جهة. أما الجهة الثانية التي كانت يجب أن تعضد نتاجها وتدعم بنيتها القصصية التي جاءت بلغة رشيقة سهلة ومجازات قريبة مألوفة: هي الشخصيات وأسلوب المعالجة الذي بقي    بمستوى أفقي ومن المفروض فيهما أن يكونا أكثر غنى ليحتملا الفكر الجيدة التي اشتغلت عليها القاصة لكن الشخصيات جاءت نمطية,  شخصيات لا تنفر عن الخط وكأنها الكلمات ملتزمة السطر الذي تكتب عليه بحروفها  من حيث من يجب أن يرتفع فوقه أو يوازيه أو يهبط أسفله بالإضافة للمستوى الواحد الأفقي وهذا جعل من التوتر القصصي ذي وتيرة واحدة في أكثر قصص المجموعة.

الضبط الذي تكلمنا عنه سابقا أخرج المجموعة عن التجريب القصصي, فالخطاطة التي أتت عليها القصص, كلاسيكية من حيث الدخول والعرض والخاتمة , فلا تعدد ضمائر ولا تداخل أزمنة ولا الخطف خلفا ولا تناصات جريئة ولا اشتغال على المحاميل الدلالية للغة من حيث هي أفق الفكر , وهذا بدوره جعل المأمول من القص أضعف بكثير من الفكرة التي تم الاشتغال عليها والنهايات الجيدة للقصص, فالتنميط الذي شمل الشخصيات والمستوى رغم التأبير الصحيح للفكرة جعل موسم القص فقيرا بدلالاته واختل ميزانه.

ما سبق ذكره لا يضعف من المجموعة ولكن عندما تكون الفكر كبيرة يجب أن تكون على حجمها الهمم .

” القصة الأخيرة ” مجموعة قصصية  ل فاديا عيسى قراجة صادرة عن مكتبة الشمالي حمص لعام 2010

الثورة

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

 

إلى متى نكتفي بالزوابع في فنجان – باسم سليمان

تقية السبب والنتيجة في ” ترمي بشرر”

 

أجاد عبده خال تقمص شخصية السيد في القصر, فجميع الشخصيات ارتبطوا بقدر قلمه الذي خط ” ترمي بشرر..” وإذا كان القول ممكنا : إن السيد قد حل رباط ” طارق فاضل” بعد أداء آخر مهمة له ؛ كذلك فعل عبده خال على لسان سارده :” كان قراري بقتله قد نضج تماما , لقد مضى زمن طويل وأنا أحمل جثته في مخيلتي ولا أعرف كيف أواريها, فحينما آوي إلى فراشي أستجلب النوم بخيالات مقتله , وفي كل ليلة أقتله بطريقة مغايرة عن الليلة السابقة… آه كم المسافة بعيدة بين الخيال والواقع؟” ولكن في نهاية الأمر, بقي طارق فاضل في سماء السيد حيث شهد أهل الحي الذي سُمي جهنم سقوطه المدوي فيما بعد, كذلك فعل عبده خال عندما سيطر على حياة طارق بالتخييل كإعادة إنتاج للواقع بطريقة إبداعية وترك لطارق الخيال وتلك المسافة التي لن ولم يقطعها أبدا.

الماضي المستمر لحياة طارق فاضل  الذي أنجزه الروائي عبر تقنية التسارد بأن جعل السرد على لسان السارد يتأمل ذاته من خلال وقفات طارق فاضل ليتشارك فيها مع الشخصيات والقارئ ويفتحه على معاني سميائية التأويل ,فيعيد توطين التخييل في أرض الواقع داعما ذلك بالتسنين المزدوج وبالإحالة لمذكرات طارق فاضل وبوحه وما خطه في فصل البرزخ من إحالات ” واقعية ” كسخرية تناصية تفتح العمل الروائي على واقع الحال في المجتمع الذي رصده السارد في لحظة الحاضر المعاش . 

هل أراد منه أن يعري الأسباب ويضبطها, فنقع على جوهر النتائج الجحيمية التي عصفت بهذا المجتمع؟! ؛ فأقام معماره الروائي على تقنية الماضي المستمر متزامنا مع لحظة الحاضر التي انتهى لها هذا السرد عبر الحياكة الأفقية العائدة للوراء, لتسبيب مصائر الشخصيات والرأسية التي تشعل أحداث السرد للوصول للحظة إهداء هذا البوح القذر على لسان طارق إلى تهاني أول ضحاياه وانحدار روحه من جحيم الحي إلي جحيم القصر.

الإجابة تبدو نافية : فالشخصيات التي هي المعترك الذي تظهر عليه أفعال السيد المختفي في صمت الشخصيات التي لم تقاربه بل اكتفت بمقاربة ذاتها وغيرها من الضحايا لا أكثر وبقي السيد سيد الغموض المتفق عليه بين الجميع , فرغم قربها لدرجة الالتصاق منه, بقي تسبيبه غيبيا , فلا أحد فلح بمعرفة من أين ينبع هذا الشر المقيم فيه؟ وما القدر الذي أوجده ؟ فالسيد موجود كما الوجود ذاته وغائب كما الغياب ذاته, فلا جدوى من السؤال عن سببه وكأن السيد في لحظة استطاع ترويض الكاتب وشراء اعتراف طارق فاضل أو القيام بمبادلة ستجلب لطارق فاضل رأفة ما من قارئ بوحه!! وللكاتب ذلك الغموض الصادر عن فرضية وجود السيد, فيختلط لدى القارئ التخييل بالواقع , فيدفع بشهوة القراءة إلى أقصاها لدرجة قد يُسأل الكاتب خفية :هل هو حقا من شخصيات مدينة جدة؟! , فتغيّب المتعة المتحققة الأسئلة التي تفترض أن تقيمها الرواية في ذهن المتلقي لنوع من الأسئلة الصفراء؟! .

وعليه , أوليس انتاج هذا البوح رغم نية القتل المبيتة فيه والتي استطاع السيد أن يضبط طارق فاضل يتمناها واستهتاره بأمنيته ومن ثم إغفاله شخصية السيد بهذا الشكل الصريح إلا آخر المهمات التي أنيطت بطارق فاضل وكأنه باعترافه هذا دون للسيد مذكرات تملأ وقت فراغه عندما اقلع عن تلك العادة بتعذيب خصومه وبالنسبة للكاتب فرصة لا تعوض ليعطي لحبر قلمه قدرية آمرة لا مناص من أن تقرأ ما خطت.

عبر كل هذا, هل يؤكد عبدو خال, أن ما كتبه وسره له طارق فاضل كان بإملاء غير مباشر من السيد/السلطة بتجلياتها المعروفة وغير المعروفة التي استطاعت أن تتحكم حتى في كيفية انتقادنا لها ومقاربتها ؟! .

نعم يؤكد , فالواقع الجحيمي الذي تمرغ أبطال الرواية به من عيسى وأسامة وطارق وغيرهم, الشركاء في التيه الذي هدفوا من ورائه عدّ أضواء القصر؛ ليخففوا من حدة فقرهم المادي والروحي الذي يمثله حي الجحيم مقابل القصر ” الجنة” ؛ حولهم لفراش احترقت أجنحته ولم يمت بل تحول لزواحف في ثنايا هذا القصر من دون أن نلحظ السبب في اشتغال آلية الشذوذ الحقيقية التي قادتهم إلى نهاياتهم الفجائعية والتي تنبع من التابوهات الثلاثة المسببة لهذا التيه الجحيمي التي اكتفى عبدو خال برصد أثارها دون أن يطالها التحليل كأسباب فاعلة بل ذهب في مخاتلة استعار لها أسبابا فرودية , فالجميع سعى لقدره ولم نر السيد يسعى لأحد بل الضحايا من حي جهنم كانت تأتيه بكامل إرادتها للهرب من واقعها المزري ؟!؛  وبذلك يفقد الروائي التناص دوره كدلالة  “القصر/الجنة” من حيث هي استتار, ظاهره جميل وباطنه الجحيم , فيستر عبدو خال السبب ويحيله إلى  قدر حي الجحيم ؛ لتقع  الشخصيات والقارئ  تحت  مقولة” اللطف فيه “.

هكذا يوقع عبدو خال الجميع في الشرك لا يستثني نفسه منه وكأنه يريد أن يؤكد أنه معذور بما خطه من التقية المغلفة بالوصف الباهر , فحاذر أن يغضب ألهة التابوهات وأما فقراء حي جهنم الذين نشر ثيابهم الوسخة علنا , فيكيفهم أنهم كبش الفداء عن الحقيقة وترك القصر يشع بأضوائه التي لا تعد.

 حبة رمل واحدة قادرة أن تقلع أي عين وفي لحظة العاصفة لا أحد بمنجى عنها. حاضرنا الآن ليس نتاج الماضي وفق قاعدة السبب والنتيجة بل لأننا أكثر الناس حرصا على هذه القاعدة وتصنيم أسبابها والتسليم بنتائجها .

في النهاية نسأل : إلى متى ستبقى رواياتنا تثير الزوابع في الفناجين , روايات تخاتل وتحتال على المتلقي تبتعد عن التفكيك والنقد لا تقول بل تأخذ اتجاها هوليوديا مبهرجا الكثير من الصور ولكن بلا عمق, فالعمق خمر يجب اجتنابه ؟!.  

” ترمي بشرر” ل عبده خال صادرة عن دار الجمل لعام 2009 وحاصلة على جائزة البوكر بنسختها العربية لعام 2010

الثورة

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

 

دفاعا عن الضحك آخر ملاذات الإنسان – باسم سليمان

 

تقول الخبرة الحياتية ومن ثم الطبية : إن الجرعات الصغيرة المتتابعة من السم تجعل الإنسان في وقاية من لدغة الأفاعي وبالطبع ,ما اللقاحات التي تعطى للطفل في صغره إلا من هذا المبدأ .

وهذا الأسلوب المذكور أعلاه لا يقارن أبدا بوسيلة ” السم في الدسم” المنتشرة بكثرة على فضائياتنا المستنسخة جملة وتفصيلا عن فضائيات لمجتمعات تناسب ما تعرضه على أفرادها حالتهم الاجتماعية مهما بدت لنا مستفزة على جميع الأصعدة وبالتالي هذا الاستنساخ فاشل لدينا كما وكيفا لسببين : الأول, أن المتلقي رهين تابوهات ثلاث  والثاني, أن الناطق مروج لهذه التابوهات لكن بمكر شيطاني, فمن ناحية يقدم لك وجبة معوية دسمة وفي اللحظة التالية يخطب بك عن ضرورة الصيام , فيصاب المشاهد بالفصام ولا يعود يدري أيقول : نعم أم لا؟!! .

 وأمام هذا الوضع نرى المشاهد العربي الذي يستفزه مشهدا ما رهين لمشاهد أكثر استفزازية لا يحرك ساكنا تجاهها وكأنه يخضع لجهاز تحكم كما يُخضع تلفزيونه لجهز تحكمه.

وسقت هذا الكلام بعدما كثر الحديث في الشارع عن البرامج الساخرة  وصار هناك نوعا من الاستهجان الذي بدأ يصل لحد إصدار ما يمنع بثه إن كان للمعارضين القدرة على ذلك.

لاريب أن هذه البرامج تجاوزت في كثير من الأحيان مألوفنا ,وهذه إذ تعتمد الصدمة في تقديم نكاتها ومراعاتها للحدود لا تتجاوز فقط الصفير الذي يغطي على الكلمة النابية ولكن هذا التجاوز ألا نراه على فضائيات الأغاني وفي البرامج السياسية التي تنكش جذور الخلاف وتمعن في تخصيبه والقنوات الدينية التي تصب جام التكفير على غيرها والدراما المتفهة والسطحية في معالجاتها والكثير من البرامج التي إن قيمتها لا تجد لها وزنا وخاصة برامج الأطفال كل هذا لايرى؟!؛ لأنه من قبيل السم في الدسم لكن اللقاحات التي تقدمها النكتة تجاه التابوهات الثلاثة , صارت هي من يخدش حياء العرب !!,ونسوا أخلاف السلف الصالح أن العرب يوما كانت تصنع أصنامها من التمور إن جاعت أكلتها ,أليست هذه قمة التهكم على وثنيتهم ورفضهم لها لا شعوريا ؟, ومن ثم تمتلئ كتبهم بما هب ودب من النكت التي لم توفر ممنوعا إلا وطرقته , إذاً كيف قبل العرب في ماضيهم هذا الكم من النكت حينما كانوا أسياد العالم , ألا يدل هذا على فهمهم الرفيع لدور النكتة في تقليب مياه المجتمع الفاسدة لتنبيه من يعمهون في وساخته؟! , في حين يرفضونه الآن وهم في عمق مستنقع البشرية يتناهبهم التخلف بدركه المتعددة.

