باسم سليمان: مازال حبري عصيّاً

باسم سليمان: مازال حبري عصيّاً

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة
الاثنين 2 كانون الثاني 2012
مفيد عيسى أحمد
يفتتح باسم سليمان مجموعته الشعرية الجديدة «لم أمسس» (دار أرواد- طرطوس) بتصريح وتأكيد أنه لم يزل على جادة الصواب، وأن إعادة بناء علاقته بفضائه الحيوي يتم وفق رؤية واضحة، وقد عبّر عن ذلك بنصوص تحتفي بعمق وجزالة بمكونات هذا الفضاء من أشياء وكائنات.

ينزع كل عمل فني إلى تخليق جماليات جديدة متجاوزاً المألوف الذي لم ينتف أثره الجمالي لكنه أصبح بحكم المعتاد. والشعر الذي يقوم على اللغة يفعل ذلك إما باجتراح حالات جديدة أو بإعادة معالجة حالات معتادة برؤيا جديدة فيفكك ويركب، يشتت ويصوغ مستنبطاً أثراً جمالياً جديداً.
هذا التغيير ليس هدفاً بحد ذاته بل سبيلاً للمعرفة الجوهرية وإدراك كنه الأشياء فهو بحسب رامبو (السعي لمعرفة الحقيقة الجوهرية الكامنة وراء الظواهر الخارجية والتعبير عنها). والرؤيا تسترفد الحلم والتخيل لتلمس ذوات الأشياء والتعبير عنها بما يتفتق عن دلالات جديدة، هذه الدلالات تجد محمولها في القصيدة، النص، شعراً بتركيبها اللغوي والبنيوي.

في قصيدة (ما زال حبري عصياً) تأخذ الألفاظ بعداً دلالياً يتولد من كنايتها الجمالية عن حالة هي النهايات هنا، فأجنحة الفراشات الناعمة والسريعة العطب تحمل أبلغ تعبير عن تنسم النهاية المتأتية من التلف الذي يطول أجمل الأشياء.

لا تقتصر الدلالات المولدة على الألفاظ بقدرتها التعبيرية وكنايتها الوافية، بل تتعدى ذلك إلى تلك العلاقة الجدلية التي تقوم عليها الحالات المتباينة، وهو ما ينعكس تناقضاً وتجاذباً في الوحدات اللغوية مما يشحنها بدلالات أحد تأثيراً:

«سألت الجرح: كيف تموت بشفائك

فسلت الرواية الخنجر المقسى»

في مقاطع أخرى نجد الحالة ونقيضها متجاورتين ومتعالقتين وهو ما يبئر الدلالة لتغدو منخطف المتلقي لدهشتها وغرابتها:

«كإكليل شوك أزهر

مريم لا تبكي

فالجلجلة قاب ضمتين ووردة»

يساهم تحيين طقوس مضت واستحضار شخصيات تشكّل رموزاً تاريخية أو ميثولوجية في توسيع الطيف الدلالي وإيقاظ العمق الشعوري والإحساس البشري الجمعي، يفعل ذلك تارةً بالتلميح لحالة معينة ومقاربتها بالإيحاء كما في المقطع التالي:

«أنا الغراب

السقط صريعاً فوق الغمر

وغرت كدمعة في الكحل، لما أشكل علي التنور»

يبدو الرمز جلياً وبدلالات معروفة في بعض القصائد، لكنها تأخذ منحى آخر بتوظيفها في سياق النص، فاستخدام اسم مريم المشبع بالدلالات، أمر مألوف في الشعر العربي، ومريم في هذه المجموعة هي مريم الأخرى التي لا يتم رفضها بصرخة ذكورية تعلن عن افتتاح لاهوت الذكورة، إنما هي مريم المؤاسية لكنها القاصرة عن الحد من شغف الخلاص:

«لكن مريم أخرى

قالت:

العرس في هلاله والنبيذ انتهى

هي معجزة

حول الماء دماً

مريم لا تبكي

لا تحولي شفاهك دماً لجرحي

كنت كريمة مع دمي

لكن المسمار أشهى»

نجد في قصائد أخرى تجييراً لكائنات معروفة بعلاقتها بحالات معينة للبيان عن أحد أوضاع تلك الحالات وذلك في سياق إيحائي دلالي، كما في قصيدة «أشباح لها ملمس الفراشات»:

«لو كنت ميتاً لحضر الذباب الأزرق

الأكثر حكمة من هدهد سليمان»

تتوزع القصائد بين الإيقاع الهادئ الرخيم والمتواتر إلى السريع وكلها على اختلاف إيقاعها تتسم بالحيوية، وهي خاصية ناجمة عن مكونات القصيدة وبنيتها القائمة على الاستطراد والاستنباط وعلى التشعب والتشرزم الذي يخلق مساحات جمالية متصلة ومنفصلة، وهي بذلك تبتعد عن الوحدة التقليدية للقصيدة هذا ما نلمسه في المقطع التالي:

«أكسر النهارات

وأجيب كبير الليل

إن كنت

أحجز الفجر في قمقم

فسيجارتي

برد وسلام

كنت أتقلب بين النساء

كغريق يقض أحلام البحّارة»

تضفي بعض القصائد إحساساً بالغرابة بفعل أسباب عدة، منها الصياغة والتركيب اللغوي وفق لعبة تعمد إلى شقلبة الحالة التي تتناولها وتفكيكها ليعاد تركيبها، أو كمحصل لتقاطعات ناجمة عن خطوط دلالية متباينة لكن ليس لدرجة التصادم كما في هذه المقطع:

«سأسترجع طمأنينة الضباب

ليتكلم عني صبية يجربون شجاعة الجناحين

فوق الشفة

إذ يتحولون إلى ساعة رملية بين الشواهد»

تتأتى الغرابة في قصائد أخرى من مواضيعها التي قلما كانت مبعث استفزاز للشاعرية العربية هذا ما قامت عليه قصائد: ورق لعب – الضفدع – كلب يحرس ذيله التي أخذنا منها هذا المقطع:

«إنه أمامي

كلب يمارس عادته في العظام

في ظهيرة كأرملة تطرز رجالاً لطاولات السفرة»

كما تلعب التشبيهات النابية عن المألوف والمتفارقة دوراً في الغرابة والدهشة، وهناك تشبيهات أخرى استنبطت تقانات العصر وثقافته، كان لها دلالات أقل جمالية وشعرية، ربما لعلاقتها بالآلة أو لأننا لم نستسغ لها بعداً جمالياً:

«أحلم بذبابة

تطن كجرس

ببعوضة تئز

كموبايل في وضع الصامت»

كتابة مغايرة بنزوعها لخلق جماليات مبتكرة، سمتها الأساسية احتفاؤها بالأشياء بشاعرية مرهفة أسفرت عن جمالياتها المضمرة.

مجموعة تنقب عن الروح وتتعقب أي نأمة تدل عليها، تتقصى عنها فيما لم نعتد أن يدل عليها، وهو ما يبرز في كل قصيدة من قصائدها.

ليست روح الإنسان فحسب، بل تلك الروح الجمعية الكونية الشاملة والتي يمكن تلمسها حتى في الحجر.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.