أُديب بقناع عُطيل -باسم سليمان


أُديب بقناع عُطيل
قراءة في رواية ” ميدان السلاح ” ل محمد جعفر – الجزائر

كتب
الأربعاء 25-1-2012
بقدر ما تنافس الرواية الواقع, تنجز نوعها الأدبي وبقدرة الرواية على الامتناع عن نسخ الواقع تتم أسلوبها في أنها نص مواز, تكمن عبقريتها أنها ترسم ألوف المتوازيات مع هذا الواقع والتي تقيم معه تقاطعات بزوايا متنوعة ومهما اغتربت الرواية إن جاز التعبير في أشكالها العديدة كالرواية العلمية يبقى للواقع حصته الكاملة من وجودها, فهو الجزء الأصم الذي لا يستطيع الراوي أن ينحته بأزميل التخييل.

هل كانت صدفة محضة أن يأتي « كاكي» المسرحي ويختار عبد القادر؛ ليفتح عيني عبد القادر على الخشبة التي بدلاً من أن تحمله حملها على ظهره ودار بها البلاد وطحن بها حياته!؟. عبد القادر ابن لمناضل شهد بأم عينه كيف خرج آخر جندي فرنسي، وشهد كيف تم تحويل الثورة لمناصب وثروات وإقطاعيات, يتصارع عليها آباء الثورة وأولادها وأحفادها حتى أدخلوا البلاد في أتون حرب, قتل الشقيق شقيقه فيها.

عبد القادر الذي نال جائزة لم تكن في الحسبان لأن مهرجاناً مسرحياً رفض مسرحية تعري الواقع, فبحثوا عن كبشي فداء وكانت مسرحية عبد القادر التي لم تحتفل بها مسارح البلاد, تكون السبب في جائزة وغصة مرّة في حلقه, لكن قبوله تلك الجائزة, ألم يكن بذاته انهياراً داخلياً!؟ بدأ باللحظة التي غضِب من أمّه لأنها تزوجتْ بعد موت والده الذي جرب حظه بثورة مضادة يقودها من فرنسا لكنّه قُتل وترك زوجة أخرى. هجر البيت وكان يستطيع أن يتعلل أنها تزوجت عدو والده الذي قطف ثمار الثورة وهو يضع رجلاً على رجل, لكن رفض تلويث ذكرى الوالد, غريب أمر المبادئ!؟.

يشرح عبد القادر الواقع الجزائري, يعريه وخاصة في الجانبين الفني والأدبي فيه, يظهر اهتلاك الفنان ووصليته, وكيف صار الفن بذاته وسيلة للمناصب والمال والعلاقات المشبوهة وكيف أن معدومي المواهب وأنصافها يحتلون رأس الهرم ومع ذلك يبقى كأديب يرفض أن يرى حقيقته ذاتها, فزواجه الذي قام على رغبة ترك على أثرها حبه الأول انتهى للطلاق وزوجته تسلقت مراتب الشهرة بسوقية فاضحة وهو أيضاً كان يبدل النساء كمن يبدل أحذيته, فرغم الحب والشوق والهيام والرغبة الجامحة لم يستطع أن يقود فتاة منهم لبر الأمان، فدوماً كان عذره جاهزاً أو هروباً ينجزه والضحية تتشبث به رغم كل الأدلة الواضحة على أنه اللاعب الحقيقي في هذه المأساة، ورغم ذلك ظلّت النساء اللواتي أحببنه أوفياء له, هل لأن المرأة بتجلياتها الكثيرة وطن لا يقطع الحبل السري مع أولاده!؟.

عبد القادر الذي رأى كيف أن الناس يتبدلون نتيجة الهزائم والإحباط من أقصى اليسار لأقصى اليمن من شيوعي إلى إسلاموي راديكالي, من فنان إلى متعهد حفلات من صديق وأخ إلى قاتل, حتى هو الذي ذبحه صديقه «منداس» الذي نام معه على حصيرة واحدة في السجن جاءه يشهر سيف الردة بوجهه بعدما كان « منداس» شيوعي سأم من السجون, في أحد الأحلام, مات على يد أخيه وهو يصرخ: لماذا!!؟.

لم ينجز مشروعه الذي يتعلق بتأريخ المسرح الجزائري, طرد من وظيفته, هام على وجهه وهو يوجه الاتهامات للآخرين أنهم العائق ولم يلحظ رغم اكتشافه أن طلب المسرحي « كاكي» منه ترك فرقته المسرحية في صباه لم يكن إلا إشارة له, جِدْ لك مساحة ودافع عنها بقوة وإن اختلف النهج, فالمساحات الإبداعية لا تعطى بل تؤخذ!!؟.

هو «أديب» لكنّ تجليه« عُطيل», ف«أديب» أخذ قراره الجريء وسمل عينيه بعدما عرف الحقيقة رغم أن القدر من ورطه بها, في حين «عُطيل» قتل محبوبته, هرباً من ضعفه, هكذا كان عبد القادر هارباً دائماً من ضعفه لم يواجهه مرة واحدة رغم كل المبادئ والحكم والأخلاقيات التي اتهم الآخرين بخرقها, كان صوته عالياً بحق الآخرين وصامتاً بحق نفسه.

يمثل عبد القادر, مجتمعاً اعتبر, أن التحرر من الاستعمار هو أقصى غاية وتناسى أن الاستعمار الحقيقي هو في ثورة الفرد الذاتية على استلابه, ما أسهل أن تحارب عدواً خارجياً ليس من جلدتك لكن الصعب كل الصعب أن تحارب نفسك. الثورة ارتدت على أعقابها عندما لم تثر على ذاتها مرة بل ألوف المرات.

شخصيات عديدة حفلت بها الرواية تقاطعت مع عبد القادر لكنه بقي الجزء الصم, كان من الممكن بإرادة صلبة إعادة الزمن لمساره والمكان لعمقه, لو كان هناك اعتراف صريح من عبد القادر على مستوى نفسه: أنتَ من سعيت وسعيت بالآخرين إلى أن يشهدوا حتفك البائس.

الرواية استلهمت التراجيديا والكوميديا المسرحية بخلطة سردية يقوم بها الراوي العليم كأنه الكورس. كانت تنوس بين حاضر, يتجه نحو حتميته وماض يمهد له الطريق لتكتمل الخاتمة, بلغة استعاراتها كلاسيكية, حيث أضعفت من تمثل اللغة, للبنية الروائية وكانت أقرب منها للحكاية وإن كان ذلك, فهذا ليس مسلوباً بقدر، إنه حالة تقنية تختلف فيها الذائقة ولكن كما يقول «يوسا»: المهم في الرواية أن تقنعك وهذا لوحده دليل جودة.

عبد القادر هو الهزيمة وتغدو الهزيمة أكبر عندما يتحول الفن إلى شماعات وكلمات فارغة وحماسيات, إنه مرثية الزمن المتقهقر للوراء والمكان المنطوي على ذاته والذي يُشهر سلاحه ويطأ به بطن الأبعاد.

ميدان السلاح رواية محمد جعفر, صادرة عن دار الغرب للنشر والتوزيع الجزائر

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.