النكتة كالخلايا “t” المسؤولة عن الدفاع عن الجسم , وتعمل عملها في التنبيه للتجاوزات التي تحدث والقضاء عليها , طبعا سيرافقها ارتفاع حرارة الجسم وبعض الصديد لكنه شفاء للجسم , لذلك مهما بدت قاسية, فهي كالكي آخر الدواء.

 وجميعنا نذكر حنظلة ناجي العلي وكم شكل من خطورة على مكنة إعلامية قوية تسخر تحت إمرتها الكثير من الأموال وجعلها ترتجف, فعمدت لاغتياله .

النكتة واضحة كالطلقة وبسيطة كالماء واجتثاثها من مجتمع يعني الحكم عليه بالبلاهة , وأن كانت في بعض جوانبها قوية كالحنظل لكن المثل يقول :الدواء في المر وليس في الحلو, وأن كان لنا أن نختار , فلنختر أهون الشرين :وهي النكتة, بدلا من أعظم الشرين ,وهو القمع.

باسم سليمان

تشرين

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

الطرقات الأدبية والشارات الحمراء – باسم سليمان

 

عند الوقوف على حجم كمية القراءة التي يخصصها العربي لنفسه , لم تعد تدهشنا ضآلة حجم ما يقرؤه بل نوعية ما يقرأ وإلى أي زمن تعود الكتب التي يقرأها؟!! . قديما قال الناقد العربي :اللفظ للقديم والمعنى للمحدَث وقال: اغترب تتجدد .وعند النظر لواقع القراءة في قرننا الحالي والسابق نجد الذائقة مازالت عند الكلاسيكية الجديدة وإن شدّت من خطاها تتوقف عند خمسينات القرن الماضي , ونتيجة لذلك لا تستسيغ كل ما أنتجه الأدب بعد ذلك وخاصة على صعيد الشعر وعامة على بقية الأجناس الأدبية وتطالب بعودة الأدب إلى تلك الأزمنة وقد نقول: هذا شأن القارئ ؟! ؛لكن واقع الحال, يُري أن قسماً لا بأس به من الأدباء مازال ينظر لتلك المرحلة ويعتبرها قمة لن تُطال ثانية مادام الأدب الجديد يمعن في اغترابه كما يقولون!!  ومن ثم يسفهون ما وصلت إليه تطور الحركة الأدبية في بحثها عن المحدث والمتجدد ويعتبرونه ارتهان للغرب؟!.

الأدب ابن اللحظة وإن لم يكن كذلك ,فهو ليس أدباً وهذا الأدب يحتاج لأسرة القراءة لكي ينمو بين أحضانها وإن لم تتوفر له, فهو أشبه باللقيط التي تتقاذفه شوارع الحياة بين أرصفتها, يمسح حذاء أو يبيع علكة أو ينظف بلور سيارة على إشارة مرور حمراء وللمفارقة هذه الإشارة قد تعطلت وبقيت على الضوء الأحمر ,فلا مؤسسة الطرقات الأدبية تبعث بورشة صيانة تصلحها لتتناوب الألوان فيها ولا تحاول أن تنجز تحويلة تطلق حركة السير الأدبي من جديد ولا مناهج تعمل على تغير الذائقة لدى جيل القراءة المنتظر. 

وزيادة في الطين بلة ترافق حدوث هذا التوقف عند انوجاد التلفزيون وكل أنواع الميديا الأخرى المرتهنة لسلطة المال وسياسة التابوهات , بحيث تعمل من حيث تدري ولا تدري على توطين تلك الذائقة البائسة في حاضرنا المعاصر وبمثل بسيط نستطيع أن نتحقق أن ما تم نشره في تلك الأزمنة لم يعد مسموحاً نشره حاليا رغم طفولة ومراهقة الذائقة الأدبية حينذاك وقلتها لجهة انتشار الأمية الرهيب وقتها ومن المفترض أن مرور تلك السنوات أن يؤدي لرشد تلك الذائقة ونضوجها وانفتاحها وخصوصا مع نمو حركة التعليم بوتيرة لا بأس بها ؛نراها اليوم أشد نكوصاً وبل تحمل أصنام التابوهات وتشهرها بوجه الأديب المجدد قبل السلطات وذلك بمقاطعة نتاجه وأكثر مطالبتها بالاقتصاص منه كونه خلخل سكونها في مستنقع جهلها فياريتها بقيت على ما كانت.

لذلك قبل أن نسأل عن حجم القراءة العربية؟, علينا أن نحدد وضع تلك الذائقة بشكل علمي مدروس لأنها المسؤولة عن تدهور حجم القراءة العربية وعليه العمل على  تطويرها منذ سنواتها الأولى ورفدها بالجديد حتى تستسيغه وتطالب به وتقبله رغم حدته وجرأته وكشفه للمستور المتعفن بمجتمعاتنا ووضع من بيده الأمر على هكذا أنشطة ممن أثبت قدرته وانفتاحه وتقبله لنتاجات الأدب الجديدة وإلا ليس بمستغرب أن نرى انحدار مستوى القراءة قد وصل لحدود غير معقولة .

الأديب بحكم اختصاصه وانفتاحه وهذا ما نتمناه  يطلع ويتابع الجديد في الأدب , فيهضم هذا الجديد ومن ثم يعود وينتج جديداً أجد؛ لكن القارئ المكتفي بذائقته تلك سينقطع معرفيا عن نتاج هذا الأدب وتزداد الهوة التي سيصعب ردمها يوما بعد يوم مما يؤدي إلى نشوء الدائرة الأدبية المغلقة حيث الأدب الجديد يستهلكه الأديب لا غير وهذا في أحسن الأحوال ويظل القارئ في حصنه رافضاً له يجتر نتاجاً سابقاً مراوحاً في مكانه يتأمل دوران الشمس حول الكرة الأرضية .

الثورة

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

 

 

الترجمة لغة عبر لغوية

 

من بلبلة الألسن في بابل والإنسان يسعى لفك حصار اختلاف الألسن الذي ابتلي فيه بغفلة من وحدة وعيه تجاه الكون أم أن بليته تمت بقصد لا نعلم كنهه؟!؛ رغم كل الدلائل تشير إلى أن الاختلاف غنى ؟!. هكذا مضى الإنسان يؤنسن الكون بلغاته المختلفة  ككائن حي له خصائصه كما العصفور يصفّر الكون لغات لا نعرف منها إلا أنها ألحان عذبة .

هل هي حقا بلبلة تجعل المترجم الذي يفك أحبولة الألسن تلك في حيص بيص؟ أم أنه مجرد أن يعود لوعيه الإنساني الذي يسمو فوق تلك الاختلافات الظاهرية قادر على رد هذه اللغة إلى صلصال اللغات ويعيد تخريجها بلسان آخر تحمل كل معطيات تجربة اللسان المترجم عنه أو تنقص عنه قليلا إلى اللسان المترجم له ؛لتصبح هذه البلبلة مغامرة جمالية .

كل ترجمة خيانة وهي الخيانة الأجمل والمشروعة والمطلوبة في زمن يسكن سكانه قرية واحدة لم تعد تكفي فيه وتيرة الترجمة البطيئة التي تقوم على المناسبات بل الترجمة أصبحت مشروعا وطنيا لكل أمة لا تريد لنفساها أن تبقى في ذل الحضارة البشرية .

وللضرورة الترجمة نجد اليوم تلك الآلات التي تقوم بالترجمة ولكنها ينقصها الخيانة من حيث هي فعل إنساني يستطيع المترجم عبره  تقمص روح لغة الشعب الذي يترجم عنه وبذلك ينقله نقلا يكاد يكون مضاهيا للأصل, وبقدر ما يخون المترجم ينتج نصا إبداعيا خالصا لأنه في تلك اللحظة يتماها من النص المترجم , فكل مترجم إن لم يكن عميلا مزدوجا من حيث تمكنه من اللغة المترجم عنها والمترجم إليها , سقطت ترجمته وانفضحت قاموسيتها الفجة وتصير أشبه بترجمة تلك الآلات التي تلبي طلب المستعجل للوجبات السريعة.

 في كتابها الجديد تقدم دبي الثقافية أشعارا مترجمة لعدد من شعراء العالم على يد المترجم د. شهاب غانم يتناولها من سلّة الجهات الأرضية متناولا فيها شعراء ذاع سيطهم وآخرين لهم من الشهرة والعظمة الكفاية لكن حركة الترجمة البطيئة في عالمنا العربي أبعدتنا عنهم وعن نتاجاتهم وشعراء جدد يدلوا بدلوهم في القول الشعري من أصول عربية .

وغانم يقدم نظرته في الترجمة عبر مقدمة الكتاب عبر سيرة ذاتية مختصرة تؤرخ لعمله في ترجمة سواء من العربية للأجنبية أو العكس وهو من خلال ذلك يدلي بدلوه في تلك الخيانة أو كما لم يوافق على تسميتها كما سبق بل اعتبرها عملا إبداعيا من حيث أن المترجم يضع خبرة عمره وجهده في تلك النصوص وهو يرى أن الترجمة تفقد النص بعض جمالياته لجهة المحسنات البديعية والوزن ولكن يؤكد على ما قاله الناقد المتخصص يوسف بكار الذي قال في ترجمات د. غانم لرباعيات الخيام عن أدوارد فيتزجرالد ” أما الترجمة نفسها, فليست حرفية بل اتصالية معنوية حافظ المترجم في كل رباعية منها على مفصلها الأصلي وبؤرتها المركزية وفكرتها الواحدة الدقيقة والرسالة التي رغب في إيصالها , وهذا هدف كل رباعية في هذا الجنس الأدبي عند أهله الأول, وما أكثر ما غاب عن عدد غفير من مترجمي الرباعيات العرب والأجانب”.

وهنا نسأل : أليس من صفات هذه الاتصالية المعنوية عدم قصر روح النص للتوافق مع اللغة المترجمة إليها ,.وأيضا ضرورة  تخليصه من ما يسمى خصائص لغوية في اللغة المترجمة عنها ؟وبذلك يصبح النص نصا بلغة ثالثة تأخذ الأنسب له في اللغتين المترجم عنها والمترجم إليها, فلا يسأل بعدها عن شروط شكلية مثل الوزن والقافية والجناس وإن كانت جمالية  لأنها خصوصيات لغوية لا تنفع معها الترجمة.

تنوعت النصوص المترجمة من ملكة بريطانيا إليزابيت الأولى ووليم وردزورث إلى كفافيس في اليونان وغيرهم من كل دول العالم وذلك عبر وجبة غنية جدا بالفيتامينات الشعرية نستطيع القول بعدها : إن الشعر لغة عالمية بأزهار متعددة .

ونختار من تلك الترجمات ل مالكوم إكس (1925- 1965) أمريكا . وهو زعيم أسود لحركة إسلامية للسود في أمريكا , قتل وهو يخطب وما يلي خطبة له شبية بالشعر على قول المترجم؟!

أسود

يا عزيزي الرجل الأبيض/ هناك شيء يجب أن تعرفه: عندما ولدت كنت أسود اللون/ وحين أنمو سأبقى أسود / وتحت الشمس أظل أسود/ وعندما يعتريني البرد أبقى أسود/ وحين أكون خائفا أظل أسود/ وفي حالة المرض أبقى أسود/ وعندما أموت سأكون أسود.

****

أما أنتم أيها البيض/ عندما تولدتم كان لونكم ورديا/ عندما تكبرون يكون لونكم أبيض/ وتحت الشمس يكون لونكم أحمر/ وعندما يعتريكم البرد يكون لونكم أزرق/ وتصيرون صفر اللون عند الخوف/ وخضر اللون عند المرض/ وعند الموت يكون لونكم مغبرا/ ثم بعد كل ذلك تسموني ” ملونا”.

