أبراج الإرسال وأبراج الاستقبال – باسم سليمان

أبراج الإرسال وأبراج الاستقبال

فضائيات
الأربعاء 25-1-2012
باسم سليمان

يتلمظ التاريخ شفتيه ساخراً ويقول: قال الراوي, يا سادة يا عقلاء, إن الاسكندر المقدوني قبل معركته التي هزم فيها جيش دارا وفرق شمله وطارده بعدها في أنحاء فارس,

جاءه أحد العرافين ينبئه أن الآلهة أو الحظ أو القدر ليس معه في معركته هذه والأولى أن يتنحى عنها حتى تهب رياح حظه ولكن الاسكندر, لم يعره اهتماما وخطب بجيشه الصغير مقابلة مع جيش دارا الكبير ومن ثم أمر أن تنفخ أبواق الهجوم وكان النصر حليفه.

يتوقف التاريخ قليلاً ويمط شفة ويزم أخرى ويتابع : لقد أحببتُ أن أعيش اللحظة الآنية معكم، وروعني ما رأيت حتى ندمتْ وقلتْ, من غيًر مقامه قلّ مقدار وقبل أن أعود لدوارسي ورواسمي واحفورياتي أحدثكم : من حكم النجوم في حاضره, تساقط مستقبله تساقط الشهب في الليلة المقمرة. وفجأة حلّ محل التاريخ شبكة عنكبوت, تصطاد به حشرات الحاضر, لقد اختفى!؟.

يظهرون كالفطور, بعد رعد وبرق, تستضيفهم الفضائيات كأن أحدهم, قد أخذ جائزة نوبل بحل مشكلة قصر عمر الراتب إذ أطال عمره حتى آخر الشهر, تنفش استوديوهاتها بطريقة طاووسية, وتسلط على المنجّم العظيم, أضواءً تكفي إضاءة, خمس قرى وتقدمه بألقاب عديدة: صاحب الرقم القياسي بصحة التوقعات, فقد ثبت أنه تنبأ بأن ســلح طائرا ســصيب سيارة الوزير الفلاني وأن الأرض ســـتهز خصرها بزلزلة ولا نجوى فؤاد وأن المعمّر الفلاني المصاب بالقلب وبقصور الكلى وتشمع الكبد، الزهايمر, سيموت في العام القادم وأن السياسي الفلاني, سيعتزل السياسة ويصبح ممثلا على عكس رولاند ريغن وأن طفلاً, سيعض أخته, فتصرخ, فيرتعب كابتن الطائرة وتسقط الطائرة على شواطئ قارة أتلنتس المفقودة ومن هذا الحديث حتى يشيب الجنين في بطنه أمه.

الفضائيات العربية, خصصتْ رأس السنة بكامله مع ليّلة السنة الفائتة, لقارئي الأبراج وطبعاً خلال العام, تخصص لهم البرامج والاستضافات وتعاود بين فينة وأخرى أن تجرد حسبة التوقعات, فمن كان يظهر باستوديوهاتها, تفبرك له تقريراً, يظهر دقته الخارقة التي تُخجل زرقاء اليمامة في قبرها وتجعل “سطيحاً” يقف على قدميه ويتوقف عن تنبؤاته السجعية ومن لم تعجبها توجهاته ومنها السياسية, تنشر غسيله الوسخ وإن أصاب بتوقع ما, تخفف من شأنه حتى تبخسه حقه وحظه وهكذا حتى تعتقد أن متلقي هذه الفضائيات في كشف دائم لمستقبلهم, فلا خوف من فقاعة اقتصادية أو صدمة سياسية أو حتى خطة طوارئ, فالحوادث والمصائب, صار لنا بها علم ولكن لكي نبقي للبشرية بعض الواقعية الموضوعية نترك بعض المصائب تحدث لكي لا تبطر الناس وتظن نفسها آلهة وهنا خرج التاريخ من جديد معتذراً لأنه حنث بيمينه لأنه حلف بأن لا يقارب الحاضر ثانية وقال: للحقيقة هكذا فضائيات وهكذا متلقين لا يحتاجون لاثني عشر برجاً بل لبرج واحد هو برج بابل لأنهم قد بلبلتْ عقولهم وليس لغتهم فقط والآن صرت أفهم معنى أبراج الإرسال وأبراج الاستقبال.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.