الشعر.. أرملة سوداء
ثقافة الثلاثاء 17-1-2012 باسم سليمان
كلّ تعريف للشعر, هو حبّ له ولكن لابد من المخاطرة في ذلك والقول: الشعر استذئاب, أي الخروج من الحالة الطبيعية للغة المدجنة في منظومة التواصل البشري إلى حالة ما قبل أو مابعد.
الشعر, ليس وسطية لغوية بل راديكالية إلغائية, عنصرية شوفينية, إنه سلبية مطلقة, إنه النفي الكامل لكل معرفة والوصول لحالة جهل مطبق تجاه الوجود والذات, فهو عودة دائم للحظة البدء ولايجب تجاوزها إذ هو لحظة عنيدة لا تأتي من مستقبل أو تغور في ماض, عصية على المكان ناشزة عن الزمان, معلقة الوجود كمشنوق.
وبعد هذا, كيف للشعر أن يكون ذاته, هو المحكوم بلغة مقننة يقوم على حراستها سدنة عظام, لا همّ لهم إلا تعقيدها وتصريفها في أنساق التواصل الكسول!؟. كيف له هذا وقد ربطتْ بعنقه أحبال من مسدٍ تشده لأغراض هو منها براء, فالغرضية في الشعر نافلة بقدر ماهي فرض واجب القيام به!؟. كيف له هذا وقد ألبس عريه الفاضح أوزاناً ونثراً وسرداً وتشبيهاً واستعارة ومجازاً وما شاء لسدنة اللغة الذين يحرسون العفة والعذرية بأقفال من حديد لحماية شرف اللغة التي ينتهكها الشعر كلّ ما قاربها!؟. كيف له هذا وهو ابن لغة, ما بين وقفية وتوفيقية, فهل يقتل الابن أمّه, أوليست هذه الجريمة الكبرى التي ما بعدها جريمة!؟.
هذه الكيفيات بنفس الوقت تحمل الجواب, فالمقعّدون يضعون العربة أمام الحصان أو يربطون العربة للحصان وقناعتهم أنهم على صواب, الشعر عليه دوماً أن ينطلق من الجهل أو هو الجهل, فلا دهشة ولا كشف ولا عذرية إلا في المجهول, يستطيع الشاعر أن يحرث أرضاً ويبذرها بالبذور المعروفة وله أن يمارس كافة عمليات الاستصلاح والري بالتنقيط وعلم التهجين والوراثة لينتج حصاداً يطعم جياع السمع لكن الشعر, هو جوع تطعمه الصيام, صرخة بوجه الآفلين, من قال على الشاعر أن يصنع معجزة من سمك وخبز يطعم بها الجمهور, الذي يتلهف!؟, على الشاعر أن يجعل الجائعين أشد جوعاً وعطشاً, حتى يكفروا به ويقولوا له: أنت أفاك, ساحر لعين, أفاعيك لا تسعى بل تشربنا سمها, فهل جئنا لتذيقنا الموت, فيقول الشعر تمنوا الموت أن كنتم…!؟, فلا شعر إلا بأن يطأ الشعر موتاً بموت, فالولادة الجديدة تقتضي موتاً.
الغرضية, تجعل الشعر وسيلة, وقد يقول قائل: الشعر غاية, الشعر لا هذه ولا ذاك, يكاد الشعر إن يستعبد كل شيء, هو مصاص دماء, روح هائمة ترفض المطهر وترفض الناسوت وترفض حتى خلقها, الشعر عدم, رتق لفتق, عماء نرجسي يكره نرسيس, فليس الشعر من المرآة سواء أكان الناظر أو الانعكاس!؟, هو حلول من جهة في الوجود وهو غني عن هذا الوجود؛ لذلك الغرضية فيه, نافلة وإنْ كانتْ فرضاً لا بد منه, لكن الغرض فيه بأن يجهل الغرضية فيه, ترفض غرضيتها وتكفر بها وتلعنها, فالحب هو كره والكره هو حب في الشعر وهو لا حب ولا كره هو سخرية وتهكم لكن لا بأس ببعض الثرثرة.
الشعر, قل كلمتك وامض, لا يأسف ولا يعتذر ولا تبكيت ضمير, ولا يجزع من مقصلة, يدخل خنجره حتى النفس الأخير ويخرجه وكأنّه أشعل سيجارة أو غابة من مستصغر شرر, فلا تعنيه معجزات قوم غزية, ولا مديح لإله ولا حجيج يلاحقونه كظلّه من جحيم لجحيم, يلتفت إليهم ويضحك ملء السماء والأرض ومن بين قهقهاته يتشظى قول: ما أنا إلا وهم على وهم.
إن لم يكن الشعر أرملة سوداء يضج الوجود بشباكها ويعيش الموت على جثث فرائسها وفرائسها ما هم إلا ذكور, في لحظة الآه الخالقة, تغرز الأرملة السوداء نابيها الجميلين, في جسد اللغة وتلف حولها شرنقة من عماء, لتحول الوجود لعصارة تقتات عليها في وحدانيتها كمحراب بلا راهب, فأشد أعداء الشعر هو الشعر لذلك على الشعر أن يقتل نفسه وأن يقطع حبل سرته اللغوية ويكون رحم ذاته ومنجباً نفسه ليس كفيض بل كعدم يخلق وجوداً ومن ثم يعدمه أمام الجمهور الذي خرا على وجهه صعقاً.