“لكي ترسم صورة طائر وقصائد أخرى من الشرق والغرب” ترجمة د. شهاب غانم صادر عن دار الصدى / دبي وتوزع مجانا مع مجلة دبي الثقافية لعام 2010

الثورة

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

المقال النقدي بين امتداد النص وإقصائه

 

تطالعنا الصحف بقراءات نقدية للكتب الصادرة حديثا يُعتمد عليها بإضاءة متن الكتاب, نستطيع أن نقول عنها : إنها ذوقية تناوش النقدي ولا ترتقي له وهذا ليس عيباً فيها بقدر ما هو من طبيعة المقال الصحفي الذي يتلبس اليومي والفوري وتحكمه ضيق المساحة ومنهج الصحافة اليومية التي تتوجه للقارئ العادي بالعموم ورغم ما سبقه ذكره نجحت إلى حد ما في تغطية انسحاب النقدي المختص إلى المجلات الأدبية التي هي في انحسار دائم والكتب النقدية التي قليلا ما تمخر عباب المنتج الحديث وتكتفي بالمكرس, فالنقد مازال يقف عند عتبة الأسماء الكبيرة يستجدي تسلق هرمها الإبداعي لينسج من نجاحها نجاحاً له.

ولكن يبدو أن المقال النقدي الصحفي ” الذائقي” كثيرا ما يقع بالاستسهال والعرض الخاطف والأحكام المبتسرة مما يؤدي إلى تشويه صورة الكتاب الجديد وإبعاد المتلقي عنه الذي هو بالأساس يتجنب القراءة .

وهذا عادة ما يكون , عندما يكون المقال تلخيصا للعناوين أو إشارات لمضمونه سواء الفكرية أو السياسية أو العاطفية أو وصف الشكل الذي اتخذته الكتابة وعرضا للحالات الإنسانية التي يتناولها وكأن الكتاب قد يكون غير ذلك؟!.

وعليه ,ما قصدناه بالذائقي لا يأتي من متلقٍ بسيط بل من قارئ مختص يقارب القارئ النموذج , فلا تأتي مطالعته للكتاب عفو الخاطر أو للمتعة فقط بل هو يقرأ وفي ذهنه الكثير من الخطوط الأفقية والرأسية والتناصات التي تجعل قراءته مفتوحة الأمداء وهذا يعني استطالة الكتاب بتلك القراءة وامتداده في أفق التلقي ومن ثم فتح كوات ووضع مفاتيح تجعله أيسر وأقرب للتناول وترغب به من يقرأ المقال الذي يتناول الكتاب بل تقدم له خطة قراءة وتصوب له خطواته الأولى في ارتياد مجاهيل هذا الكتاب .

وهذا يعني إعادة كتابة مسيرة القراءة التي تمت للكتاب وتثبيت الانطباع الحق عنه من شخص ذي خبرة .

وهكذا إذا كانت الكتابة النقدية المختصة هي كتابة محو وإثبات من حيث هي كتابة على كتابة تكون كتابة المقال الذائقي هي كتابة على هامش المتن كتابة ترافق الكتاب وتمهد له وتعلن عنه وتشهر وجوده في سماء التلقي.

وبالطبع ليس المطلوب من هذه الكتابة أن تكون إيجابية أو سلبية ولا كتابة قيمة بل كتابة وزنية من حيث أنه لا تغفل جانبا وتضخم جانباً آخر , إذاً هي كتابة خصائص من خلال إعطاء كل عنصر حقه وبنفس الوقت شاملة الرؤية ,فتكاد تقدم بانوراما مصغرة عنه محمسة القارئ لاقتنائه بإثارة الإشكال حوله والتساؤلات التي سببها وغير ذلك .

هذه الكتابة هي ما تجعل الكتاب يمتد بالكتابات التي تتناوله , فيرى من عدة زوايا حسب القارئ , فيصبه الغنى من حيث لا يحتسب ولا يقبع منتظرا رأفة ناقد يخرج من عليائه ويمد يده ليتناول هذا الكتاب أو ذاك بمنحة قلما تحدث.

أما الكتابة الأخرى الابتسارية , فهي تستعبد الكتاب وتدفعه لمجاهل النسيان وتسحب الدسم منه وتخصيه وتعقمه , فتمر به والانطباع السابق مازال في ذاكرتك فتنفر منه ولا تقربه و ياريت لم يقربه أحد هؤلاء من يعملون ” بالمشايلة” ويتركونه لورقة يا نصيب النقاد المختصين ولو طال به الزمن وتراكم عليه الغبار.

تشرين

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.co

 

 

 

 

 

السيرة عبر سردية لأمبرتو إيكو

 

رجل السميائيات الذي نقلها من حيز التنظير الذهني المجرد إلى حقل التجربة الفعلية عبر روايات أخذت نصيبا كبيرا من الشهرة . هذا الرجل هو أمبرتو إيكو الذي يطارد العلامة والدلالة إلى أقصى أقاصي شطحاتها .

 هكذا نجده في كتاب ” آليات الكتابة السردية” الذي يضم عدة مقالات تُعنى بتجربته وقراءتها ولكن من قبله, مؤكدا الخط الذي عاشه لمدة ثلاثين سنة في علوم السميائيات ولم يخرج للرواية إلا لإدخالها هذا العالم الرحب والواسع ولكي يجعل المعرفة منداحة بين جوانبها لا على لسان شخصياتها ولا بنصوص محشورة بين ثناياها بل بخفة أثر الفراشة ناقلا العلم من الملفوظ إلى التلفظ حيث الملفوظ نتاج جامد قار كالقاعدة العلمية والتلفظ هو الانتاج والأسلوب أي ممارسة المعرفة حياة.

يقول: إن الرواية مولدة تأويلات وعلى ضوء هذه يكتب “حاشية على اسم الوردة” يعيد فيها قراءة علامات رواية ” اسم الوردة ” متوقفا عند التأويلات التي أنتجتها ,ففي “العنوان والمعنى “, يتتبع عنوان روايته والبيت الشعري الذي استخلص منه العنوان دارسا العنوان كعتبة تأويلية  أولى ليصل بعد سياحة خلابة يتخلص في نهايتها من تأثيره بأن يقول : “على المؤلف أن يموت بعد كتابته لكي لا يؤثر في تأويلها “. ويستتبع في ” حكاية السيرورة” بالقول : “بالتأكيد ليس من حق المؤلف أن يؤول  ولكن من حقه أن يحكي لماذا وكيف كتب ما كتب. وإن الحديث عن كيفية الكتابة لا يعني البرهنة على أن ما كتب هو شيء جيد , فإدغار بو يقول بأن ” وقع العمل الأدبي شيء ومعرفة السيرورة شيء آخر”, وهنا نندهش أن عنوان الوردة كان مجرد صدفة , صدفة قادتها الدلالات والتأويلات الكثيرة للوردة حتى نكاد نصل أنه لا وردة , مجرد وردة خالصة , هنا تثبت اللغة قدرتها على الكتابة عن الموجود واللا موجود , وهل حقا أن القرون الوسطى صارت نسيا منسيا أم أنها باختفائها تلعب الدور الرئيس في حاضرنا؟! . أليست طفولتنا النبع الذي يغذي جداولنا ؟.

يحدد إيكو لماذا اختار القرون الوسطى ؛لدرايته الكبيرة بها, فعبر ثلاثين سنة سابقة للرواية راكم الكثير من المعارف عنها, حتى قال :” إنه يعرفها أكثر من حاضره الذي لا يعرفه إلا من خلال شاشة التلفاز” ثم يؤكد على تلك الفكر التي جالت في طفولته وشبابه وكيف أن الرواية واقعة كوسمولوجية , فبناء عالمها سابق على وجودها وهذا من ملامح السرد الذي يختلف فيه عن الشعر ” يجب بناء العالم , وستأتي الكلمات فيما بعد من تلقاء نفسها , فامتلاك الأشياء سابق على وجود الكلمات وهو عكس ما يحدث في الشعر حيث امتلاك الكلمات سابق على امتلاك الأشياء”. وهذا يقود إلى إكراهات السرد التي يجب على الكاتب التقيد بها , فاختيار القرون الوسطى يفترض العلم بأسلوبها وبلغتها ومعمارها المكاني والزمني ومن ثم يحتاج لقناع يتكلم من خلاله وهو ابن القرن العشرين ومن ثم سؤال من يتكلم؟؛ ليجعل نفسه وراء أربع حجب من الساردين ليصل للبراءة التي يعتقدها القارئ بأن ما حدث قد حدث أو يدخل باللعبة مستمتعا عارفا ؟!! وعليه يجب ضبط النفس السردي , فالكاتب الناجح هو الذي يضبط إيقاع سرده ,فيعرف متى يسرع ومتى يبطئ أو يتوقف ويقطع لينجز عالمه على امتن الأسس.

وكل هذا يقود إلى :من هو القارئ الذي يفكر فيه الكاتب ؟ فيدرس أسلوب جذب القارئ ويجرب افتراضاته ليصل للميتافيزيق البوليسيي, ليس كما هو متعارف عليها بل وفق أسلوب متاهة الجذمور وعبارة عن نبات متشابك وممتد بلا تعين , فلا المتاهة الكلاسية والمصطنعة قادرة على تلبية طموح المعرفة المبثوثة في الرواية من حيث أن متاهة الجذمور متاهة افتراضية قابلة للبناء المستمر لكن غير منتهية في حين المتاهات السابقة واستفساراتها تكاد تكون محدودة ومستغلقة في بنيتها.

وفي رده على أن روايته مابعد حداثية في ” ما بعد الحداثة ,السخرية والمحبب” يؤكد على أن ما بعد الحداثة الذي قاله” ليوطار” كمنهج عام يكاد لا يصلح؛ بحيث اعتبر مابعد الحداثة مقولة أدبية – كما يقول باث – تصدق على كل شيء ,فلكل شيء ما بعد حداثته , فلا بد من العودة للحبكة وإن كانت تحيل على حبكات أقل جودة وليس من العيب البحث عن الشعبي في الرواية والسخرية , فمقولة القارئ النموذج النخبوي لا تتعارض مع جمهور القراء الذي لا يبغون من الرواية إلا التسلية ما دامت الرواية لا تنفك تخلع مستغلاقاتها أمام القارئ المجتهد إلى ما لانهاية إن جاز القول.

وفي الفصل الثاني من الكتاب يكمل شبكته المقالية في سؤاله ” كيف أكتب ” معرجا على رواياته الأخريات من “بندول فوكو” و”جزيرة اليوم السابق” وغيرها . وسؤاله يدور عن كيفية تحضير جيش الكتابة الذي سيغزو به الصفحات البيضاء عبر بناء عالم روايته وحقنه بالحياة . وفي مقارنة بين ” اسم الوردة” وجزيرة اليوم السابق ” يقول : إنه رفض إدراج رسم السفينة في رواية ” جزيرة اليوم السابق” كما أدرج رسم الدير والسبب , أنه في ” رسم الوردة أراد للقارئ أن يعرف أين يمشي أما في الرواية الثانية أراده أن يتوه .

ويختم ب” سخرية التناص ومستويات القراءة” ومن جديد يلعب أمبرتو إيكو لعبته المفضلة العلامات , فكأن الفصل الأخير مستوى ثالث لقراءة ” حاشية على رسم الوردة ” و” كيف أكتب” شارحا أن سخرية التناص تكمن في إخراج المقروء من الدلالات الأربعة : الحرفي والأخلاقي والمجازي والتأويلي إلى فضاءات أخرى لا تقترحها المستويات السابقة وإن كان هذا لا يعني أنها ليست متضمنة فيها.

من خلال هذا الكتاب نلمح جانبا من حياة أمبرتو إيكو السردية نكتشف حياته بالكتابة وحياتها فيه.

آليات الكتابة السردية ل ” أمبرتو إيكو “ترجمة سعيد بنكراد الذي قدم للمكتبة العربية العديد من الترجمات في حقل السيمياء وكتب فيها أيضا صادرة عن دار الحوار اللاذقية 2009.

الثورة

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

ساعة ” فالصو”

ساعة مع سمير غانم نجم الكوميديا, هذا ما تتصوره للحظة ثم تكتشف أنك في ساعة كوابيس حقيقية مع “نواسة” المذيعين “سممميّر غانمم ” كما يلفظها ويرددها من ورائه جمهور الأستوديو المطيع .

