بين مجاز صائت ومجاز صامت ترمي لينا هويان الحسن الودع وتقول: الشجر يمشي, أليس الوصف” قد شبّه لهم”!؟ ليستْ اللغة, نهر هيراقليتس!؟, لا تنطقها مرتين!؟. هي لعنة المتردم التي قالها عنترة وليلى تتبسم!, قدر الشعراء الهجرة من متردم إلى آخر والآخر جحيم. اللغة خارج قيد الأوابد, إنها مكر.. إلى أن حطّه السيل.., اللغة افتراس للوجود, لذلك الشّعر نابٌ ومخلبٌ ولسان يتلمظ الحبر.
تخط وشمها الأزرق والأزرق, بُعد في البعد عبر بورنوغرافية افتراسية صائتة تصدم وتدهش وتقطع كلحظ في غمده أو صامتة تهز شجرة القول, تساقط ظلالاً, هو العواء والفحيح والزئير والمخلب والناب هو الترويض للعري وافتراس المفترِس باللغة” يا أطلس/ يا عسال/ كأني وإياك على سبورة المدى/ نتكئ على سندس واستبرق من وهم../ هات وعدك/ ومدّ لي/ يدك في الظلام/ واسمع ضوضاء/ غزال مذعور/يستقرئ/ السراب والحجارة” هي الغزالة إذن وقد نفذ صبرها, والدم البدئي يغلي, والشهوة قاب قوس وسهم, فاقتلني لأعشقك.
تمدّ المجاز كأنه وثبة نمر في أسوارة النار, تارة يكون ضليلاً وقروحه آبار تروي عباءة الغدر” كيف نرقى للثريّا/ ونواري النسيان/…./ مع كأسك الظمآن/ لا الريح تحملُ ما نقول ولا الصدى” وأخرى يتسلل مجازها, فيغافل, نعاج اللغة حيث المعنى يسقط عنه النصيف” إنْ يهلك حصانك/ تلقى مطية تلوذ بكثبانٍ/ كثبانٍ/ تؤلبها جيوش إياد وبهراء وتنوخ/ وبريد المنذر بن ماء السماء/ خذلتك حِمْيَر وبكتك كِندة/ دائما السم بمثل هذه الوفرة”.
” قد شبّه لهم” هو الوصف بادئة الافتراس وكما اللغة تربتْ في مفازات الشاعر الجاهلي, وكأن المعنى هو الحداء أو الصهيل والكلمة جسد فرس امرئ القيس أو ناقة, أو ثعلب أو سرحان, فاللغة حيازة للوجود ووعي له وأنسنة, واعتراش الإنسان على سدة الأمر, من سمّاه فقد خلد ومن نساه فقد درس, وهنا لينا هويان الحسن تعارض حيازة بحيازة, فتطلق للعواء, الكلام , ولذاكرة السلمون, الاتجاهات, ولأبن أوى تعطيه مفاتيح المدن, تشبب بهم, إذن تسقط عنهم الأسماء, وتعيدهم لبريتهم, تمدح خصالهم التي فقدوها في أنسنة الإنسان للوجود, تقول للسلمون:” لا تكفكف قرمزك/ لا عارٌ عليك, ولا إثمُ/ بعناد يصدع الصخر/ اتبع دفة.. فطرتك/ حتى.. لا تكون ذاكرتك: ندما خالصاً ” إنها تحرره تعيده لمجرى نهر هيراقليتس.
أليس المتردم الذي لم يغادره الشعراء هو الحبّ!؟, ألم يذكر عنترة ليلى وبيض الهند تبسم والرماح نواهل ومع هذا والتاريخ يُسكت ليلى عن القول المباح وليلى هي ليليت ذات الشعر الملتهب في الريح تقول الحسن:” كوني جميلة ولا تصمتي/ كوني كمن سيدلي باعتراف.. واصمتي” تسقط النصيف كما بنات طارق والطارق هو النجم الثاقب نجم سهيل, نجم الخصب والعشق, حيث الأنثى مطر دافق, كنمر يفترس مروضه وصقر تمنى أن يكونه, صاحب الصخب والعنف وذئب تغنيه صبية بمقتبل الأفق” عيني صايبها سهر ونعاس ياذيب” تخرج لينا هويان الحسن الشعر النسوي من حرملك النساء, لا بكائيات ولا رومانسيات, بل بجرأة كيلوباترا وبصلابة عشتار التي تقف على سبعين, تناوش الحبيب, تفترسه لا توفره لأحلامها “أحبّ حنانك../ مثل ثلج يغطي كلّ الأشياء/ أحبك وأنت تهمس/ اطلبي وتمني, ريش العنقاء, إذني الغول, ورأس الخل الوفي/ أكرهك, يا نهراً:/ أعبره صبحاً ومساء/ وأسأل أين الضِّفتان..؟/ أحبُّ سخونة شفتيك/ مثل آب اللّهاب/ أحب شلالك المستعجل/ وهو ينحدر صوب.. القاع/ يخرب أعشاش العمق”.
تشتغل لينا عبر نصوصها على عدة عتبات, عتبة عنوان النص التي توازيه وتقاطعه وعتبة الاقتباس حيث نص لكاتب آخر, فيحمل من جحيمه ما شاء من تداعيات والعتبة الثالثة هي الثيمة في عنوان الديوان ” نمور صريحة” أو ذئاب صريحة أو صقور أو أنوف شماء, وهي تريد بالافتراس الجمال, فالجمال مفترس, يخر المتأمل فيه أمامه صريعاً, فكل جمال قاتل مفترس بطبعه, ألم تفترس انعكاس صورة نارسيس, صاحبها, عبر هذه الثيمات الثلاث, تقيم أثافيها لتضع عليها قدر اللغة الطيعة والقاسية بنفس الوقت, حيث المعنى, رحيل دائم نحو المجهول, وكأنه سراب ولكنه كشف, أيضاً, لشهرزاد لم تعد اللغة لديها حبل نجاة بل وجود وإعلان تمرد على أنوثة الحرملك والجهر بأنوثة كانتْ آلهة, جمالها افتراس, لربما اللغة ظهرتْ عندما استعطف ذكر أنثى يتخبط بين مخالبها وأنيابها.
الديوان عواء لشعرية تتشكل بقوة بعيداً عن سطوة اللغة الذكرية واللغة الأنثوية المستعبدة ” عليك أن تفطن/ حين تجيء مرة أخرى بلحمك ورمادك ولهيبك وحبك/ عليك ألا تخاف/ حتى/ لا تشتم ذئبة الحب رائحة: ارتباكك/ …/ وتأكلك”.
بين مجازين المجاز الصائت حيث التناصات, تخلع كل عباءات اللغة التي ارتدتها عبر التاريخ وتنسج عباءة جديدة والمجاز الصامت الذي يحتاج فيه القارئ لصفعة على ظهر ولادته للتو في النص ليصرخ وجدتها, تكتب لينا هويان الحسن أول أعمالها الشعرية بتقريب تتفل.
لينا هويان الحسن في ” نمور صريحة , في شاعرية الافتراس” صادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب 2011
تشرين
باسم سليمان
