في جدل الصورة والحقيقة والوطن – باسم سليمان

في جدل الصورة والحقيقة والوطن

فضائيات
الأربعاء 28-12-2011
باسم سليمان

في قصة من ألف ليلة وليلة وأيضاً في رواية « وشم الوردة » لأمبرتو أيكو, تم استخدام الحكاية التالية : إنّ ملكاً قد دسّ في سريرته الحاقدون على طبيبه الخاص, أن طبيبه ينوي أن يسممه وهكذا قرر الملك قتل طبيبه, وقد عرف الطبيب ذلك وقد حضر بين يدي الملك وقال له: إنْ لم تكن قانعاً ببراءتي, فإني مطمئن لطيبة قلبك, خذْ هذا الكتاب, فيه من الحكمة والطب ما يغنيك إنْ أصابتك داهية, فتبرأ منها وهكذا قطع الملك رأس الطبيب ونسي الكتاب إلى أن أصابته علّة, فتذكر طبيبه وجاء بالكتاب وبدأ بقراءته ولكن أوراق الكتاب كانت ملتصقة, فبدأ يعمل على تبليل أصبعه بريقه ويفتح الصفحات وفي كل صفحة كانت هناك حكمة إلى أن ختم الكتاب وعرف أن الطبيب سمم له الصمغ الذي ألصق به الأوراق وفي النهاية مات الملك.‏

السؤال الذي تطرحه القصة السابقة يتعلق بثمن الحقيقة والمعرفة الذي يجب دفعه وهل الحقيقة والمعرفة مبررة أخلاقياً في كل مرة تقال!؟. يغدو السؤال السابق مطروحاً بقوة وخاصة أن جهازاً يدعى التلفزيون, رُفع القلم عنه مثله مثل النائم أو المجنون, يعرض لنا ما يحمله سيله الإعلامي الذي لا يراعي قدرة المتلقي على تحمل ما يبثه وهذا يحدث في كل وقت لا يميز بين كبير وصغير وعادة ما يحدث ذلك في القنوات الإخبارية متعللة, إن موضوعاتها تهم من يهتم ولا تفرض نفسها مثل القنوات الأخرى ذات البرامج المتنوعة على كل المتلقين لذلك هناك سماح ضمني أو برتوكول شفهي متفق عليه, أو في أحسن الأحوال تحذير صوتي من قبل المذيع لا يجد له إذناً في زحمة الأخبار المتلاحقة وخاصة عندما تكون التغطية, لحوادث طارئة بأنواعها الكثيرة التي صارت ملح تلك القنوات بعاجلها أو بتقاريرها والعذر الذي يفلّ كل علامات الاستفهام التي تتأتى من عرض صور ومشاهد تتجاوز الحد الطبيعي وقد تؤدي لردات فعل في الغالب لا تحمد عقباها هو أنّ البحث عن الحقيقة والمعرفة يبرر!؟.‏

من حيث المبدأ صحيح؛ لكن من حيث النتيجة, هل نبقى في حيز الصحيح أم إن الأمر تتعقبه ذيول تؤدي لكوارث في البُنى النفسية في عقل المشاهد!؟ وللتدليل هناك ما يُسمى صدمة الحرب, يتعرض لها الجنود, رغم أن تدريبهم قد شمل أن يتعلموا أن لا تصدمهم الأهوال التي تسببها الحرب ومع ذلك يحدث ما يحدث!؟.‏

في السبب السابق ذكره, عرضتْ الفضائيات السورية, مشاهد مروعة نتجتْ عن التفجيرين الإرهابيين اللذين حدثا في دمشق وقد سبب ذلك صدمة كبيرة للمشاهد وخاصة الأطفال, فهل أخطأت الفضائيات أم ماذا!؟‏

هناك وجهتا نظر يجب أن يتم تحليلهما: تعرض المشاهد السوري عبر فضائيات شتى لكل أنواع العنف عبر بث صور ومشاهد, قيل إنها حدثتْ لدينا وإنْ كنا لن ندخل الآن في جدل حولها بل سنقول: إننا لم نسمع ممن علت عقيرتهم في ذم الفضائيات السورية على بثها تلك المشاهد, أن انتقدوا تلك القنوات التي استباحت الدم السوري علانية وجهاراً بكل خسّة محطمة كل البرتوكولات المكتوبة والشفوية بحجة الحقيقة والمعرفة والطبيعة الإخبارية, فلماذا الآن وهي أوضح من أن تقال تعلو أصواتهم!؟.‏

وجهة النظر الثانية: إن الفضائيات السورية لم تخطئ وكل ما فعلته إنها بينتْ الحقيقة والمعرفة التي فضحتْ الإرهاب الذي يمارس بحق سورية وهذا لها مادامتْ لم تفعل أكثر مما قدمتْ الفضائيات المهاجمة, فقد التزمت الفضائيات السورية بحدود الدفاع المشروع المنصوص عليه قانوناً بأن يتم التوازن بين الفعل ورد الفعل.‏

إن الدفاع عن الوطن يقتضي إعلاء الحقيقة والمعرفة عن الأحداث التي تحدث به دون التقيد, ببروتوكولات فارغة لا إلزام لها مطلقاً وقد شهدناها على مدى تسعة أشهر, تنتهك !؟. وعليه, الوطن هو المبدأ الذي يجب أن يصان وتسقط كل المبادئ الأخرى أمامه.‏

جريدة الثورة

رد واحد إلى “في جدل الصورة والحقيقة والوطن – باسم سليمان”

  1. محمد يقول:

    السلام عليكم

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.