 وسمير برنامجه من برامج” التوك شو” وتعريبها من أجل تمكين اللغة العربية ” طق الحنك” لدينا في بلاد الشام أمّا في بلاد الكنانة ” الناس الرغّاية ” وهذه “الرغّاية” من الرغوة التي ينتجها الصابون والتي تذكرنا بمسلسلات ” فقاعات الصابون ” ومن أمثالها ” دالاس” وماريا مارسيدس ” ومهند” وقريبا لدينا , عفوا , أصبحت موجودة ” ؟ ” وهذه العلامة الاستفهامية , هي سؤال للقارئين ؛ لذلك يرجى إرسال رسالة ” أس أم أس” على التلفونات التالية ….. وهدفها تضيع وقت المشاهدين دون تأنيب ضمير , طبعا لاحظتم الجناس البدعة الذي ليس بكامل ولا بناقص  بين ” تضيع ” وضمير ” ؟!.

وموضوع الساعة كان عن المذيعين. بدءا من مذيعات المسابقات التي يضيعن وقت المتصل وصولا ل داليا البحيري وفلمها الجديد ومشاورها الإذاعي ….. و ” توتا توتا خلصت الحتوتة” وكل ذلك محمول على حسه الفكاهي الذي لم يبق منه سوى التهريج والأصوات ” الغريبة ” التي يبدو أنها آخر ما بقي معه من مشواره الكوميدي .

وطوال الساعة لم يطبق فمه وتعامل حتى مع ضيفته داليا من ضمن ” الكومبارس ” الذين أستحضرهم” لسكتشاته”  وبالقوة استطاعت أن تنتزع لنفسها كلمتين تسند فيهما حضورها الذي ليس له لازم ولكن نجومنا العرب  ينافسون نجوم الليل والنهار, فهم نجوم كل وقت وليس من مانع لو طلعوا في جنازة حمار.

والغريب أن سمير غانم انتقد ولطش وعاب على هؤلاء المذيعين ما يفعلونه وطبعا نفخ ونفش ومدح نفس المذيعين السابقين والسبب في ذلك أن الحديث ذهب مع داليا عن الإشاعات المغرضة التي تريد النيل منها ومن علاقتها الإستراتيجية مع المذيعات اللبنانيات .

وأخير نسأل: ماالذي يقود هؤلاء؟, من عرفناهم بتاريخهم الفني الكبير!, لذلك التسطيح ومحاولة محو إرثهم الفني الغني بتلك السفاسف التي تمطرنا بها قنوات رأس المال على أيدهم؟!.

هل حقا هي الشهرة ؟ أم أن في نفس الشاشة أمراً آخر؟!.  

ساعة مع سمير غانم يبث سهرة الأربعاء على قناة ” أو تي في ” المصرية.

الثورة

باسم سليمان

 

 

 

النعجة دولي و ق ق ج

 

لاريب أنّ الفروقات بين الرواية والقصة لجهة الطول والقصر هامشية بمقابل الفروقات المتنية بينهما في حين أن الفروقات بين تجليات القصة تكاد تكون هامشية جملة وتفصيلا وتبقى المنافسة بينهم أي تجليات القصة الشكلية من حيث جودة القصة ولكن يبدو أن هناك نوع أسبق من غيره في تطبيق التطورات التي ينتجها العلم على نفسه وأقصد القصة القصيرة جدا أو ق ق ج وعندما أكتبها هكذا ,بهذا التقطيع الحروفي , يخيل لي أنني أمام منظمة سرية يرمز لها تابعوها بتلك الأحرف .

والوقوف عند ق ق ج يتأتى من القناعة الغريبة بسهولة ارتكابها كإبداع ؛ لذلك كانت أكثر أنواع القصص تعرضا للمهازل الإبداعية من قبل الكتاب وهكذا نرى أنّ ق ق ج لها الباع الطويل في تطبيق الاستنساخ , فكتابها يعيدون ذواتهم فيها  مجموعة تلو أخرى وبل يعيدون إنتاج من سبقهم , فتجد الفكرة مكررة الكثير من المرات سواء عند الكاتب ذاته أو نقلا عن غيره من الكتاب وهكذا لتصبح أمام ما يسمى في الشعر النظم تميزا له عن الشعر الحق , فسطر أو سطران وعنوان موارب أو مباشر وتكون جاهزة ومن ثم تعاد التجربة ليخرج الكاتب بمجموعة قصصية جديدة وتكر بعدها السبحة كأنك في حضرة فراريج المزارع لا تستطيع تميز واحدا عن الآخر على عكس ديكة القرية حيث الديك لوحة لوحده غير مكرورة.

وعندما تسأل كاتبها العظيم , يجيبك بكل فخر العارف بالجهات الأربع : إنه استقصاء كامل لكل الزوايا التي تحيط بالفكرة ويظن أنه قد سد مسد كل تساؤلاتك !!, وبالطبع يخفي غيرته من جواب الناقد عن الرواية : إن الروائي يكتب رواية واحدة في حياته؟!!, ويتمنى أن يأتي الزمان ليشهر تلك المقولة المتناصة مع مقولة الناقد ويقول: إن قاص ال ق ق ج يكتب قصة واحدة وياله من فخر؟!.

وقد يكون أخر أكثر تواضعا ويقول : إنها ” بروفة” في الكتابة وما أعول عليه القصة الطويلة التي هي جسري للعبور للرواية ومن ثم عندما يصبح  روائيا ,يتناسى تاريخه مع القصة ولا يسمح لمخاطبه إلا بمناداته بالروائي وكأن القصة مراهقة الكاتب التي عبرها بقليل من البثور في وجهه.

يخطر على بالي السؤال التالي : هل الجهد الكتابي الكبير في الرواية هو الذي حماها من هؤلاء الكتاب؟! أم عين النقد  بالمرصاد لمن يريد أن يدخل الجمل في سم الإبرة بتقطيع أوصاله ؟! ,في حين ترك لكاتب القصة وخاصة ق ق ج الحرية من باب لا تقطعوا أرزاق الكتاب الإبداعية .

تبدو القصة وخاصة ق ق ج مكانا للتسكع الإبداعي لكل من استشعر بقدرته على خط سطرين أو من يريد أن يمارس الكتابة في أوقات فراغه وهؤلاء نسوا أنّ ق ق ج هي من مقولة العرب في أن البلاغة والفصاحة – إن صح التناص والتناص له الأمر في ما يتناص فيه من حيث أن الكتابة كتابة على كتابة – في ما قلّ ودلّ لا ما سفّ وهزل .

القصة القصيرة جدا كقصيدة الهايكو تحتاج دربة طويلة وفنا في تنسيق الكلمات كزهور المزهرية لأن من يقطف الزهور عليه أن يعي أنها ذابلة بسرعة لذلك عليه الانتقاء الجيد للوقت الذي يقدمها فيه  لشخص ما وأن المزهرية أرض افتراضية لذلك يجب أن يسقيها بماء التخييل وقبل أن تذبل عليه تجفيفها بمجموعة قصصية كالغنمة السوداء لا كقطيع الغنم الأبيض الذي لا تمايز فيه ويشبه سابقه من قطعان الغنم البيضاء ولكن ليحذر إلا ينتج قطيع غنم أسود, ففي قوس قزح الكثير من الألوان وتدرجاتها وفي غير هذا يكون نتاجه كالنعجة  دولي .

تشرين

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

 

 

اللاوعي أرض الأسطورة الخصبة

 

لكل شعب أساطيره ولكل فرد أساطيره الخاصة ولا يستطيع أحد أن ينكر دور الأساطير في المندمجة في حيواتنا اليومية وفي مسيرة الحضارة البشرية في تظهير الجانب اللاواعي الجمعي للنفس البشرية من حيث أن الأسطورة هي رموز محكمة ثقافية في زمان ومكان معين من حياة البشرية تجد أرضها الخصبة في الرموز الناتجة عن “الصورنموذجبدئية “التي هي تمظهر نفسي للنماذج البدئية في النفس البشرية من حيث أن هذه النماذج البدئية ليست أسباب تحدد بقدر ما هي شروط تملك أثرا إيحائيا إيجابيا تدفع للعمل ولكن لا تحدد مسيرة العمل الذي يبقى جوهره في الخبرة الحياتية للفرد والمجتمع.

 والأسطورة تجد بنيتها في البطانة المكونة لها مثل المجتمع والثقافة والدين والفرد , فتصبح الأسطورة هي الصورة المحكمة ثقافيا لهذه البطانة وتلعب دورا تعويضيا بحيث تجعل الجوانب غير المدركة والمهملة في النفس البشرية المستبطنة في الفرد والمجتمع أكثر قدرة على التعبير عن ذاتها ونقلها من اللاوعي إلى الوعي المدرك ,فتلعب دورا تعويضيا يوازن الفرد والمجتمع في حياته النفسية, فتمثل الأسطورة لا يعني الاندماج فيها نهائيا بل قبول تأثيراتها واستيعابها كي تحقق الفائدة المرجوة منها .

و يونغ عالم النفس السويسري هو الأب الشرعي والمؤسس لعلم نفس اللاوعي الجمعي كما كان فرويد مؤسس التحليل النفسي ويونغ هو أحد تلامذة فرويد الذي شق لنفسه طريقا خاصا بعيدا عن أستاذه وامتاز بأنه  نظّر للأسطورة من خلال النموذج بدئي ولكن من خلال التجربة والخبرة وما تنتجه من ملاحظات ,فيونغ لا يملك فلسفة قائمة في ذاتها عن التحليل النفسي لللاوعي  الجمعي  بقدر ما يملك التجربة التي قادته لأطروحاته وهكذا كان يرد على معارضيه الذي يطلبون منه إثبات النموذج بدئي الذي يمتح من اللاوعي الجمعي : إن المشكلة لا تكمن في إثباته بقدر ملاحظة وجود أثاره بشكل جلي تلعب دورها الرئيس في حيواتنا.

يونغ وتلاميذه الذين اشتغلوا على مفهوم النموذج بدئي والذي ممكن القول عنه : إنه شكل نتوارثه- إن صح القول من حيث أننا نتوارثه- لا نتوارث مضمونه الذي يتعدد بكثرة الحالات البشرية و يجد وجوده في هذه النفس البشرية التي تطورت بهدوء عبر صيرورتها في تاريخها الذي تعيشه على هذا الكوكب وهو ينتج كما هائلا من تلك “الصورنموذجبدئية ” كالحب مثلا , فعندما نقع بالحب نبدو غير مدركين سبب وقوعنا فيه ولكن بالنظر للنموذج بدئي ” الإنيما والإنيموس” أي الأنوثة والذكورة التي تتكوكب, عندما ينوجد شخص مثيرا جنسيا والإثارة هنا لها جانبها البيولوجي والنفسي أي الإيحاء الذي يشترطه النموذج بدئي سواء بيولوجيا ونفسيا فيتمظهر في الحب الذي هو صورة النموذج البدئي المدرك من قبل الشخص المحب والذي يأخذ رموزا كصورة القلب ومن ثم أسطورة كروميو وجوليت وهنا تتجلى الأسطورة في دورها التعويضي حيث تغذي التجربة البشرية للمحب وتجعله أكثر إدراكا لها وبالطبع هي غنية بغنى التجارب البشرية اللامحدودة .

ويؤكد مؤلف الكتاب ستيفن .إف ووكر : إنه في بحثه هذا لم يعتمد على الكتب التي ألفها يونغ فقط بل يمتد إلى مراسلاته وأجوبته عن الأسئلة التي كانت تطرح عليه ونتاجات غيره من اليونغيين لكي يقدم للدارس ليونغ مفاتيح الدخول لعالم الأسطورة والنموذج بدئي , حيث أن يونغ عمل دوما على مراجعة مفاهيمه وتطويرها واستقصاء مجاهيلها , فكثيرا ما خلط يونغ واليونغيون بين النموذج بدئي وصورة النموذج بدئي بحيث لا تدرك الفرق إلا من السياق وهذا ما سبب إشكالات كثيرة لدارسيه لذلك عمل يونغ في سنواته الأخيرة على توضيح هذا المفهوم وفق الخبرات الجديدة والتجارب والملاحظات ولكنه تركه مفتوحا على الاحتمالات من حيث أن النموذج بدئي تقريبا هو شيء ميتافيزيقي لا نقع منه إلا على أثاره لكن هو موجود .

يونغ واليونغيون والأسطورة تأليف ستيفن . إف ووكر ترجمة جميل الضحاك صادر عن وزارة الثقافة الهيئة العامة السورية للكتاب لعام 2009 

مقالات 2010

الثورة

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

ال fm لا ذاكرة لها ولا عشق

 

بسردية كل منا , نحن, من ولدنا قبل تسونامي الصورة , من كانت لديهم الأذن تعشق قبل العين كثيرا من الأحيان .

 بسردية كل منا “راديو” نعرفه بالاسم و نستيقظ على أغانيه ونشرات أخباره وننام وصوت المذيع يهدهد أحلامنا ونعرفه بالاسم والسيرة لما لعبه من دور في تشكيل وعينا .

من ” هنا لندن” ومونتي كارلو ” إلى إذاعات  am  الوطنية ,والبيان رقم واحد , وصباح الخير أخي الفلاح, وحكم العدالة والكثير من البرامج التي حفرت بالسيرة الذاتية لكل منا .

 هذه الذاكرة التي لا نستطيع أن نتغاضى عنها ولا أن نجد بديلا لها مهما بحثنا بسبب الواقع الذي آل إليه البث الإذاعي ,فموجة am ضاعت ولا نجدها إلا لدى السائقين الذين يقودون سيارات تعود لما قبل موجة fm والكبيرين في العمر؟!.

 أما البقية والذين مازالوا يجدوا الوقت لتشغيل الراديو بزحمة ثورة الميديا ,فقد أخذتهم موجة fm الطاغية بكل ما تقدمه من لا ذاكرة؟!!! , نعم لا ذاكرة , فالتناسخ السلبي الذي يحكم هذه الإذاعات يجعلك لا تقصد إذاعة محددة بعينها , فالأغاني ذاتها تبث هنا وهناك  وبالطريقة نفسها والأخبار المقتضبة كذلك وبرامج الألعاب بسماجتها متوزعة بديمقراطية قل نظيرها , والحديث السطحي الذي يتنطح له بعض المذيعين , يجعلك تبلع ريقك مرات ومرات وتقول : في غياب الماء لابد من التيمم بالتراب وياريته كان ترابا بل غبارا يعكر أجواء السمع!! .

السمع في زمن الصورة صار من الإطلال والوقوف على الطلل الإذاعي لا يكلف الكثير للمستثمرين فيه مادامت العائدات الإعلانية تغطي وتزيد ولكن ألا يستحق هذا الطلل الترميم والانتباه لمهمته الأخرى كما كان سابقا ؟. قد تجد الابتسام جوابا للاستفسار الذي طرح ولكنه يستحق التوقف عنده والتفكير بإجابة مادامت الصورة لن تغطي جوانب الحياة كافة ؟!.

المشكلة تكمن أن الإذاعات مازالت تعمل بنفس العقلية التي كانت قبل سيطرة الصورة كما هي حال الجرائد التي صارت من الملحقات في حياتنا التي تغطيها الميديا والنت وخرجت من ذاكرة القارئ لاستمرارها بنفس النهج السائد حين كانت الصورة من الملحقات في حياتنا .

الصورة هي بنت اللحظة الوحيدة وغيرها غير معترف به ومن يفكر بأمساكها والتنافس معها كمن يلاحق السراب ؛ لذلك على الراديو أن يخلع جلبابه القديم ويستحدث مناطق جديدة لدى المتلقي لا تشبه كل ما درج عليه الراديو في تاريخه حتى يعود ويدخل سردية الذاكرة لمستمعيه وغير هذا الكلام لا يجعل الراديو إلا كمثل الذي يضطر أن يأكل طعاما محرما لكن للضرورة القاهرة , فلا عودة له , ومن يستثمر في هذه الضرورة القاهرة لا يطلب من الذاكرة أن تعيه.

قد يكون قاسيا أن نقول : إن الراديو اليوم لا رسالة إعلامية له بل إعلانية ,ومن يقول غير ذلك ,فليبحث في ذاكرة جيل ال fm .

الزمن روسمه التغير وبدلا من الحنين لذاكرة كانت علينا أن نصنع ذاكرة جديدة تختلف لكن بنفس الجودة والمضمون . يقول عزرا باوند : لا تستطيع أن تنتج قصيدة جميلة بنفس الآليات بعد عشرين سنة بل تحتاج آليات جديدة.

تشرين الأول مقالات 2020

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

مرايا الأنا ووحدة الذات 

في وقت لبكاء الأصابع

 

               

يقيم منير محمد خلف نصه الشعري في مجموعته ” وقت لبكاء الأصابع” على مقولة المرايا حيث يوزع أناه بين المخاطِب والمخاطَب وبين هاتين المرآتين وما تعكسانه من وجودهما تظهر انعكاسات جوهرية هي القصيدة كحامل لشعاع الشعر والأنثى كمحمول ليتم بعدها تبادل الخطاب بين هذه الانعكاسات الأربعة , فتمتزج الأصوات لتقيم كوجيتو : أعرف آخرك.

“.. في الطريق../”أنا ” القصيدة ذاتها/ تنأى قريبا في يدينا/ ثم تبعدنا إلينا” هذا القول يضبط البوح الشعري ويمأسس عليه اكتشاف الآخر/الوجود الذي فيه ” من لا (أناي) إلى(أناك)/ رجع الحنين إلى (هنا) وبقيت وحدي في(الهناك)/ماض على ظهري القصيدة/ حاملا إيقاع صمتك/وهو ينفض خافقيه على الهلاك” .

والوجود الذي يرومه :هو الوجود الشعري, كونه التألق الأبهى لذاته المغتربة , فيحدده بثلاث عتبات رئيسة ” الطور الأول: فراديس القصائد السبع” و” الطور الثاني: ما لا يحق لي” و”الطور الأخير: كامتحان العزلة ورثاء البديل”.

عبر هذه العتبات أو الإنولادات وما لحقها من تفصيل يوزع مراياه ليكثف فيها الضوء في بؤرة القول الشعري المتمظهر في إيقاع تفعيلي مدعوم بقافية تتناوب لتنجز آه الشاعر التي هي آخر مجاز البوح عبر كلمات تجد إرثها النفسي والدلالي في تلك الذات المتشهية للانعتاق وانجاز قصيدة تعيد الذات من اغترابها وذلك بتلك الجمل الهامسة والوجدانية لحد الغنائية التي تنطلق من الأنا نحو العالم وبالعكس مستحضرا جوا صوفيا وتناصات قرآنية وشخصية كشخصية النبي يوسف ومحنة الجب والشاعر محمود درويش في ” لماذا تركت الحصان وحيدا ” وكأن الشاعر يقاطع بين خطه وخط محمود درويش في قصيدة ” إني رأيت” ومن ثم الخط الرئيس الذي هو :يوسف ليصل  لتتطابق النتيجة ,فيوسف عاد بالملك العظيم  بعد غربته ومحمود أقام وطنه في اللغة الشعرية الإنسانية العالمية التي لا تزول ؛كجواب على ” لماذا تركت الحصان وحيدا” والشاعر يتطلع لتطابق النتيجة , فيكتشف عبر غربته آخره الكامل فيه, فيلتقي الصوت والصدى والشعر والقصيدة والقلب والحبيبة ومن ثم الأنا والأنا , فتختفي المرايا والانعكاسات ولا يبقى إلا الضوء المستغرق في ضيائه.

” الآن وقتك/ كي تعيد لي حياتك أو حياتي/ أو تكوني قرب صوتي/ تاج نور/ أو غزالا من يقين / يستفز جموح قلبي/ ولتصيري برد ناري/ وابتهال الأتقياء/ وحفنة الرؤيا/ قميصا من ذكاء الروح/ يهمي فوق إكليل الحياة/ ليستعيد تراث يعقوب القديم / وشهد حزن أخضر النظرات/ خالصة لسر ضائع/ كي تمطر الأقمار/ فوق جبين قلبي/ وامتدادات الخراب”.

منير محمد خلف في صيرورته الشعرية في هذا الديوان جاءت الكلمات لديه والجمل الشعرية في الأعم الأغلب ضمن ما قرّت عليه ,فلم تشف دلالاته عن ظلال مباغته للتلقي , فظلت تسبح في مألوفها وما أنجزته أفقيا ولكنها رغم ذلك غنية بالشحنة العاطفية والحميمية كأنها أصابع تضم يد المتلقي ,فجبرت ما أشرنا إليه.

 كذلك التناصات التي أقامها ,فبقيت في أفق التناص الرئيس تمتح من مائه ولا تزيده إلا بشارب جديد ,فلا تلك المياه تبخرت ومن ثم تكاثفت, فأمطرت, فتفجرت بينابيع  جديدة؛ لكن لا نستطيع إلا أن نقول : إنه حافظ على مائها بالعذوبة ذاتها وكأنها لتوها قد تدفقت من فم النبع.

“وقت لبكاء الأصابع” للشاعر منير محمد خلف صادر عن منشورات اتحاد الكتاب العرب لعام 2009

باسم سليمان

الثورة

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

 

حرباء الكتابة الإنسانية

 

تطرح القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا والقصة الومضة ومهما تتالت المصطلحات التي تلهث وراء هذا الجنس الأدبي النافر بطبعه , قضية خصائصها الحربائية التي تكاد تتنكر لذاتها بين قصة وأخرى , فما أن تضبطها في تقعيد ما حتى تثور عليه وتهدمه وتسخر منه وتتهكم عليه معتمدة على قدرتها على الاستفادة من كل جنس خطه القلم مع طموح لمقارعة الشعر والرواية والمقالة , كأنها ثعلب الغابة الذي يعيش بمعية مكره , فتارة يكون أسدا وتارة سلحفاة.

فيها تتم الخطة الحكائية على ردة الفعل , اللقطة السريعة لكاميرا القص , لتتأمل بعدها التداعيات الناتجة بسببها والتي تدخل في نسيج كلام القارئ الذي يخضع حكما لحلميتها,لحظة قراءتها لتضيع بعدها تفاصيل الحلم ليندهش ويقول: لقد حدث ذلك معي مسبقا أو بمعنى أخر لقد قراءة قصة قصيرة تتنبأ بما يحدث ؟!.

هذا الغياب أو التسلل من ذاكرة القارئ هو ما يميز هذا الجنس الأدبي السابق الذكر , غياب مقصود للحضور في اليومي والمُعاش , فالقصة (….) لا تستهويها رفوف المكتبة ولا الإشارة لها كمرجع في موضع ما , فهي تعي ضآلة حجمها وصغر حيز المناورة لذلك تلجأ لهذا التسلل وتسجل هدفا من خلال حديث القارئ وذلك عن طريق السخرية والتهكم لتصل لدرجة المثل الذي يسد مسد تجاذبات الحوار , فيكون كالحكم الفاصل , فلا كلام بعده .

قلنا السخرية والسخرية أسلوب للدفاع  يعتمده الإنسان للتقليل من حجم ما يواجهه أو للتخفيف من ثقل ما يحمله وحين تعتمد القصة (…..) هذا النهج تستطيع به أن تعيد ترتيب أوراق المواجهة الآنية مع الحياة وصعوباتها وكأنها تبث بالقارئ أملا , فيتجاوز الصعوبة ولكن يكون ذلك, لا عبر الفصل بينها وبينه بحيث يرجع لها في كتاب بل بالاندماج معه؛ لذلك نستطيع أن نقول وكل من يقرأ القصة القصيرة :هذا النسيان لها ككتابة في كتاب وظهورها باليومي المُعاش من صفات الغياب والتسلل الذي يتلبسها في ذاكرة القارئ وحضورها الشفاف في فكره وحديثه .

قلنا تهكم والتهكم درجة يتجاوز فيها الشخص السخرية كأسلوب دفاع إلى الهجوم وليس هنا الهجوم لرد الهجوم المقابل بل للتغير , فالتهكم يريد تدمير القار من الأفكار والأشياء ومن ثم البناء عليها من جديد , فهو أسلوب ثوري يطمح لتغير العالم بصيغة أكثر جمالا وحرية .

وهنا القصة (….) تعمد لكسر السرد والدخول به بلا تنبيه وتعمل على دمج قمة التصاعد الحكائي في لحظة النهاية عبر إيقاف القارئ على جرف لحظة دخوله في القراءة , بتسديد الضربة القاضية لكل ما تقين من صحته بخنوعه له عبر العادة , فيختل توازنه ويسقط لكن سقوطه نحو الأعلى ويأتي واقفا على قدميه ويمشي؟!!!! , فالأمر كالسقطات التي يعاني منها الطفل قبل خطواته الأولى ولكن بعد أن يخطو ينسى تلك السقطات كالقصص التي تنسى لكن تدخل في التجربة الحياتية لقارئها.  

الغياب والتسلل في الحضور إلى المتن الفكري والحياتي للقارئ من أهم صفات القصة – ضع ما تريد من الصفات هنا- وغيابها وحضورها يتجلى بأهم الصفات البشرية التي ساعدت الإنسان في الخروج من الاستكانة للعادة وهما السخرية والتهكم وكل قصة( ….) لا تحتوي بعضا منهما ينقصها الكثير لتكون في هذا الجنس الأدبي .

وبناء على طبعها الحربائي يغدو الكلام السابق ضبطا آنيا لها لا بد لها من جبه بأسرع وقت وإلا لن تكون تلك القصة , ضع ما شئت من المصطلحات لها.

جريدة تشرين

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

الأنوثة فرادة مستبعدة بكثرة المرأة

 

في حدثها الشعري الجديد تواجه سوزان  ابراهيم كثرتها غير المتعينة, تريد خلاصا يقيم فرادتها ويدحض نمطية  تجد جذرها في اللاوعي الجمعي؛ حيث المرأة أخذت من امرؤ ولم تؤخذ من أنثى , فالمرأة صيغة لمجتمع ذكوري لا يرى بالنساء سوى القوامة عليهن ,فتصبح الأنثى باللغة, امرأة , زائدة تصرفية ,لا كما هي في الطبيعة  اندماج بلا ذوبان , قائمة بذاتها كما الذكورة, أي أن تكون المرأة الأنثى لا المرأة وفق تقسيما لغوي ومجتمعي ” كثيرة أنت/ نساء في امرأة/ فمن أسجن , ومن أنفي؟/ من أكره منهن , ومن أحب/ كوني كما ينبغي / امرأة أقل” .

اشتغلت سوزان على التناص مع المحاميل الفكرية القارة للمجتمع لتفكيكها في ذهن المتلقي , وذلك عبر حقن الدلالة الثابتة  بالمعرفة المتغيرة كأنزيم لتشكيل مضادات طبيعية تعيد تخليق الفهم الصحيح لدور الذكر والأنثى بالمجتمع, فقولها: “امرأة أقل ” يعني :إن المرأة أنثى قبل أن تكون امرأة , فنسيان هذه الأنوثة لدورها هو ما جعل ذكورية الرجل تتضخم بشكل مرضي ليحول الأنثى لمرأة مدجنة بحجة المجتمع وهذا التضخم أفقد الرجل ذكوريته الحقة التي لم يبق منها سوى فحولة متسترة باسم الرجولة.

سوزان تختار الجملة الأولى من هذا المقطع كعتبة نصية تسم الديوان كله وعلى هداه يتم اللعب الشعري لتفكيك الكثرة النمطية التي تحكم الأنثى عبر الاشتغال على التناص الفكري الذي يسود في المجتمع للتهكم منه وبناء فكرا لا يستند على المقابلة بل على الخصوصية التي هي كون بذاته ” امرأة أنا يا أمي/ أعرف أسرار الجدات/ وسراديب شهرزاد/ وكل تمائمك المرصعة بألف نعم/ امرأة أنا يا أمي/ صندوق عرسك لا يلزمني/ أكره أساوركن /قلائدكن / خواتمكن/ وكل ما يشتهي الإحاطة بي” وهنا في خطابها للأم / المرأة بالمطلق , تعلن معرفتها الكاملة بعالم المرأة وترفضه؛لذلك هي وحيدة لكن غنية وحرة ” وحيدة/ ولي ما ليس لهن/ شمس تنضج صحوي برفق/…../ لي : متعة التمدد والتكاسل/ وثير الصمت/ ترف الأفق/ مفاتيح الأبواب, والوقت, والطرقات” وعلاقتها بالرجل صحية ” لي مفكرة لا تحظى بخفر السواحل/ لا أخفي أسماء الرجال/ ورسائلهم , وأرقام هواتفهم / في جيوب ثياب مهملة” هذه هي الأنثى التي لها ما ليس للمرأة.

والتهكم لديها يأخذ مداه في وجه المجتمع والرجل الكائن فيه لتنتج الرجل المشتهى “غرفتك .. فيها الجسد سرير/ غرفتي .. فيها الجسد أرجوحة تحلق/ تبحث عن جارية بصك حصري/ أبحث عن خالق/ تحتاجني أرضا .. أحتاجك السماء ” فحاجة الرجل لها حتى وإن كانت أرضا جاءت منكرة في حين جاءت حاجتها له معرفة , وتتابع ,فهكذا رجل لا بد أن يتم تعريته لتحريره من استلابه, فهو سيد القبيلة “ستبقى بكارتها / عمود قبيلته” فهذا الشرف الذي صار من الممكن استيراده من الصين لأنه مرهون لقراءة خاطئة للمعرفة “ستبقى حقيقته رهنا/ بقراءة تفاحها” وبعد هذا, من هو الرجل المشتهى ؟. الرجل العارف كما أنكيدو” لم يكن بحوزته أوراق ثبوتية/ لم أعرف مكانا أو تاريخ الولادة/ قلت : خرجت إليكَ/ فالعباد لما يفقوا بعد/ قال: عودي إليك/ قلت : لم تحسب على الوقت كما يحسب/ للحمقى والسكارى والمستبدين/ لم يكون يومي مثل يومهم أربعا وعشرين ساعة؟/ قال : كوني, ولا تصبحي/ لا تخرجي منكِ- مني/ أطفئي الذاكرة تستنيري/ فاللاذهاب وصول”.

شعرية تخرج باليومي للزمني وبالتفصيلي الزائل إلى صيرورة الحياة  , عبر تدوير الدلالة ومقاربتها بعدة مقاطع شعرية تحت مظلة العنوان وكأن القصيدة لديها مكعب تظهر الخفي منه بالظاهر وتخفي الظاهر منه بالخفي , فيأتي مقطعها الشعري كاملا لكنه يمد جسور الصلة بينه وبين الوجوه الأخرى للمقاطع على محمل جملة شعرية سريعة ومقتضبة وكلمات منتقاة بعناية تدخل دلالة الكلمة في مدار المقطع الشعري وبذلك تحكم تأويلها بشفق المقطع المحدد بأفق القصيدة /الفكرة, فشعرية المقول لديها جاءت أهم من شعرية القول ولكنهما تشابكتا لتقديم قصيدة جميلة.

“كثيرة أنت” مجموعة شعرية ل سوزان ابراهيم صادرة عن دار التكوين دمشق 2010

أبواب / تشرين

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

 

 

 

دهشة الأنا بداية الشعر

تأتي الخطوات الأولى مدهشة بما تحمله من وعود. مثل انتقال المعنى من سياقه التاريخي في الجملة الشعرية إلى بحار من الدلالات في مستقبل القول والقراءة.

في إصداره الأول الموسوم ب” على قدر جناحيك” , يدخل فراس أحمد عالمه الشعري محمولا على لغة شفيفة هادئة النبرة كجدول طموحه النهر؛ لكنه في انسياب لغته يمعن النظر في جنبيه ما بين الهنا والهناك ,فترى في انعكاسات مياهه نهرا يكاد يضم ضفتيه في سريره معلنا شهوة عارمة على القول بعاطفة تندى لها الكلمات ” لأن الحزن / أطول منه/ اختار شجر الحور الجداول” , وإفصاح عن مدى يتلمس به هواء الشعر ليعصف بوريقاته البيضاء” هل كان يعلم / أنّ الريح عاتية في الأعالي/ فاختار أن يكون طويلا / عند أقدام الجبال” من قصيدة شجر الحور.

 قصيدة فراس قصيدة بالمجمل انطباعية , لكن هذه الانطباعية ليست سلبية, فالقول لديه يأخذ مدى أبعد في ترجمة اللحظة الشعرية ,فهو يؤنسن الطبيعة ومن ثم تطبعه الطبيعة بعناصرها وهذه التبادل الذي ظهر عبر الصور الذي بنى عليها قصيدته أعطها مسحة رومنسية حالمة تخدم إرهاصاته الشعرية الذي يدور أكثرها في ثيمة الحب وتجلياته والأنا التي تفتقد هذا الحب وتبحث عنه عبر تأسيسه في محيطها.

وقد قلنا بداية انطباعية ولكنها انطباعية عبر ذاتية محكومة بذات الشاعر وتأثير الموضوع الذي يشتغل عليه ,فهي لم تخرج إلى جديد كبير عبر تفكيك الدال ومن بعده المدلول لتنجز علاقات جديدة في الأنا وبين الأشياء “تدرك الشمس/ على فجر من أيلول/ القمر../ يتقابلان على صفحة واحدة/ هي الكاملة الغنج/ محمولة على كتف/ وهاد مشتعلة/ هو المخمور بكماله / وفضته التي امتصها البحر/ وأنت تولد / بصرختك الأولى / تثقب نجمتك”.

أنا الشاعر الذي يعليها لتعصف بها ريح السؤال وليحرقها قيظ الجواب , مبثوثة في ثنايا الديوان كحرف ابتداء وانتهاء وفي نونها تمور الحياة , الحياة التي تضج بضمائرها وتُسائل الشاعر, فيرد بالقصائد كطاولة عشاء سري تقال على وقع تقسيم خبزها وسكب نبيذها , فماذا يقال؟!:” أنا المجاز – يقول الواقع – الكآبة مسيل سطوتي/ والخواء صوتي/ وأنا انشقاق الوالدين/ والأصدقاء/ والنخر بين أخوين/ الفقر مئذنتي ونافذتي / على الأشياء/ انفتحت كل الفضاءات لصرختي : لا تفكر/ القتل انبجاس الشهوة/ أنا المجاز واقعكم المصطفى منكم”.

في مجازه , خطوته الأولى , يجرب فراس أحمد كلماته وجمله وصوره في ميدان الشعر, يدفعها لتتطهره من سياقات بالية , يصفي حسابه مع عنوان مجموعته” على قدر جناحيك” و يخلع ريشا بهت لونه ويرتدي حبر الدهشة واعدا بالكثير من الملح .

يقول حيدر حيدر في تقديمه للمجموعة:” هل يكفي أن أقول بعد قراءة قصائد فراس, أعني تكويناته ورسومه , أن الشعر يطوف داخل نسغ شجرته الأولى في بداية اخضرارها ؟ وأن علينا نحن قراؤه انتظار إيناع الثمر” .

“على قدر جناحيك “مجموعة شعرية صاردة عن دار كنعان 2009 ل فراس أحمد               

الثورة

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

Google   يعادي العرب

هذا ما خلصت له دراسة رأت : إن اللواحق البحثية التي يقدمها google تتضمن سخرية وتقليل من شأن العرب ووصمهم بالتخلف والإرهاب والرائحة النتنة وفي إطار هذا الكلام استجابت google وقالت : إنها تعمل بشكل دائم على حذف هذه الروابط وتنقية المعلومات التي تخص العرب على محرك بحثها الذي شغل العرب بعد المتنبي.

وظهرت ما يشبه الدعوة لمقاطعة محرك البحث السابق ذكره وقد تمظهرت قبل هذه الدراسة حركات أنشأت محركات من صفتها ” الحلال” كما وصفها القائمون عليها , لا يمر منها الذباب الأزرق لتحمي الجيل العربي الناشئ من مخاطر الغول google لكن أين أقيمت ؟ , وبكل بساطة على المخدمات التي يتجذر بها هذا المحرك البحثي  والأدهى لكي تصل لمحركات البحث الحلال عليك أن تمر ببحث google وبالتالي يصبح الوضع كمن يقول : إن الطعام المبرد حلال ولكن الثلاجة حرام ؟!! . ومن ثم أن الروابط المسيئة للعرب جلها بالعربي وليس ذلك موازنة مع اللواحق باللغات الأجنبية بل لأن العربي قليلا ما يعرف لغة ثانية وإذا كان الأمر كذلك ولنكن حسني النية ؟!, من هو المسؤول عن وجود هكذا روابط ؟!, طبعا وفق نظرية المؤامرة التي أصبحنا فيها سعداء أكثر من مبدعيها , يكون الجواب هم وليس نحن؟!.

 وعليه ألا يدفع هكذا وضع إلى القول : بإن الفصام النفسي حالة مستشرية لدى العرب . رغم شدة هذا الكلام لن نستغرب أن تظهر دراسة تؤكد أن العلم يعادي العرب كونهم لا يتنجونه ؟!.

والمثل بالمثل يُذكر , ففي بحثي عن الشاعر رامبو على google وطبعا باللغة العربية؟!, وحصرا عن صورة له وبعد كبسة ” الكليك ” ظهرت لي صور رامبو ولكن أي رامبو أنه الجندي المعروف الذي صرح بكرهه للعرب على فم الممثل  سلفستر ستالوني كما أظهر لي محرك البحث في لغة عربية واضحة ويبقى القول على ذمة المترجم وبعد عدة صفحات وهي تأتي لا حقا للصور الأكثر زيارة , ظهرت صورة رامبو الشاعر وهنا ليس غريبا أن يعتقد أن رامبو عدن هو رامبو ” الأم سكستين” .

وبعد هذا ,ألا يصبح السؤال التالي مشروعا جدا, من هو المسؤول عن تشويه صورة العرب على النت , هل محرك البحث الحيادي الذي يستوعب كل ما تلقمه ,هو الجاني أم ….؟؟؟؟!.

وفي معرض الحديث عن google لا بد من ذكر بعض الفضائل الهامشية له وخاصة تأمينه لمساحات حرة للتدوين المجاني وإظهار الجانب الخفي من الصوت العربي الذي قيدته الرقابة العربية التي تشبه هارون الرشيد في قولها: أسفحوا حبركم, فكل كتابة مرجعها لي .

لاريب أن المحتوى الرقمي على النت هو مسؤوليتنا نحن ونحن فقط وعلينا أن نفكر جليا أن مدونة الحضارة البشرية الحالية تكمن في هذا العالم الافتراضي وقبل أن نتهمها بالشيطنة علينا أن نعرف: إن من يطلب من الشيطان أن يكون ملاكا لا بد أنه قد فقد الكثير من العقل والعقل هو أساس المعرفة ولا يجب الجهل إلا بالمعرفة , فلنحمل حضارتنا وأخلاقنا على عيس النت ولنشغل فيها حيزا حقيقيا وساعتها لنطالب الآخرين باحترامنا أما حينما نترك لهم رفع ما يريدون عنا كما كان الإدعاء في بداية المقال, فلا نلم غير أنفسنا.

تشرين

باسم سليمان

Bassem- sso@windowslive.com

 

 

القصة هامش يحيط بالمتن 

 

 

القصة القصيرة وما تبعها من “جدا” ومن “ومضة “هي غواية هامشية ولكنها تتجاذب المحور مع غيرها من المتون الأدبية بقوة وهذا موطن قوتها كالقناص الذي يكون بعيدا عن رحى المعركة لكنه هو من يصيب ويكسر عمود المعركة الذي تدور عليه الرحى .

علي الراعي في مواويله يؤسس لمقولته القصصية عبر” ما يشبه الدخول”: لو أن الشجرة التي نام تحتها نيوتن غير شجرة التفاح . ولو كانت الثمرة التي سقطت غير التفاحة . هل كان عرف سر الجاذبية؟! “.

 سنتساءل بنوع من المكر . أرتبط الهبوط بالتفاح والهبوط انجذاب نحو, وفي عالمنا إلى الأسفل , والجاذبية هي الجاذبية الأرضية , والتفاحة معرفة مضمرة والجاذبية معرفة معلنة وعليه ألا تأتي  الإجابة الإنسانية على قصة علي الراعي على شكل النفي المضمر بالإيجاب , لأن كل الثمار تتساقط وبل حال كل من على هذه الأرض , لكن القصة كما قلنا سابقا تحيلنا إلي سياق الحياة التي هي أسئلة وأجوبة, لا تقول ولا تصمت ؛لتترك الباب مواربا لدخول خيط الضوء في نسيج العادة, فيحركه .

قصص علي الراعي تأخذ المنحى السابق في المعالجة عبر ثلاث عتبات مشتقة من العتبة الرئيس وهم :” مواويل الحب”,” مواويل الحياة “, ومواويل بعيدة ” ويضعهم بين قوسين ” ما يشبه الدخول” وما يشبه الخروج” ليضبط جدلية السؤال والجواب في القصص المنداحة بين دفتي المجموعة.

في قصة” تأمل” من عتبة مواويل الحب  وهي “: بحب تأملها طويلا و… همس لها : في حبك أنا ممتن لأثنين : الله والشيطان..!!. تسأله : تجمع الأثنين معا؟.يجيبها : الله لأنه جمعني بكِ, والشيطان لأنه يصرّ أن يظل ثالثنا..!!.” من جديد يغوي القارئ ويزرع به علامات الاستفهام والتعجب للممارسة الجاذبية المعرفية.

يعتمد علي السخرية المبطنة ليفخخ العادة , عبر جمل سريعة مقتضبة عارية إلا من تأبير السؤال في الجواب والعكس أيضا؛ لتثمر معرفة التفاح .

في مواويل الحياة يزيد من جرعة السخرية لتصل لحد التهكم , ففي قصة ” منزل”: فكر.. وهو الرومانسي والشاعري جدا, بشكل منزله الذي سيبنيه على أرضه الجميلة.. قال :” سأبني أولا ” قبوا” للحيوانات , وأقيم فوقه منزلي الجميل.. أنشأ قبوا, وأقام فيه حتى مات” , فالتهكم هو الأسلوب الأنجع للهدم البناء عبر إشاعة الفوضى في روسم الثبات .

هكذا يجدد الهامش المنسي نفسه عبر إعادة قولها بالقصة والاستفادة من إمكانياتها للدخول في قلب المتن الحياتي والهويات القارة لبث بركان الحياة فيها كي تظل  تتقلب في شهوة المعرفة ؛لذلك يختم الراعي في ” ما يشبه الخروج  ” في غيابك تمدد أيلول على كامل مساحة الوقت, لا تتركيني انتظر طويلا الربيع المخبأ في جيوبك” فعبر الورق الساقط في الخريف يصعد الورق الأخضر عبر النسغ إلى الأغصان, فالهبوط بالمعرفة يؤدي للصعود بها هكذا نفهم الإجابة المضمرة في ” ما يشبه الدخول”  وعلى مستوى الكون لا فوق ولا تحت , فالهبوط والصعود قضية إجرائية كما السؤال والجواب, فالمعرفة أكثر منهما بكثير .

في كل مجموعة قصصية جديدة تطرح في الساحة الأدبية ؛ يخرج فطر السؤال : ماالذي في جعبة القصة ؟, وماذا يمكن لها أن تقول ؟.وخاصة أن الرواية هذا الديكتاتور لا يوفر سمتا واحدا إلا ويطرقه ويجاريها في ذلك الشعر ويخيل للمتلقي ولكاتبها ,أي القصة ,أنه يشتري سمكا في بحر. وكما خرج فطر السؤال السابق يعتلي الجواب المباغت فطر السؤال : إن الحياة مجموعة من القصاصات قبل دخولها النسق الذي يصنع الهوية , فإذا كانت الرواية تقدم هوية كاملة والشعر كذلك , فيكون ملعب القصة اللحظة السابقة لتشكل الهوية وهي أشبه بمرحلة الطفولة , حيث الحياة أسئلة وأجوبة لا تقول ولا تصمت بل تتحرك , فالقصة هي الحركة التي تجهز للمسير ولكن لابد من القول كم تكثر الخطوات المتعثرة التي تدعي الرشاقة؟!.

“كمواويل ” مجموعة قصصية ل علي الراعي صادرة عن دار بعل 2010

باسم سليمان

الثورة

bassem- sso@windowslive.com

 

 

هل هو صاحب رسالة؟

 

” إعداد وتقديم” للحقيقة , هذه الجملة كبيرة وذات مضمون . كبيرة من حيث أنك تعد ما استطعت من عدة وذات مضمون لأن المعد المقدم, هو الواعي لأبعاد ما أعده ,المباشرة وغير المباشرة وبذلك تراه يناور ويحايل ويتدبر المسألة المطروحة عاموديا وأفقيا حتى تسلسل بين يديه ويستخلص المقولة منها كالشعرة من العجين.

” نحن هنا” من قناة otv المصرية إعداد وتقديم إبراهيم عيسى , يدير برنامجه المؤلف معظمه من كلامه وبعض التقارير الخاطفة لكن المشغولة بدقة العارف لما يلتقط وبعض رسائل المشاهدين الذين يتقمصون بجدارة شخصية المعد والمقدم, فتأتي رتوشهم كاملة ومكملة لعمل المقدم وذلك كله ضمن أستوديو بسيط ,طاولة وبعض الأوراق وقلم رصاص وكوب يحمل شعار البرنامج وفي الخلفية تقوم رموز الشعب المصري .

برنامج عماده الكلام ولكن أي كلام , أنه كلام المصرين فيما بينهم حيث لا كاميرا تسرق صدقهم ولا رقابة تحذف وتمنتج ومع شخصياتهم الحاضرة في شخص المقدم إبراهيم عيسى الذي يتمتع بمواهب تمثيلية وخطابية, تكاد تقول أن الكلام الجاري على لسان المقدم هو حال الناس , فلا كلام تخصصي لدرجة متخشبة ولا مسف بل ملعوب ليستنطق داخل المشاهد ويجعله يدرك ماله وما عليه .

البرنامج يتناول اليومي ولكن المغموس في الزمني يخرج من الرؤية إلي الرؤيا يجمع العام والخاص على طاولة العائلة وكأن أفرادها هم من يتحاورون ويتناولون المشاريع الموضوعة على طاولة الحكومة والقوانين التي يناقشها البرلمان والتي يجب تعديلها وكل ذلك بلغة عارفة لمقدم يستقصي زوايا موضوعه يقدمها بما لها وبما عليها مدركا أن الملل والرتابة ستقتل الرسالة , فيطعمها بالنكت والسخرية والتهكم ممسكا العصا من الوسط ,فلا ضر ولا ضرار بل توصيل الهم لمن يجب أن يصل إليه. 

يجعلنا إبراهيم عيسى في برنامجه أن نضعه في مقارنة مع غيره من البرامج , فلا محاورين تتعالى أصواتهم ويضيع بينهم الحوار ويجتزئ بسبب ما يتم توصيله للضيف من خطوط حمراء قبل التصوير ولا وقت ضائع في ضبط محاور الكلام, ففيه كل كلمة محسوبة وكأنه شريط لا يتوانى عن تقديم ما سجل عليه وكل ذلك يرفد بثقافة واسعة تظهر من عمليات الربط التي يقولها المقدم وبذلك يغطي مساحة المسألة التي يطرحها بجودة قلّ نظيرها .

وعند التفكير بهكذا برنامج نفهم الخطورة التي يعانيها المقدم ,فكيف له على طول الحلقات المتتالية أن يستمر بجاذبيته , تأتي الإجابة من اليومي من معايشة حياة الناس لحظة بلحظة ومن استباق تداعيات الحدث والنبش في جذوره والأهم من ذلك ,تبني المقدم لرسالة برنامجه وإيمانه بما يفعله وقدرته على تجاوز الخطوط الحمراء برشاقة .

” نحن هنا ” إعداد وتقديم إبراهيم عيسى وكما يقول : نحن هنا أو هناك.

الثورة

باسم سليمان

 

 

 

ألف خاين ياخديجة ولا مدبلج 

 

كل ترجمة خيانة وهي من أجمل الخيانات وخاصة إذا كان المترجم عميلا مزدوجا ولكنها مهما بلغت من العبقرية يبقى الاستحضار  الجمالي لروح النص غير مكتمل , فماذا عن الدبلجة ولها من صفات الترجمة بعض الشبه ؟.

لا ريب أن مبررات الدبلجة قائمة وخاصة في تقريب برنامج ما لمتلقين لا يجدون قراءة الترجمة أو القدرة على متابعتها أما ما يتم تزينه في ذهنية المتلقي من أن الدبلجة تقدم له وجبة ميديوية وفق شروطه الاجتماعية وقد يزيد أحدهم على ذلك :إنها من أجل تمكين اللغة العربية؟!, فهذا فيه نظر ؟!.

ولا ضرورة للمماحكة في تفنيد مبررات الدبلجة التي يتشدق بها رأس المال ولكن نحتاج لمقاربة فنية للبرامج المدبلجة ونحن نعلم أن الممثل هو صوت وصورة وإحساس وروح وكل واحد من هذه المميزات يندمج في كلية المميزات الأخرى وحتى لو غابت أحداها , فللعلم السابق بشخص الممثل يستكمل الغياب وطبعا هنا الغياب لضرورات فنية , فماذا لو كان الغياب لغيرها من الضرورات ؟, هل يستكمل الغياب؟ .

يبدو أنه يستكمل من وجهة نظر السوق وأيضا من قطيع المتلقين الذين يتوقون لحلم يقظة يعيشونه بلغتهم , فيكتمل لديهم التأثير وينعمون بكسلهم كاملا غير منقوص , فلا حاجة لإشغال العقل بقراءة الترجمة أو تنمية مهاراتهم في تعلم لغة جديدة بل المجد كل المجد للصورة ذات البعدين ولتسقط بعض شروط الناحية الفنية , فما الداعي لكل هذه المؤثرات الصوتية من موسيقا و وكواليس الصوت المرافقة وصوت الممثل وإحساسه وانفعالاته التي يسكبها في صوته لتكتمل الشخصية المؤداة!!, ولربما نستطيع طرح السؤال التالي على المنتجين الأصلين للبرنامج ما جدوى صرف هذه المبالغ الطائلة على ما ذكرنا , ما دام لديكم البديل الرخيص , لتكن لديكم دبلجة ابتدائية ؟!!!.

إن ما تقدمه الدبلجة على الفضائيات العربية هو أشبه بتدوير النفايات, لا لتخليص الطبيعة منها أو استخلاص دسمها للآخر بل تشبه من يطلب تصنيع سلعا لا تطرح في مكان صنعها لسوئها ومن ثم يستوردها بحجة رخصها وقدرة أصحاب التلقي المحدود على شرائها, فيترتب على ذلك: تدمير الذائقة الفنية وبخس قيمة تلك البرامج إن كان لها قيمة وإعمال مقص الرقيب فيها وحرمان المشاهد من الانفتاح على الآخر والأهم تكريس الأمية بين المشاهدين طبعا أمية التلقي؟! , فيوطدون بذلك استمرار رواج سلعهم المدبلجة وكل ذلك من أجل حفنة من الدولارات.

البرامج الأجنبية حد تدرأ بالترجمة لا بالدبلجة ومن يقبل الدبلجة فلا يستغرب أن يتم يوما دبلجته ,فلا قياس شبه على أصل بل فرع على أصل والفرع هنا هو الترجمة.

الثورة

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

 

 

اعتدال رافع في سفر كلمتها

 

في كتابها الجديد ” كلمات مسافرة” وصداه ” كتابات بلا عناوين” كظل للعتبة الرئيس, تؤكد اعتدال رافع قصديتها في اختيار بوحها كفعل إنساني غير مقنن, فهي تغفل الجنس الكتابي لكتابها , مرسخة ذلك ,بغياب العناوين عن كل المقاطع التي ضمها الكتاب ,مكتفية برقم تسلسلي لا يفصل ولا يقطع السابق عن اللاحق ولكنه يضبط إيقاع النفس البوحي والاستراحات المضمرة في زمن تقليب الصفحات .

وباعتمادها مفردة السفر دون حرفي الجر ” من وإلى” اللذين يحددان الوجهة سواء الزمانية أو المكانية تكون قد عولت على المسافر كونه أصل السفر و الكلمة هي الطريق وهي الطارق أما المستمع فهو الزمان؛ لكي تفتح باب قولها على العلاقات الإنسانية كاملة من حب وأسرة ولقاء وغياب ووطن ويقين وشك, وبوحها الذي تكتمل به إنسانيتها وتظهر جلية إنسانية الآخر بالمشاركة بالبوح سواء بالقول المضمر أو بالاستماع  وبذلك تؤكد قصدية عنوانها بالتوجه الكامل للإنسان بلا مفاهيم سابقة للتلقي.

” هذه الأرض/ منذ  أزمان سحيقة / تدور وتدور/أما آن لها أن تتمغزل عيناها/ وتدوخ”

اعتدال رافع تعيد ترتيب الأسئلة والأجوبة التي قنصتها من الحياة,لا لتحكم عليها بل لتجلوها وتعيد لها قدرة الدهشة , فالسؤال الذي قنط من رحمة الجواب يصدأ كذلك الجواب الذي ركنت الأسئلة لبداهته , يُنسى  ” لأنني جميلة…/ يتقاطر العشاق على بابي/ يدقونه بقبضات الصدأ/ الواهنة” .

عبر لغة شفيفة وهادئة وبصور جميلة وإيقاع خفيض يشبه دقات القلب , تنتقل من مقطع لمقطع وكأنها تريد فقط أن تهمس قبل أن تحلق كلمتها مبتعدة كصوت في الريح تقوده حيث يشاء لها هبوبها , فهي لاتقرع طبول الحرب ولا ترفع راية الاستسلام ولاتعمل على تفكيك بنية أو إشادة فكرة تريد لكلمتها أن تكون كالبزرة , يطمرها تراب الاستماع ,فلا تُلحظ لكنها تدهشك وهي تنبت في ربيع قول ما ” قد يكون الضوء عذابا/ للعتمة المعشعشة في الأحداق/ لسراديب الزواحف/ والقلوب المحنطة في الصدور/ والعقول المغلقة على مستحاثّاتها/ والعتبات التي تعشعش الطحالب على أدراجها/ قد يكون الضوء/ دهشة الأطفال/ يعلقون على خيوطه / ألعابهم”.

وتقيم ثيمة الحب كمسرح لمقاطعها المبثوثة في ثنايا الكتاب , بحيث تظهر لوحدها عندما يخلو المسرح من اللاعبين وتبقى أرواحهم تطوف في جناباته وتخالطهم مخالطة العارف ,فهي المضمرة في صدورهم .

تستفيد اعتدال رافع من سردية القصة ومن تكثيف اللحظة الشعرية كحامل لبوحها وأيضا من أناها ومن المخاطب في تكوين جملها التي تطمح لأن تكون كلمة واحدة هي المقطع بكامله , كما هو الإنسان هذا العجين من كل تلك الكلمات التي تقال في فضاء صيرورته   .

لم يقل الكثير الجديد في هذا الكتاب ولم نر أرضا طازجة تظهر كجزر البراكين في بحر الحياة أو لعب لغوية أو صور ملتقطة بحرفية عالية تظهر مواطن جديدة للاستعارة ولا مجازات كالجسور بين ضفتي الواقع والخيال ؛ لكن ما يجعل الكتاب جدير بالقراءة هو: قدرة اعتدال رافع على إعادة توزيع الضوء والظلال على عواطف وأفكار وأحلام بهتت لكثرة ما نمر بها, وكأنها تبث روحا جديا في أزمنة وأمكنة درست .

“شفرة الفأس لا تزال تحمل دم الشجرة/ نهر من الصراخ ينبع منها/ المنضدة ساكنة في الزاوية/ مهموسة بأغصان متعانقة/ رقصت عليها العصافير يوما”

” كلمات مسافرة/ كتابات بلا عناوين” ل اعتدال رافع صادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب ودار البعث لعام 2009

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

 

 

 

الروائية لينا هويان الحسن للنهضة

أنثى اليوم لا تملك جزءا كبيرا من قوة أنثى البادية

 

روائية تنقش بالحناء أصابع الصحراء وتزفها للحبر . تقيم كثبان سردية وتغزو بها عالم الرواية .متفردة كالسراب وحيية كغزالة وغامضة كتناثر الودع على صفحات بنات نعش وجريئة كسلطانات الرمل عندما يركبن أقدرهن ويصنعن تاريخا . في هودجها عدة روايات ثبتت بها قدمها في عالم الرواية كنخل الواحات والكثير من المقالات الصحفية كطيور القطا .

1-   يقال :الرمل لا يعجن ؛لكن لينا هويان عجنت رمل الحكاية في بنات نعش وسلطانات الرمل!!. هل يعود هذا للنشأة البدوية التي تعود لك؟

 

= ميزة الرمل التي يعتبرها البعض سلبية, أنه لا يعجن ولا يتكتل ولا تنسجم حبة الرمل مع الكل, هذه الميزة بالذات استثمرتها وحكيت عن فردية البدوي ونرجسيته وصعوبة أن ينسجم مع طباع القطيع؟ ثمة ما هو سلبي في هذا, لكن هنالك الصحراء, المكان الصعب والقاسي والذي لا يقبل الحلول الوسط, هذا يبرر كثيرا من السلبيات لهذا الانسان قد يفهم البعض أنني حاولت تقديم مسوغات لسلبيات البدو لكن كل ما في الأمر أنني شرحتها وقدمت بعضا من أسبابها . . لم أعجن الرمل لكن سويته قدر الإمكان. أوكد لك أن الرمل لا يعجن لو كان كذلك لما حظينا بالصحراء ومؤثراتها الملهمة للأنبياء والشعراء ولحضارات كثيرة ومتنوعة.

 

 

2-   بنات نعش ومن ثم سلطانات الرمل تحتفي بمجتمع تغير بشكل جذري وبل اختفى في مناطق أخرى , حيث المجتمع البدوي كما عرف في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين قد لعب دورا مهما في تشكيل المنطقة العربية . لماذا العودة لهذا المجتمع في أوائل الألفية الثالثة ؟

 

= ليست عودة إنما التفاتة, كيف لتاريخ خصب وثري ومتنوع مثل تاريخ الصحراء لا يحظى منا بوقفة أدبية؟ متى لم يكن الأدب ضاربا جذره وشرعيته في التاريخ؟ أهم وأجمل الأعمال الأدبية في العالم هي الأعمال التي استلهمت الذاكرة القريبة والبعيدة والسحيقة, وما بالك بذاكرة الصحراء في الشرق الأوسط ؟ بالعموم لم يقاربها أحد بعد عبد الرحمن منيف, والبادية السورية لم يكتب عنها في الأدب السوري إلا فيما ندر قبل أن أكتب أنا عنها وأطرح عوالمها الخاصة لذائقة القارئ السوري والعربي. فالبداوة عالم مغبون معرفيا وظلم كثيرا بسبب أحكام مسبقة والدراما التلفزيونية التي تتحمل جزء كبير من مسؤولية تكريس صورة نمطية عن هذا العالم. أردت أن أزيح الغشاوة وأقدمه بصيغة حقيقية وأترك الحكم للقارئ في أن يحب البداوة أو العكس.

 

 

 

3-   كتبت سردا عن البادية يختلف عما تم توصيله لنا عن هذا المجتمع حيث الأنثى حاضرة بشكل فعال فيه بل وتلعب بالقدر كما تلعب البدوية بالودع . أين أنثى اليوم من أنثى البادية؟

 

= أنثى اليوم لا تمتلك  جزءا كبيرا من قوة أنثى البادية القديمة, وطرحت حكايا لنساء حقيقيات أثرن بالمنطقة لعقود طويلة مثل  “حمرا الموت” ابنة شيخ طي و”قطنة الكنج” ابنة شيخ السردية, أنثى البادية اليوم تقريبا اختفت وأصبحت هجينة تنوس بين بداوتها السالفة و حضريتها اللاحقة أو رغبتها بالتحضر, امرأة اليوم سواء بدوية أو حضرية تعيش متناقضات كثيرة بسبب فهم خاطئ للتحرر وفهمت التحرر أن تكون عابرة سرير ويرميها الرجل متى يشاء ويهجرها مخلفا وراؤه قطة شارع وليس امرأة كاملة الأنوثة والكرامة,

كثير من نساء اليوم استبدلن كرامتهن بكماليات, فقط تساهم بخسارتهن لأنفسهن كل يوم, نساء اليوم مهجورات وخائبات وبكاءّات ويعانين من انهيارات عصبية ويحملن الرجال مسؤولية فشلهن العاطفي, لكن رأيي الشخصي لو أن المرأة حافظت على اعتدادها بنفسها وأنوثتها و

2 تعليقات to “مقالات 2010”

  1. غاده رباح Says:

    ودن اب مقال قصيره وحلو

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 46 other followers

%d bloggers like this: