مقالات 2012

جدل الرشح والكتابة
باسم سليمان
من التراب وإلى التراب, يشرب المنديل دموعنا, فرحاً وحزناً ويجفف عرق التعب والخجل عن جباهنا ويمتص دمنا وأكثر تودعه عواطفنا بنفحة من عطر ونعلّمه بأحرف أسمائنا, تتغنى به الحناجر ويرفرف في وداع الأحبة ويكون شاهداً على عقد زواج أو خيانة.
من الكتان إلى الحرير من أسفل الطبقات الاجتماعية إلى أعلاها, يتنقل المنديل، لا يعترف بحدود أو فواصل. قطعة من ثيابنا نتفقده كأنّه ساعة جيب أو يد أو حتى حقيبة نقود.
من التراب منبته كما نحن. من دودة تقضم ورقة التوت ساترة عوراتنا أو زهرة قطن بيضاء كرغبة مستحيلة. في أقبية حاكته أصابع فقيرة جائعة إلى آلات لا تجوع ولا تعرى لكنها تصدأ, فيجلي صدأها بالقيمة المضافة. إلى الذكريات والمتاحف والتأنق الزائد انتهى المنديل.
كان يورث, فيرثه الوارث بجراثيمه الحنونة وذكرياته هذا منديل الجد وهذا منديل العروس التي تتفقده وهي تضع فكها الصناعي وتسمع أصوات الترحم على أيام المناديل كأنها أطلال عاج الزمن الحالي عنها إلى المناديل الورقية/ كلينيكس.
المنديل فاصلة زمنية كبيرة بحجم نقطة نهاية السطر, بين المناديل المصنوعة من القماش والمناديل المصنوعة من الورق وكأن ثورة المطبعة وما قاله بارت عن الكتابة على الكتابة تصب في خانة المناديل الورقية .
حياتنا الآن بسرعة استخدام الكلينيكس, هوايتنا المتعولمة من جهة وكأنها تشترك بثورة الملتيميديا والواقعية السحرية أن شركة نوكيا الرائدة في عالم الاتصالات كانت بدايتها بشركة لصناعة المناديل الورقية على نهر نوكيا بفنلندا.
هذه الهويات الاستهلاكية التي تصنعها الدعاية التلفزيونية كأننا جمهور لعبة التنس رأسه يتحرك مع الكرة التي يضربها المضرب, المضرب الاستهلاكي الذي يقيم وجودنا بقدر ما نستهلك من أماكن وأزمنة وحتى حيوات, يجعلنا كالمناديل الورقية فأحاسيسنا وعواطفنا وأفكارنا كلها لحظية لا بوصلة لنا إلا حاوية الزبالة.
قلْ لي ما تنتجه من “زبالة” أقول لك من أنت أو أنا أنتج الزبالة إذاً أنا موجود. كوجيتات ” من كوجيتو” تملأ حياتنا كما المناديل الورقية اللحظية, حيث أنك لا تستطيع أن تستخدم المحارم الورقية مرتين فلو كان هيراقليتس بعصرنا لقالها هكذا وبإشارة مضمرة من بارت إلى استخدامنا غابة الكتابة السابقة في كتاباتنا الحالية نفعل نفس الشيء بالغابات حيث نحول تلك الأخشاب المصنوعة من عملية التركيب الضوئي إلى ورق ننشر عليه خبر اللحظة الفانية بعملية التركيب الحبري الأسود.
الغابة صوت منديل من قماش, خضار دائم ذاكرة متقدة. الكتابة صحراء, منديل من ورق أسواد ,ذاكرة آنية , محرمة ورقية نضع عليها اتفاقياتنا ومواثيقنا وعهودنا ثم نبلها ونشرب ماءها.
كم تشبه أيها الإنسان المحرمة الورقية في مكنات الألفية الثالثة, سريع العطب مصنوع من سيليلوز وليس من حمأ مسنون…
قطعت تداعيات أفكاري ثلاث عطسات متتاليات. سحبتُ من علبة المحارم بعض المناديل الورقية لتشرب سوائل الرشح, ثم ألقيت بها بسلة المهملات وحدقت ملياً في سلة المهملات؛ كم تشبه المقبرة!؟.

جريدة طريق الشعب العراقية

حسرة المياه هي اليابسة

هو الشعر دهشة تحبس الأنفاس في شفاه كعلامة السكون أو نفس طويل كمدّة تنفخ شراع الصدر أو كزفير يفرغ الرئتين كقربة حُلب منها العازف آخر قطرة من الموسيقى.

“تمردت على سلالتي/ لأحقق حسرة الماء/ قلت لسلالتي: حسرة المياه هي اليابسة”؛ هذا مقطع شعري من ديوان” القمر البعيد عن حريتي” للشاعر لقمان محمود ولأن المواضيع في الشعر سقط متاع ستكون القراءة صوب الجمال/ النور الذي يعمي أو أن النور أعمى لذلك يصدم بالأشياء, فتكون الظلال والظلال هي ما يتبقى من الشعر, تارة نرطبها بريق وتارة بحبر وبين شفوية صائتة كالفضيحة وصامتة كالمنفردة التي يوضع بها الصوت والمسماة: الكتابة.

“الأظافر رئات الأصابع” صورة كفتيل قد يكون لقنديل أو قنبلة؛ في الأولى يمتص الزيت من ثدي شحم حوت أصطاده بحارة يشعلون أجسادهم المتجمدة في صحراء الماء/ الجليد بجرعات من كحول قاس كالغربة, فيورثهم اصفرارا بالأصابع وأكباد من فرط الحنين متشمعة أو من زيت زيتونة لا شمالية ولا جنوبية تنبت من سرّة خط الاستواء أو من نفط يرفع حرارة جبين الأرض ويورث القتل والدمار والغنى والفقر وأنفاس تقطر نقط  خط النهاية . الثانية حيث تنغمس الأظافر في بركة الدم فتختنق الأصابع وتكتب اسم قاتلها وعليه على الشعر أن لا يقول بل يجعلك من فرط وتفريط, أن تقول أنت.

” منذ البداية/ الليل امرأة بسيقان سوداء/ النهار امرأة بسيقان بيضاء/ وأنا حتى الآن حطاب فاشل/ فأسه العزلة أشجاره الليل والنهار.

الكتلة ونحت الهواء:

يسطر لقمان شعره على عينين إحداهما عمياء, فتمدّ يداً تقيس حجم الكتلة, فتأتي دفقته الشعرية تسود وجه الصفحة تاركة إطاراً من البياض حولها , هذه الطريقة اعتمدها لقمان ليحمل وزر جريمة التجنيس, دفقة تتأبط النثر وتقول عنه إنه فلز الشعر:” سأنسى مراقبتي المستمرة لدوار الشمس لأني لم أشعر يوما بالدوخة وسأنسى شباكي الذي سقطت منه دون أن يصيب قلبي أي كسور وسأنسى عادة في إطفاء المصباح لأني لم أكن أرى قلبي إلا في العتمة……وسأنسى أنني لإرادة الولد الذي فيّ كنت أحاول أن أقرب رجولتي البعيدة في ممارسة العادة السرية” والعين الأخرى مبصرة, فتنحت كتلة الهواء ليصبح ريشاً لشطرات سريعة كرفة جناح العصفور وهو يسقط الغصن لحض أمّه الشجرة:” الحب دائما عاقل/ لهذا السبب/ العشاق مجانين”” كل شيء مستريح في مكانه الثابت/ ماعدا القبور/إنها تمشي/ تمشي في التراب المشلول/ فدائما هناك قابيل/ ودائما هناك غراب حكيم”.

لا فرق في الشعر كل العيون سواء ولكن الفرق يكمن في كيفية الرمش.

المواضيع سقط متاع:

يالا هشاشة الحكم السابق, في الشعر لا موضوع غير الشعر ولكن هذا الموضوع ممتد كحبل سري لنفس الشاعر والقارئ لذلك مهما أقصيناه ودخلنا في عماء الجمال المبدع يظل الأعمى يبحث عن عصاه.

الأنثى وتجلياتها, هي ” دلشا” وليس تسبقها “أل” التعريف لأنها “أل” الكلمة في هذا الديوان كما كنت الكلمة في مبتدأ الكون, فشعرية لقمان تمشي, تمدّ ” دلشاه ” كالصوت في الهواء وكالكتابة على الصفحة البيضاء:” أعرفك دلشا وأعرف أنك سهوا تنادين على جميع أصدقائي باسمي وهذا ما يجعلهم يغضبون ويسحبون من صوتك جسمي ولهذا مرة ضحكتُ.. ضحكتُ حتى صرت جنينا مما جعل الجميع يضحكون من حبل سرّتي”.

ديوان لقمان محمود مكتوب بهشاشة تجبر كسر الهواء وبقسوة تربت على كتف الحنين, فيضحك أفق.

القمر البعيد من حريتي للشاعر لقمان محمود صادر عن دار سردم للطباعة والنشر.

جريدة الثورة

باسم سليمان

bassemsso@gmail.com

الخبر وجمرك المشاهد

فضائيات
الأربعاء 19-12-2012
باسم سليمان

تعادل صيغة « صُنع في..» صيغة « وكالة أخبار…» لضمان الجودة والمعيار وبعد الهزات الاقتصادية والقدرة على الفبركة بمصدر المادة المصنوعة والأهم نقل أصحاب لوغو» صنع في….»

معاملهم وشركاتهم لدول فقيرة لأسباب عديدة وإعطاء الترخيص لشركات أخرى انحدر مستوى الجودة والمعيار ونفس الشيء بعد تسرب الوثائق الذي أدى رفع السرية عنها إلى كشف أنّ وكالات الأخبار مصابة بنفس الخلل أو للحقيقة لا يوجد وكالة أخبار حيادية!؟.‏

تلفزيون الخبر‏

ظهر بخضم الأحداث السورية وبدأ يجد له مكانة مع غيره من مصادر الأخبار وبحكم طبيعته الاختصاصية الناتجة عن تعاطيه الحدث السياسي ومتابعته الدائمة على مدار الساعة جعله يأخذ قطعة لا بأس بها من فطيرة المشاهدين اللاهثين وراء صحة الخبر بأجراء مقارنات وتقويمات للذي يسمعونه وخاصة مع انفراط حبل المصداقية الواهي الذي تفشى بعد ما يُسمى الربيع العربي لدرجة أن كل خبر هو بمثابة إطلاق نار.‏

المصدر من قلب الحدث‏

لم تعد صناعة الخبر, يملكها أحد وخاصة مع وتيرة الأحداث المتسارعة ورأينا ذلك بوكالات كانت تعد خبرها بالشوكة والسكينة والآن انتقلت للأخبار الوجبات السريعة حيث المشاهد أو ما يمكن تسميته بالناشط سواء الممتهن أو حتى العابر إذ برسالة صغيرة سواء sms أو عبر صفات التواصل الاجتماعي, ينفل ما جرى أمامه ورغم عيوب هذا الأسلوب فأنه لا يتجاوز عيوب خبر الشوكة والسكينة الذي أثبت التاريخ أنه أشد مكرا وخداعا من أخبار الوجبات السريعة, فخبر الشوكة والسكينة قد تمر عقود لا يتم كشف زوره في حين خبر الوجبة السريعة لا يصمد ساعات وعلى ضوء ما سبق يبدو أن تلفزيون الخبر يمسك العصا من المنتصف وفي هذا ما يمكن الثناء عليه.‏

الأقطاب الثلاثة‏

لا يكتفي تلفزيون الخبر بشريط عاجل واحد في أسفل الشاشة بل هناك واحد في الأعلى وما بينهما يوجد خبر مفصل يرتاح من العجالة وهذا يؤمن تنقل سلسل, حسب رغبة المتابع بالإضافة إلى الدعاية والخبر المنوع من فن إلى علمي ورياضي.‏

ولكن أين الخبر!؟‏

هذا الاستفهام ليس مخصصاً بتلفزيون الخبر لوحده بل بكل مصادر الأخبار, إذ في زحمة الدفق الإخباري, تصبح سخرية المقولة التالية « الكلام ليس عليه جمرك» منطبقة على وكالات الأخبار العالمية, فمن هي الجهة التي ستجمرك الخبر, لا يبدو أن هناك جهة مع ثورة الاتصالات, من ناحية هذا فيه الخير ومن ناحية فيه الكثير من الهرمونات الصناعية الضارة جداً ومن هنا نستطيع أن تلفزيون الخبر يسعى جاهداً لتحقيق التوازن لأن المشاهد في النهاية هو من يجمرك الكلام ومن ثم يسقط تلك الجهة الإخبارية من مصادر تلقيه الخبر.‏

الحياة حفلة أقنعة

كتب الأربعاء 12-12-2012 باسم سليمان

يقول لاروشفكو: لولا الروايات ما تعلمنا الحبّ وبعيداً عن نفسانية فرويد التي تجد في المكبوت جذر الرغبة علينا أن نقارب الرغبة من مثلثها الذي تكلم فيه رينيه جيرار,

فالرغبة تتكون من راغب وموضوع الرغبة والمنافس أو النموذج , فالراغب لا يعي موضوع رغبته أو يظل جاهلا له حتى يجد بالنموذج ما يعلمه كيفية التعامل مع هذه الرغبة.‏

لم تكن زينة الأرملة لتسأل نفسها, سؤال الحبّ رغم تلك السنوات التي جمعتها مع زوجها رامي, سنوات باردة مملوءة بالجفاف لولا أنها وجدت في تركة زوجها ما يدل بشكل قاطع على وجود عشيقة أخرى. تناست أو عدلت من غضبها لتصبه على تلك العشيقة, لتصبح منافسة لها على ذكرى رجل ميت.‏

رسائل العاشقة التي تنضح بحب لم تعرفه يوماً زينة ولم تتصور أن زوجها يعيشه, هذا الزوج سليل عائلة العدايبه الصعيدية التي ترغب بتسلق الطبقات الاجتماعية أسوة بغيرها, مظهرة جانباً كبيراً من الالتزام بالتقاليد ليصبج الحبّ فيها عبارة عن مناسبة اجتماعية لا أثر فيها للحميمية والخصوصية.‏

هدية, هي العشيقة, محظية أخرى كما تسمي نفسها وسليلة محظيات أخريات, عاشت مع رامي قصة عشق صارخة انتهت إلى البُعاد, لتظهر رسائلها ألمها وشوقها وحبها لهذا الرامي قبل زواجه من زينة.‏

رامي, العشيق لهدية والزوج لزينة فارق الحياة, سرّ كبير كان, لم تعرف عن زينة أي شيء ومكشوف لهدية لكن هذا الكشف لا يؤدي لحل, إذا تكشف رسائله لها, كيف أنه هو ضحية عادات وتقاليد هرب منها إليها بزواجه بقريبته زينة, ليؤسس جيلاً من العدايبه, يشبهه.‏

ثلاث ضحايا بنظرة حيادية, كل منهم ضحية لسبب؛ زينة ضحية هدية وهدية ضحية جبن رامي ورامي ضحية مجتمعه ولكن ليست هذه قضية الرواية التي كتبتها سعاد سليمان والمسماة « آخر المحظيات».‏

تعلم الحبّ:‏

كان الحبّ لزينة في أن تكون تلك الزوجة المطيعة الصامتة الجاهزة لتلبية طلبات زوجها وكأنها آلة مصمتة مكونة من معدن؛ في حين كان هدية العشيقة تمور بالحياة وتتفتح مع رامي لحظات السعادة ومع اكتشاف رسائل هدية لرامي, تتعلم زينة الحبّ الذي فاتها مع زوجها في الحياة ورغم رفضها لمنافستها إلا أنها مع كلمة تقرأها في رسائلها تتمنى أن لو أنها عاشتها, هكذا ينمو حبها وينمو غضبها وحقدها تجاه الزوج المتوفي حتى أنها تقرر أن تخرج من لباس الأرملة وتنطلق للحياة, فالحبّ الذي اكتشفته ولو كان لرجل ميت, دفعها لمقاربة الحياة التي عاشتها وستعيشها بسؤال جديد, أخيراً وجدت الجواب عن سؤال الكابوس الذي يطاردها بأن ترى زوجها في قبره تتوسده أنثى أخرى, أنها هدية وفي قرارة نفسها تتمنى أن تكونها وما المانع أن تكون من هذه اللحظة وبعدها.‏

إن قراءة رسائل هدية وتمثلها لها, جعلت من زينة تتذوق الحبّ بطريقة صحيحة هكذا تتكشف لنا مقولة لاروشفكو وبنفس الوقت نظرية رينيه جيرار عن الرغبة المحاكية التي تصنع شخصية الإنسان.‏

الحياة حفلة أقنعة متى تدق فيها الساعة الثانية عشر:‏

حاولت هدية أن تنزع قناع المحظية أن تخرج من نعت النزوة إلى صفة الزوجة لكنها لم تستطع, وكأن المجتمع يصرّ على تصنيفه هذا. جهدت زينة أن تلبس قناع الزوجة كما فرضه المجتمع لكن الزوج نفر منها وذهب لمحظيته. لعب رامي بأقنعته في حفلة الحياة بين نعت النزوة وصفة الزوج فصار شخصاً هلاميا لا يستقر على حال يجتر فرحه ويعسر بحزنه.‏

لكن موت رامي, يدفع زينة للذهاب لآخر هذه المعادلة أن تكشف كل الأقنعة, فتسرد حكايتها ومع كل كلمة تخطها, تتضح فسيفساء الكابوس الذي يقض مضجعها, فتحمل أشياء زوجها وتذهب للمقبرة وتنثر تلك الرسائل والذكريات, فترى هدية تلتحف رامي في القبر.‏

هكذا تنتهي الرواية وعبر الحبّ الذي تعلمته من هدية, تجمع ذكريات رامي وهدية لبعضها البعض, تنتقم لهدية وتنقلها لصفة الزوجة, تخلع رامي الذي لم يبحث عن جوهرها الذي ظلّ صامتاً ورغم حزنها تتصلب وتمضي لكنها الآن بصفة جديدة لا نعت النزوة يرضيها ولا أن تكون محظية ولا أن تكون الزوجة التي تشبه قطع الأثاث بل الأنثى التي اكتشفت الحبّ وبه ستعيش حياتها حتى لو كان لذكريات رجل ميت, ليس بصمت بل بصوت صائت قد يدفعها لحب جديد.‏

السؤال قديم وإجابته دوماً تتجدد:‏

إنه سؤال المرأة في المجتمع الشرقي وعلاقتها بذكورية هذا المجتمع وبين مثنى وثلاث وملك اليمين على المرأة أن تصرخ كفى بوجه نفسها وبوجه ذكورية هذا المجتمع.‏

آخر المحظيات رواية سلسلة التذوق, لغتها بسيطة وحلوة الحركة, تأخذ خطاً أفقيا في تعاطيها مع الحدث, ورغم عدم غوصها في جذور الأحداث ومقاربتها البسيطة لها إلا أنها لم تضل البوصلة ولن تزعج القارئ وتستحق القراءة.‏

آخر المحظيات للروائية سعاد سليمان ,صدرت عن دار الكتاب العربي, بيروت 2012‏

bassemsso@gmail.com

ضمن قنوات العائلة المفضلة…!!

فضائيات الأربعاء 12-12-2012 باسم سليمان

قد تكون من أبسط الصيغ الميديوية ولكنها أخذت حيزاً لا بأس به من المشاهدين؛ إذ تجمع المكتوب إلى المرئي وكأن المشاهد أمام مجلة مصورة. تعددت أهدافها من سياسية إلى اجتماعية والآن طبية وغير ذلك, فهي لا تحتاج إلا لكادر عمل بسيط ليقوم بإخراجها على الشاشة.

الطبية السورية‏

من ضمن القنوات التي ظهرت في الوسط الإعلامي السوري, تعتمد شاشة غير معقدة, فتأخذ جل حجم الشاشة ما يمكن تسميته بالمعلومة أو النصيحة الطبية, تقدم بها معلومات ميسرة عن حالة مرضية أو إجابة عن سؤال شائع لكن يحمل من اللغط كالسؤال عن ضرر اللقاحات التي تعطى للأطفال وتستضيف طبيباً مختصاً بمجال ما إلى جانب حواره مع المقدم, يتم الاتصال به من قبل المستمعين ليقدم لهم إجابة عن استشارات وأسئلة طبية.‏

في أسفل الشاشة هناك شريطان؛ يعتمدان من أجل الدعاية لمنتج ما, كحبوب التنحيف مثلاً أو معلومات دعائية عن طبيب أو مركز طبي قد افتتح مؤخراً والأسئلة المطروحة من قبل المشاهدين عبر رسائل SMS ليتم الإجابة عليها لاحقا.‏

وما سبق يتم تغليفه بجو غنائي سلسل.‏

أسئلة واستفسارات:‏

يتم سؤال الطبيب المتواجد على هواء القناة ليقدم استشارة طبية أو عن طريق سؤال في أسفل الشاشة وهنا لو حدث خطأ من قبل الطبيب أو القناة في تقديم الإجابة؛ من هو المسؤول وعلى من يرجع المشاهد السائل عند حدوث ذلك أم إن الأمر على عاتقه لأنه هو من سلك هذا الطريق!؟.‏

والشيء الثاني بالنسبة لدعايات أدوية التنحيف أو غيرها, فهل هي معتمدة ومصدق عليها من جهة طبية عليا أم إن الأمر هو تجارة!؟.‏

الموثوقية والعلمية‏

المجلات العلمية والطبية الرصينة تكون مسؤولة أمام جهات معنية فيما تنشره من بحوث, وعليه كثيراً ما يتم تداول معلومات طبية حتى بين الأطباء ذاتهم ويتضح خطؤها وعليه لا بد أن تذكر هذه القنوات أو تجد لنفسها جهة استشارية طبية موثوقة من أجل تأمين المعلومات التي تضعها على شاشتها وتذكرها دوما أو تنوه لطريقة الوصول إليها.‏

رد على ما سبق‏

في حال أن الاستفسارات والأسئلة والموثوقية والعلمية ليست في وارد هكذا قنوات والطبية السورية ضمنها وأنها أخلتْ نفسها من مسؤولية قد تترتب فيما بعد تكون هذه القناة وشبيهاتها من ضمن موجة ميديا الاستهلاك التي تعمل بجوهر تجاري ملبس بالنصيحة الطبية !؟.‏

ولكن يجب القول: إنها قناة يجب أن تكون ضمن مجموعة قنوات العائلة المفضلة.‏

فسيفساء الموت في رواية قتلة

ينحو التاريخ إلى التفسير في حين تنحو الرواية إلى التأويل إي الخروج عن المعنى الظاهر إلى معنى آخر لسبب ما وهذا السبب هو المحرك السحري لكل سرد روائي؛ ففعل السرد بقدر ما هو خصيصة تلتصق بالكاتب كالجلد, ينازعه عليها كل شخصيات الرواية والسبب يعود في ذلك إلى مفعول الإقناع, فلا يمكن الاستمرار بمتابعة سرد دون الاقتناع به سواء من الكاتب أو الشخصيات والقناعة ليست قائمة على سبب ونتيجة بقدر ما تكون قائمة على حدس يتجلى كحل لمعضلة قد تكون بمستوى سؤال, الحياة والموت والوطن وغير ذلك.

عماد الغريب, الشخصية الرئيس في رواية ” قتلة” يقدم عبر سردية ذاكرته سواء الشخصية أو المجتمعية, دينية, سياسية؛ الأرض التي ستدور عليها أحداث الرواية ويجهد في لحظته الحاضرة لتعليل خياراته وانعطافاته من رجل على الهامش يكتفي بالتنظير وأكثره, أحلام يقظة إلى الفعل.

يقدم العراق, لحظة إعلان الجمهورية وما تبع ذلك, لحين سقوطه تحت سطوة الاحتلال الأمريكي وما تمخض عن هذا الوضع من جحيم يفتك بالعراق كبلد من خلال تحويل شعبه لقاتل أو مقتول عبر مشهدية صورية تضيف كل صورة قصصية يتضمنها السرد الروائي حجراً إلى المشهد الفسيفسائي الذي اعتمده لكي ينجز رؤيته عن العراق.

المعادل الموضوعي:

يبدو من خلال سردية عماد الغريب, كعجوز متقاعد وزوجة عاقر, ينتظر آخر كل شهر راتبه أنّه يحاول أن يسقط حال البلد عليه وكأن العراق في منظوره قد شاخ كبلد ولا بد من حلٍ يعيد له شبابه وينقذه من دوامة العنف السياسي والطائفي, لذلك كان قبوله عرض ديار وعبود بإنشاء منظمة تنظف البلد من القتلة والسفلة من كل جهة, عبر قتل القتلة وهكذا خطا خطوته الأولى, بأن قاد أبا حمدان لحتفه, لتخليص مدينته السيدية إحدى مناطق العاصمة بغداد من هذا الرجل الذي نكل ودمر حياة آسر كثيرة في بلدته وكأنه بذلك يستنسخ تاريخ العراق ورجالاته, بأنه له القدرة على الفعل النهائي في توجيه بوصلة هذا البلد نحو جادة الصواب ولكن تباعاً تتكشف الحقيقة ويظهر كل من صديقي الطفولة والشباب, ديار وعبود, بأنهما ينفذان خطة جهنمية لإبقاء البلد في بحيرة الدم.

هما العائدان من الخارج, وراء الدبابات الأمريكية؛ يهرب عماد الغريب وزوجته نحو الشمال, يتبعه عبود وشكرية العجوز الشمطاء, لكي يقتلوه بأمر من ديار بعد أن خرج على خطتتهم ورفضها وعند نقطة ما يقرر عماد العودة إلى منطقته حتى لو مات هناك.

تتجلى دلالات المعادل الموضوعي, بأن عماد هو الشخصية الرئيس وسارد الرواية مستبعداً صيغة الراوي العليم ومؤكداً جوهر القناعة المذكور أنفاً بأنّه يملك القدرة على الحلّ مع تقدم سرد الرواية أو ليمارس فعل الجلد الذاتي, مسقطاً إياه على بلده بعدما وجد بأن الجميع يتحمل المسؤولية فيما آلت إليه الأمور ولا يكون الحل إلا بالعودة والبناء الصحيح وهذا ما تركه معلقاً وكأنه يكفر عن ذنوبه التي أرتكبها لذلك توقف عند هذه النقطة الأخيرة وأوقف سرده عندها, بعدما اضطرته قافلة من المحتل الأمريكي ليتوقف وينتظر في الخلاء قدوم كل من عبود وشكرية أو يقع بين نار المهاجمين على قافلة الجيش الأمريكي ورد المحتل وهذه دلالة أخرى.

قفزات سردية ووصفية مقصودة:

من خلال السرد, تتعدد القفزات السردية حتى تستطيع القول أنها غير مدروسة وخاصة من فقر التبئير لها, ويتجلى ذلك بشخصيات عديدة, كشكرية وبلال وغسان وحمدان ابني أبي حمدان و الشيخ مؤيد وغيرهم, يدخلون ويخرجون ويؤثرون بحياة عماد, كذلك ضمن ردود الفعل التي يتخذها عماد ولكن ما ذكر, رغم أنه يظهر كسلب في البنية السردية إلا أنه يدعم رؤية عماد, فهو محور السرد وغيره مجرد هامش لمتنه وإلا لن نقتنع بقراره, أنْ يدخل منظمة القتل ولم نفهم ذكرياته المنتقات وإشاراته في سرديته التي تعمر بها فضاءات الرواية الزمنية والمكانية والأهم, هذه القفزات السردية لن تتضح شبكتها العنكبوتية الخفية إلا بإنهاء الرواية .

يرسم عماد محيطه المكاني بين ما كان وما هو كائن, فيظهر مقدار الدمار والموت على جلد مدينة بغداد, يقارن بين مكان وأخر وزمن وآخر, عبر لغة سهلة تشي بصدقية الانطباع وتأويليته وخاصة بعدما ترك له الروائي ضياء الخالدي الحرية والمسؤولية الكاملة, فهذه الحرية المعطاة من الكاتب مقصودة وداعمة لمفهوم التأويل المذكور سابقاً.

قتلة رواية ضياء الخالدي:

رواية سريعة الإيقاع, متوترة الإحداث, كحال الذاكرة وإشراقات الحدس ولحظة القتل, عندما تعتري أحدنا. أبعد نفسه عن تقديم يوتوبيا جوابية لكيفية الحل والوصول لبر السلام وما منحى غرائبية الطرح لجهة تلك المنظمة التي تريد قتل القتلة لتخليص البلد إلا تطرف مقصود يجابه به التطرف الذي يختطف البلد بكل نواحيها, مؤكداً ذلك في بداية روايته بقول لنيتشه كأنّه منارة تستهدي بها في خضم القراءة:” من ينازع وحوشاً يجب أن ينتبه جيداً ألا يتحول لوحش, فحين تطيل النظر لهاوية, تنظر إليك”.

رواية ممتعة, صادمة, انطباعية, قد تختلف مع الراوي في وجهة عرضه ولكن رغم الزوايا العديدة, فمازال القتل مستمراً وبحيرة الدم تتسع.رواية تقارب تاريخاً قريباً جداً للعراق يكاد يتخفى وراء اللحظة المتسربة إلى الماضي.

صدرت الرواية عن دار التنوير لعام 2012

باسم سليمان

الثورة

Bassemsso91@gmail.com

المسرح والعنف المؤسس

يقول فيلسوف التراجيديا هيراقليتس: العنف, هو أبوكم وأمّكم وقال أرسطو: إنّ المسرح تطهيري وكان اليونانيون, إن صحّ التعبير, يحتفظون ب” فارماكوس” وهذا يعني: السم والترياق في اللغة وفي الواقع هو عبارة عن شخص منبوذ, قد يكون إنسانا مصاباً بعاهة أو عبداً أو فقيراً مدقعاً أو ملكاً, فكثيراً ما تربط الجماعة الوفرة والشح بملوكها, يتميز أنّه له صفة المقطوع من شجرة أي لا يوجد من يطالب بدمه إنْ تم التضحية فيه عندما تحل كارثة, كزلزال أو طاعون أو عنف يتنامى ككرة الثلج , وبعد التضحية يعمّ الهدوء والسلام وعندما كتب سوفوكليس مسرحيته أوديب, هل كان يعالج موضوعة العنف بأشكاله العديدة وموضوعة “الفارماكوس” الأضحية القادرة على تهدئة العنف والكوارث المتأتية من ورائه؛ عادة ما ربط الإنسان الكوارث, كعقاب على أفعاله اللاأخلاقية ولكن قبل ذلك لنرى تشابه أوديب مع الفارماكوس؛ لقد نُبذ أوديب وهو صغير وطرح لكي يموت إثر نبوءة تقول لأبيه: إن ولدك سيقتلك وسيحل بدلاً منك في فراش الزوجية وهكذا يكبر أوديب ويقتل أباه ويتزوج أمّه جوكاستا بعد أن صار ملك “طيبة” إذ قتل “السفنكس” الذي كان يعتدي على مدينة ” طيبة” وهو لا يعرف, أنّ لايوس أبوه وجوكاستا أمّه وهنا لن نتنبه لفارماكسية أوديب وصحتها قبل أن نتبين جوهر العنف.

أهمّ صفة للعنف أنه يقضي على التمايزات والاختلافات في الجماعة, أي تصبح الجماعة عدوة نفسها وعدوة أفرادها, فتنتهك التمايزات ويعتدي الأب على ابنه والأخ على أخيه وهكذا بشكل دراماتيكي يصيب كل بنيان الجماعة ويظهر ذلك في مرحلة تفكك العرى أو ظنون تفككها وقد سجل لنا التاريخ أن أول جريمة كانت أخوية الطابع وعليه, هل تصرف لايوس كان رؤية للعنف القادم ومحاولة لمنعه عبر نبذ أوديب ورميه ليموت في العراء وألا تكون عودة أوديب, إعادة الزمن للوراء لتقديم الأضحية المسكنة للعنف بعد أن استفحل ودمّر وقتل من طيبة الكثير, فالفارماكوس وإن كان منبوذاً, فله صفة تحت جماعية أو فوق جماعية أي أنّ العنف الذي شفّ للايوس كان يفترض فيه أن يكون هو ذاته ضحيته التي تُقدم ليهدأ وأنذر عبر وحي دلفي إن لم يفعل, سيحل محله ابنه بأقصى عقوبة ممكن أن تحصل, أن يقتل الولد أباه وأن يتضجع مع أمّه عبر سفاح أنتج فيما بعد بنات أوديب من ذات الرحم الذي خرج منه وعندما لم يفعل لايوس ما يوجب تهدئة العنف, استفحل حتى أتى على الجماعة كلها, فخطأ لايوس بأن حاول تهدئة العنف بأضحية غير مقبولة فالإبدال الذبائحي يجب أن يكون صحيحاً ومتوافقاً عليه من الجماعة كلها بأن تصبح الأضحية جاذبة للعنف وينتهي عندها كلّه.

قضى أوديب على السفنكس/ الطاعون الذي ضرب طيبة وأبعد كريون عن الزواج بجوكاستا وتصارع مع العراف تيرزياس الذي فضح النبذ الذي فيه وهنا لا بد من ذكر العنف المتبادل بين هؤلاء الثلاثة إلى أن تتكشف الحقائق ويغادر أوديب طيبة بعد أن سمل عينيه دون أن يتم تقديمه كأضحية, فأين الأضحية المسكنة للعنف لقد كانت لايوس لأن لايوس,بصفته كملك هو خارج الجماعة كالمنبوذ وكثيراً ما كانت التقاليد تقدم لنا عيداً تختلط فيه الأمور, فالملوك يصبحوا من أسافل القوم وأسافل القوم يعتلون العروش والنساء تتبدى بالذكورة والرجال تتبدى بالأنوثة في عيد ينتهي بأن يتم التضحية بالملك المزيف الذي يحل كأضحية بدلاً من الملك الحقيقي وهذا القلب ألا يشبه العنف حيث تضيع التمايزات بين أعضاء الجماعة ويختلط الحابل بالنابل والتبعات التي لحقت بطيبة كانت نتيجة لخرق لايوس الفاضح لموضوعة الفارماكوس وكان لابد من توضحيها, حيث أن قتل لايوس على يد ولده جرى دون طقوس ودون علم الجماعة أي أن الأضحية لم يتم الاتفاق عليها لهذا لم يهدأ العنف إلا بعد أن تكشفت الحقائق وتحققت النبوءة وسمل عيون أوديب كدلالة على عماء البصر والبصيرة الذي ورثه عن أبيه, فالفارماكوس هنا لم يكن مقطوع من شجرة أو لم تتم طقوس قطعه ونبذه سواء بعيد مجنون أو بشخص يعتبر من خارج الجماعة كأصحاب العاهات أو المتسولين, ليستطيع تهدئة العنف, فلا يصح أن نقول: إن أوديب كان الفارماكوس بل لايوس ولايوس ذاته يملك إجماعاً قبلياً بصفته الملوكية, فيصح عليه الإجماع اللاحق كأضحية والإبدال الذي جرى مع أوديب كان ناقصاً لذلك لم يهدأ العنف إلا بعد اكتشاف جريمة أوديب.

يحدث العنف عندما يتهرأ المجتمع وأمام هذه الحالة لا بد من توجيه العنف والشرّ نحو موضوع خارجي عن المجتمع يتم تحضيره ونبذه لكي يكون قادراً على تحمل تبعات العنف الحاصل ويطهر المجتمع من العنف الذي ارتكبه بحق عناصره كلها وهذا الموضوع هو عبارة عن أضحية, يتم توجيه الاتهام نحوها والعنف أيضاً, فالأضحية, هي بديل المتهم الذي هو المجتمع الذي مارس العنف بحق نفسه, وعند تعين الأضحية الخالصة يهدأ المجتمع ويتأسس من جديد في عقد اجتماعي وكأن العنف هو في أساس المجتمعات المنظمة وتتضح كلمة الفارماكوس, إذ هي السمّ والترياق بنفس الوقت وبالعودة لمسرحية أوديب تتكشف لنا موضوعة التطهير التي تكلم عنها أرسطو إذ المسرحية هي استعادة للعنف المدمر والعنف المؤسس الذي تقوم عليه المجتمعات وعند رؤيتها, يعاود المجتمع العيش ضمن أزمة العنف وكيفية حلّها, فيتقي حدوثها مرة أخرى؛ لذلك قال هيراقليتس: العنف هو أبوكم وأمّكم؛ أليس القانون هو عنف بحق.

جريدة البعث

باسم سليمان

ألوان تمشي على رؤوس أصابعها

في سيرة الشعر, إنْ صحّ المكر, وجهان؛ وجه, يحتكر الرؤية والرؤيا ووجه نبحث عنه, في زورق ابتسامة ووشم عطر وسفر كحلة العين, نتلمسه كعماء ديوجين في الوجوه العابرة, معه هرب المعنى من قلب الشاعر إلى قلوب القراء بل وأبعد ليلعب وحده بعيداً مع دلالة لا دال لها إلا طين البدء وروح النهاية.

فما سبق يدخلنا إلى نظرية التلقي وأنّ القارئ له في واد عبقر, جان مثله مثل الشاعر, فشعر اليوم وإنْ كان قاب قوسين أو أدنى, كذلك القارئ, قاب قوسين أو أعلى.

” كل ليلة/ أرسم حصانا على الجدار/أتراني/ أحلم بفروسية الغبار” هذا المقطع من ديوان ” متحف النوم”, يأخذنا العنوان كعتبة بدئية وإن كانت عنوان إحدى قصائد الديوان إلى أبواب شتى, تبتعد أو تقترب من مضمون القصيدة, فهذا لايهم! , لأن التلقي الأول للعنوان يصنع دلالاته الخاصة سواء تعارضت مع القصيدة الممهورة بالعنوان أو لا!؟, فالعتبة البدئية, تشرعن السؤال التالي: هل الأحلام, هي محتويات, متحف النوم, أم إن النوم بذاته قد قدُم كأي آلة أخرجها التطور من سياق الحياة واستبدلها, فنقلت للمتحف للذكرى وأنّ النوم, هو طلل لهؤلاء المستيقظين أبدا, المسرنمين!؟ والنوم, أليس هو الوفاة الصغرى, استعارة للموت الأكبر الذي تعقبه القيامة وأيضاً, النوم حالة برزخية بين كبت الفيزيق وتحقق رغبة مكبوتة في ميتافيزيق الحلم!؟ والحلم أليس هو الرشد والعقل!؟؛ فمما سبق يقودنا عنوان الديوان إلى المقطع الذي ذكر أعلاه إلى المقطع الذي يليه” كلما أسندت رأسي/إلى جدار/ تذكرت رصانة/ ما وراء المعنى” وهما من القصيدة الثانية في الديوان بعنوان” عنّي… ربما” في حين تأتي قصيدة ” متحف النوم” فيما بعد بكثير, هكذا يصبح المعنى قبضة ملح في نهر هيراقليتس.

ألوان تمشي على رؤوس أصابعها:

يكتب عبود الجابري, بلغة في طرفها حور, مما قاد صوره إلى رقة وخفة وحزن شفيف, تتخللها المعاني كظلال لأشجار على جانبي طريق, فإن أردت أن تستظل, بظل ما, ترفع رأسك لترى شجرة, تمسك بيد ظلها حتى تحتضن جزعها ” هناك ألف سبب/ لتبتسم لصورتك بالمرآة/ أهمّها: إن المرآة لم تكتشف موتك بعد” ” هو جدار أبيض/ جدار قديم/ ينوء بقلبه الطيني اليابس/ اكتبي عليه اسمك فقط/ ولا تثقلي كاهله بالمسامير” .

أحوال منصوبة على قدم وساق:

هل لنا أن نستعير من الرواية مصطلح الراوي من الداخل أم مصطلح الراوي العليم, لنطبقها على الخطاب الشعري ونتكلم في المخاطِب والمخاطَب أم نعفّ عن ذلك ونستبعد هذه الصيغ, فماء الشعر غير ماء الرواية وإن كانت من ذات الغيمة!؟؛ لاريب أنّ الشعر هو أكثر أنواع الخطاب نرجسية على الإطلاق وإنْ اظهر خطابه إلى آخر, ظاهر أو مضمر من وطن أو حبيبة أو صديق أو حتى ذاته, فغيمة الشعر تمطر ذاتها, وإن تقمصت أرضاً أو تفجرت عيوناً أو سراباً وهنا نعود لبداية القول عن شعر يسد مسد الرؤية والرؤيا كتعبير أوحد, كثير وشعر كثير, أوحد وبينهما يجري الشعراء يتأبطون ذاتهم المتشظية في حيوات العناصر الأربعة, في الأول يجري القارئ وراء الشاعر وفي الثاني يحاذي خطواته خطوة, خطوة وبين هذا وذاك يبقى الحكم  للشاعر والقارئ معاً.

متحف النوم, ديوان الشاعر عبود الجابري, ديوان مشغول بإحساس جميل, تارة تعلو قممه وتارة تتعمق وديانه ونختم من الديوان: في سبيله/ للخلاص من اللغة الصدئة/ يكتب على دفتر النوم العميق/ ويحلم بحروف/ تسيل من الحلم/ ربما لن يقرأه أحد/ وربما لن يستطيع قراءة أحلامه/ حين تندغم المنامات في الليل/ أو على قارعة الطريق/ وتغدو قصائده كتبا من النوم المعبأ بالأحلام/ نؤوم شجاع / ينام عند حد الوردة / ويحلم بمقتل أعدائه.

صادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع لعام 2012

جريدة الثورة/ كتب

باسم سليمان

Bassemsso91@gmail.com                         

أدب الطفل بين الواقع والطموح

أدب الأطفال, مصطلح بدأ بعد اختراع المطبعة, أول من اعتنى به نظرياً ونظّر له جان جاك روسو ونادى بأن الطفل شخصية مستقلة وأول تسجيل لحكايا خصصت للطفل كانت على يد الشاعر تشارلز بيرو في القرن السابع عشر وبعدها تنامت القصة حتى وصلنا إلى رولينغ وقصتها هاري بوتر التي باعت بالملايين وكالعادة تأخر الطفل العربي حتى تُفتح له هذه النافذة, فأدخل الطهطاوي قصص الأطفال في منهاج التعليم وكتب شوقي شعراً وقصصاً لكنّه لم يستمر وإن دعا للكتابة له حتى أن كامل كيلاني أحد الرواد في الكتابة للأطفال أخفى عن الحاصل على جائزة نوبل أنه يكتب قصصاً للأطفال خوفاً من السخرية!؟.

الطفل وأدبه:

مع تنامي الاهتمام بقصص الأطفال منذ القرن التاسع عشر مع شوقي والرائد الأول محمد الهراوي ” 1885- 1939″ ومن بعده كامل كيلاني, فقد وضع الأول اللبنات الأولى لأدب الأطفال, فكتب ” سمير للأطفال البنين” و” سمير للأطفال البنات” وكذلك فعل كيلاني إذ خصص لكل فئة عمري, نوعاً ومضموناً من القص والشعر.

حدث هذا نتيجة الانفتاح على الغرب ومؤسساته واستقدام أساليب التربية الأجنبية ونشاطات الهيئات العالمية والترجمة وتبع مصر في ذلك لبنان وجاءت سوريا متأخرة قليلاً, فكان سليمان العيسى وزكريا تامر وعادل أبو شنب وغيرهم.

وأمام هذا النتاج بدأ النقد يقارب أدب الأطفال ويدرسه ويضع سماته ويميزه عن أدب الكبار إن صح القول.

فالقصة أو الشعر هي بنية سردية: تتألف من الراوي ,المروي والمروي له وإذ عرّف جان موكاروفسكي الأثر الفني بأنه بنية, نظام من العناصر المحققة فنياً والموضوعة تراتبياً تجمع بينها سيادة عنصر معين على بقية العناصر؛ فالتالي العنصر المتحكم بأدب الأطفال , هو الطفل, فالأديب عليه أن يحسب حسابه على صعيد اللغة, فتكون لغته واضحة, سهلة, بسيطة شفافة, تناسب تطور فهم الطفل وعمره ومدركاته, فلغة طفل السابعة تختلف عن لغة طفل العاشرة وهنا صار من الضروري عند كتابة القصة أو الشعر أو الأغنية والمسرحية أن يؤخذ بالحسبان ذلك وإن اضطر الكاتب لضرورات معينه, فلا يمنع من أن يشرح بعض الكلمات وأيضاً أن يؤخذ بالحسبان أن تكون الدلالة قريبة المتناول واضحة المعنى لأن الطفل يتوه عندما تتعقد الدلالات ولا بد من القول, إن أدب الطفل في العالم قد توضحت لديه هذه الخاصية أي التميز الواضح مع المعاجم والمرشدات التي تساعد الأديب على أن تكون لغته قريبة من متناول فهم الطفل ولحظ غياب ذلك لدينا وهنا على الكاتب أن يستند للكتب المدرسية لتساعده في اختيار لغته التي تحمل الحكاية للطفل.

الزمن وهنا يجب أن يكون الزمن خطياً ومتتابعاً وإن حدث خطف للخلف أو قفز للمستقبل أن يبين بوضوح ذلك لكي لا تشتكل على الطفل الأزمنة وعادة ما يكون أسلوب الراوي العليم هو الأنسب لذلك لأن درجة التبئير, تكون صفراَ مما يسهل للطفل أن يتلقف المادة الحكائية بمتعة وفائدة.

المروي أو موضوع القصة, وهنا ندخل في الفواعل المحركة للموضوع من شخصيات وفضاءات مكانية وزمانية, فالشخصيات يجب أن تكون واضحة, فالخير خير والشر شر لأن معرفة الطفل للاعتمالات النفسية والمحركات الباطنية للشخصية تكون على قدره وعلى نهجه في الواقع, فعادة ما يكون الثعلب ماكراً والعصفور خيراً وهكذا, فالشخصيات المحببة للطفل, مثلاً لطفل السادسة الحيوانات وفي العاشرة أمثاله وفوق ذلك المثل من أبطال ومغامرين .

 وبالنسبة للمكان الأفضل أن يكون من بيئته ومحيطه لأن المعرفة المبثوثة في القصة أو الشعر تكون طيعة له ومحبذة جداً, فيستفيد منها ويتمتع ويتعلم وتنمو مداركه المعرفية والخيالية.

الراوي وهو الراوي العليم لأنه مصدر المعرفة, فهو من خلال سرده ومعرفته بالبداية والنهاية يقود تسلسل الحدث القصصي أو الشعري من البساطة إلى ذروة الحبكة ومن ثم الخاتمة السعيدة.

إشارات استفهام وتعجب:

يغدو طفل اليوم مختلفاً كلياً عن طفل البارحة وخاصة لتوفر التعليم ووسائل المساعدة بداية بالأهل وانتهاء بالتلفزيون, فالطفل صار أكثر إدراكاً للغة وللتخيّل والمحاكاة بل القدرة على اجتراح الحلول وطرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة, فهل من المعقول بأن يقدم له الشرير هو القبيح والخير هو الجميل في حين يرى في واقعه ما يعاكس ذلك وهل من الطبيعي أن قصصاً وشعراً ومسرحيات كتبت في بداية ومنتصف القرن المنصرم صالحة لطفل الألفية الثالثة!؟ وهل يبقى مذهب الراوي العليم ودرجة التبئير صفر وغير ذلك مما ساد أدب الطفل وعدم اللعب بالأزمنة والأمكنة وكأن طفل اليوم مازال يقول بأن الأرض مسطحة وكلنا يعلم أن الطفل الآن يدرك الكثير من المعارف التي فاتت وخفيت عن  رجالات الماضي!؟.

 عبر وحكم وأمثولات:

أدب الطفل هو أدب تعليمي وأكثر, نستطيع أن نقول من خلاله الكثير من القضايا التي عادة ما يكون فيها الخطاب المباشر للطفل مملاً له ومنفراً, فالطفل يرى بأدبه نوعاً من اللعب الحر وتجربة ملكاته في القراءة والخيال والمغامرة والمحاكاة ويجب في كل كتابة أن تأخذ بحسابه ذلك لأن الطفل عادة ما يأتي لأدبه لأنه يريد الراحة والمتعة والتعلم بعيداً عن إلزامية العلم المدرسي.

البني الحكائية في ألأدب الأطفال العربي الحديث:

قسم المؤلف د. موفق رياض مقدادي كتابه إلى عدة أقسام عالج فيها موضوعة أدب الطفل بالاعتماد على أساليب النقد الحديثة معرفاً بتاريخ أدب الطفل وخاصة في الوطن العربي ذاكراً أعلامه ومقطوعات مما كتبوا مناقشاً أيها وناقداً لها مقدماً دراسة عملية ونظرية في نفس الوقت تناولت بنية أدب الطفل وسماته وخصائصه  ونوعه من شعر ونثر وقص ومسرح وجماليات اللغة والأسلوب الأمثل للكتابة بها , محدداً أيضا شخصية الراوي وأسلوبه وموضوع الحكاية التي تكتب للأطفال ومواضيعها ومصادرها والنواحي النفسية المتوقعة منها في المتعة والمعرفة والفائدة وغير ذلك, فالكتاب ينضم للعدد القليل الذي عُني بموضوعة الطفل ويعتبر رافداً مهماً للمكتبة العربية والباحث والأديب.

لا ريب أن الواقع يشي بالكثير من التقصير وخاصة بالقياس للذي يحققه العالم في أدب الطفل ولكن لا بد من القول أن ما حقق في بلاد يقرأ مواطنها ما يعادل ربع ورقة سنوية, هو كثير وطامح جداً.

ونختم بهذه المقطوعة للشاعر سليمان العيسى:

وصرخ الصغير بالحملان/ إلي يا رفاقي الشجعان/ إلي يا أحبائي الشجعان/ في لمحة…. تجمع الرفاق/ وكلهم خناجر رقاق/ فتاكة الرؤوس/ انقض الشجعان/ طعنوا, طعنوا الذئب الأغبر.

الكتاب صادر عن عالم المعرفة لعام 2012

جريدة الثورة

باسم سليمان

Bassemsso91@gmail.com

حفيد السندباد في الهند

كما يقول كونديرا: إن المصادفات هي ما يصنع الحياة, كذلك فعلتْ دعوة من الشاعر خالد الراشد إلى الصحفي والروائي وارد بدر السالم إلى أن يكتب أدباً في الرحلة, رحلته إلى جبال همالايا وقادته بالضرورة للتفكر والتأمل بهذا البلد الذي يسمى الهند وأمّه البقرة, فيحمل بلده العراق على كاهله ويمشي معه في ظلّه ابنه علي, يقودهما السائق راكيش بسيارته الصغيرة وبصلواته التي يوجهها لآلهة تزيد عن العدّ, تجدها عند كل منحنى أو فسحة بطريقة تشعر أن الفتق الذي فصل السماء عن الأرض لم يحدث في الهند, فهناك تتمازج الآلهة والبشر بقرب كأنّه حبل الوريد.

لم يكن كتابه, توثيقاً ولا وصفاً بل استنطاق لذاته التي عرجتْ من نيودلهي إلى منابع نهر بيئاس وجبل روتانا في سلسلة همالايا, عبر ظاهراتية تؤكد أنه لا ذات دون موضوع ولا موضوع دون ذات.

وريث السندباد:

بلد غاندي ومسيرة الملح التي تضرب جذورها في ما قبل التاريخ, هي حيث جمهورية الفقرة الديمقراطية والمالكة للقدرة النووية والقرود الطائرة والكلاب التي تتزوج صغيرات كنوع من الحرز يدفع عنهن السوء وأن تجتمع قرية لتحتفل بزواج حمار وأتان ليسقط المطر, حيث تصبح سحرية ماركيز في هذا البلد أمراً يدعو للتهكم.

وكما السندباد كان في كل أسفاره البعيدة يقصد العراق كان السالم:” لم أستطع تجاوز محنة الوطن وأنا معلق في القمم الشاهقة مع الهندوس صاعداً معهم  إلى سماء غريبة ، ولم يستطع قلمي أن يخط حرفاً في رقعة الجمال الهندي الأثير إلا وتناثرت بين أصابعي قطرات الدماء وصرخت في وجهي محنة الأمهات ولوعة الأطفال واحتباس الصرخات في حناجر الضحايا المغدورين الذين ملؤوا العراق بنهرٍ ثالث من الدماء.”

هذه المقارنة جعلت من أدب الرحلة يبتعد عن الحيادية أو النظرة المسبقة وسلمته للمغامرة والاكتشاف والمقارنة والفرح والألم, فعين الرحّالة وصوره عن بلده التي ظهرها في غرفة مظلمة من حاضر بلده الذي تتقاسمه الويلات بديمقراطية, أتتْ على ظهر الدبابة الأمريكية, ومن منطقة خضراء ليس فيها من الخضرة إلا رمزية باهتة لسلام تحرسه بنادق المارينز الأمريكي يُحكم من خلالها؛ خرجتْ للضوء متلبسة جمال الهند وروحانيتها المختلفة المضمخة بالبهارات, المملوءة بالغرابة والحياة والدهشة حتى آخر نفس تحبسه وأنت تتسلق بسيارة تكاد لا تظهر في عظمة جبال همالايا وتنحدر تحتها وديان عميق وقاسية.

بلد يتقاسمه الهندوس والسيخ والبوذيون والمسلمون والفيلة والقرود والتكنولوجيا والفقر المدقع والهوت ميل وطاغور وصلّه الثقفي لينشر به الإسلام وحج إليه بوذا وبنى فيه المغول تاج محل وجرى على جسده نهرا السند والغانغ وترتفع به قمة إفرست مخلفة الغيوم تحتها.

مطره دائم وخضاره دائم, تترك البعوض والذباب في السهول والملايين من البشر السمر ليتلقفك الثلج في الأعالي, ليله يتصل بنهاره, فكلّ يسعى لمستقر, لا جنة ولا نار فيه بل حسنات وسيئات ترتب نتائجها في دورة يقدرها الإله شيفا. هناك تُوقف بقرة الزمن والمكان ويحركه قرد.

المعراج:

ساعات طوال قضاها الرحالة, تستلمه شجرة بحضنها لترميه ببحيرة ويطير مع رف من الطواويس إلى ظهر جاموس ينوء بأحماله, فتتداعى لذاكرته معدان العراق هذا الجاموس الذي يرفل بأغوار العراق وكيف أن أحدهم ضاعتْ بوصلته في اختلاط وضياع الرؤيا في التسعينات من القرن المنصرم, فاعتبر معدان العراق استجلب من الهند في حين هو ضارب بطين الرافدين.

يدخل السالم في جغرافيا المكان وتاريخه لكن من خلال لحظة الآن التي يحملّها رؤاه, فتشتكل مع رؤيته منتجة مزيجاً من السرد الرحلي الذي لا تغيب عنه الأقصوصة وحتى الرواية بمكان ما والشعر, فتحمل اللغة عبء الصورة وتنجح بإنتاج صور متحركة, تجعلك جالساً في محجر عيني وارد وأنت تراقب عرضاً بديعاً لبلد يدعى الهند.

يمر السالم بمدن وقرى وجبال ووديان وسهول, مسجلاً أحاسيسه ومشاعره, بطريقة ذكية, فلا يضيع بالتفاصيل ولا تأخذه العموميات, فهو يعلم إن أدب الرحلة النادر في بلاد العرب وإن عرفه تاريخهم وخلده ابن بطوطة, قد أصابه الفقر رغم النفط والغاز الذي نصدره خاماً و الخام سيرة الجاهل, لذلك عمل على تصنيعه بطريقة تجعل القارئ يتذوقه ويحبه ويفتح له باباً في غاياته القرائية.

وأدب الرحلة فيه من السيرة الذاتية الكثير وعليه يبث الكِتاب الكثير من دواخل الكاتب وارد بدر السالم, فنتعرف على مشاعره وعواطفه وأفكاره ورؤاه, بطريقة بعيدة عن المباشرة إذ تجدها متآلفة مع المكان الذي تجوسه عيناه ويستنشق أنفه رائحته وتلتقط أذناه كل نائمة تهمس به هذه البلاد التي تمشي بهدوء.

الهندوس يطرقون باب السماء, رحلة إلى جبال همالايا الهندية:

نستطيع أن نقول: إنه الأول الذي قارب بلاد الهند التي جاءتنا من قبل عبر كتب التاريخ وحاضراً عبر بوليود وأفلامها وعمالتها الرخيصة التي تملأ الخليج العربي وشاعرها طاغور صاحب نوبل وغانديها مؤسس الثورات السلمية قاطعاً على العنف طريقه والأم تيريزا ولكن مع وارد اختلفت الصورة واغتنت حتى تكاد تقول: هذه ليست الهند التي كنت أعرفها عبر ما سبق بل التي زرتها وبين المعرفة النظرية والمعرفة العيانية الفرق كبير, بالتأكيد تقصر هذه المقاربة عن الإلمام بفروقاتها.

ممتعة القراءة وغنية بالمعرفة الحسية والشعورية والمفهومية, كتاب يشكل حجرة زاوية في أدب الرحلات في زمن الحاضر العربي.

ونختم بهذا المقطع :

 إقليم النساء الجميلات

عندما تغيب نجوم الصباح في سماء الهند ، فإنها تظهر في البنجاب ولكن بشكل صبايا ونساء !.

هكذا قال السائق راكيش بلغة إنكليزية ليُظهر لي مودة من نوع خاص أو يُلفت نظري إلى حقيقة غائبة عني ، قالها مع انهمار المطر الذي غسل الشوارع والأرصفة ، فتكشفت المدينة ، ونحن ندلف إليها ، عن سر من أسرارها الجميلة حين لاحت الأثواب الهندية المزركشة بالألوان كلها على قاماتٍ باسقة ووجوه مغسولة بالعنبر الهندي وفاحت رائحة الغابة التي تحتضن المدينة وكأنها خرجت من عيون  النساء وأثداء الصبايا الذاهبات إلى المدارس المستدقة على شلالات الصبح البهيج ، ومع أنني لم أرهنّ على وجه اليقين والدقة والوضوح، إلا أنهنّ ، كما يقال وكما لمحتُ وأنا منذهلٌ  بسحر الطبيعة أولاً وأخيراً ، من أجمل نساء الهند قاطبة وأن جميلات الأفلام الهندية بنجابيات الهوى  والنشأة  والغرام.

البنجابيات بيضاوات لم تلفحهن شمس تموز ولا اختمر برحي البصرة على خدودهنّ ، فبدونَ وكأنهنّ من أرزٍ مطحون وقد خالطهُ مسحوق الورد الأبيض الذي يتكاثر في رؤوسهنّ  .فكل شيء أمامهنّ صافٍ وجميلٌ ومدهشٌ وشاعري ، حتى  يخالُ الرائي  إنهنّ جزءٌ من الطبيعة وجزء من لوحة المكان.

تولد البنجابيات من زواج المطر بأشجار البلوط  : رشيقات يجري الرذاذ في عروقهنّ وتظلل رؤوسهنّ غيمات من هندباء جبلية وتستحي الشمس من أن تلامس صدورهنّ وعيونهنّ… يولدن بالفطرة ويعشنَ بالجمال ولا يمتنَ أبداً مادام الإله “شريغانيش”  يحرس عيونهنّ من النعاس ويدرأ عن رموشهنّ الغبار..  والبنجابية منهنّ عاشقةٌ بالسليقة وجميلةٌ بالغناء وبيضاء مثل الحليب لأنها لا ترى إلا شمسها التي وُلدت معها ؛ وهي شمس عجنتها حقول الأرز وباركتها الأمطار وحرستها غرانيق البحيرات الساكنة على أكتاف الغابات المتخمة بالأريج.

مَن يرُم الهيمالايا لابد أن يمر بإقليم البنجاب ولابد أن يخترق هذا الربيع الأزرق ويتبارك بالمطر المتقطع ويندفع الى أقصى الأحلام المفقودة ، بعد أن يستوعب صدمة الجمال وصدمة الطبيعة التي حباها الله  كل شيء.

البنجاب إقليم أفقي ، واسع ، تغطيه المزارع والغابات والشطوط والحقول ، ويزرع فيه كل شيء لا  أستطيع عدّه والوقوف عنده .فحقوله الخضراء تتخاصر مع الغابات  في مشهد عاطفي أخّاذ ، وبحيراته تُغرق حقول الأرز والقمح بحب عميق.

البنجابيون فلاحون بالولادة ، والأرض التي يسكنونها متفتحة على إخضرارٍ سرمدي يجمّلها نثيث المطر الذي لا ينقطع على مدار الصيف والربيع والشتاء والخريف ، وكأنما الطبيعة وُلدت من ذلك الزواج المثمر بين المطر وأشجار البلوط التي تمد قاماتها على كل الطريق الذاهب إلى الهمالايا .

ليست لي خبرة السياحي الجوّاب للآفاق والمدن والقصبات ، لكن هذه المدن والأقاليم ما أوجدت إلا لهذا الغرض الجميل ، وهي التي تدعو الآخرين إليها دونما عناء .

نساءٌ جميلاتٌ وغاباتٌ ربيعية وزروع تفيض على الأرض ومطر وغيومٌ وسحبٌ وطواويس وقرود منفلتة وصباحٌ مكتظٌّ  بالبشر وسياراتٌ  تتعاقب مع المِزَن الأولى ودراجات “الركشا” و”الأوتو” التي تختصر إشارات المرور وتدلف من أضيق الطرق ، وهي وحدها التي  يُستفاد منها  لرخص أجورها.

الهندوس يطرقون باب السماء, كتاب في أدب الرحلة للروائي وارد بدر السالم, طباعة ثانية صادر عن دار المدى 2012.

باسم سليمان

جريدة الثورة / كتب

Bassemsso91@gmail.com

الفتشينية الشعرية

أصبح الزائل واليومي كجوهر وما يُسمى الومضة في محاكاة باهتة لبيت الشعر العربي أو الهايكو, كشكل, يسودان الشعر اليوم, في أغلب نتاج شعراء الألفية الثالثة.

بالنسبة لليومي والزائل, فاستغراقهما للعمل الشعري ليس بذاته نقيصة بل استحضارهما كشبيه عن الأصل بحيث كل محايثة لهما, تدفعك لتذكر الأصل وهذا بدوره, يجعل النص الشعري الذي يقدمهما باهتاً بل مدعاة للتأفف من ضحالة الشاعر, فمقاربة قهوة الصباح أو فرشاة الأسنان عادة ما يأتي كتعداد أو كولاج لفكرة ملساء, لا تترك انطباعاً بيدك كما تترك الحجر الغشيم.

في حين, يجب أن تكون المقاربة, عندما تُشيئك الأشياء كمعادل ضدي, لأنسنتها من قبلك وهنا, كيف يرى اليومي والزائل الوجود من حوله؟ ولنقل, الإحساس الحقيقي, أنّ العمر, هو عمر فراشة فقط دون أثرها.

قلب النظرة هو ما يطيح بالأصل القائم على أنسنة الوجود الذي ساد في كل ما لا يحتفي باليومي والزائل, أي الخالد والخلود ليس أبدية بل ثبات قد يطول أو يقصر. وهذا القلب هو ما يعطي للزائل واليومي الانتقال من الشبه بالأصل إلى أصل بذاته وعندما يحدث ذلك, لا يعود الأصل السابق موجوداً ولا مضمراً, ولا يستدعيه حتى التناص بل يظهر كوجود, عذريته أصلية ولكن للأسف فالأنسنة وانتقالها لليومي والزائل جعل الاحتفاء به كجوهر في شعر اليوم يضعفه ويجعله كالبريد العشوائي في عالم النت.

ولناحية الشكل, دلالته الصارخة في عالم يقوم على التغير السريع, فالشكل الخارجي وقصره أيضاً ليس دلالة عيب إن كان بذاته ينطلق من اليومي والزائل, حيث يصبح تجلِ لنمطية المعرفة القائمة اليوم على ” 0-1″ كفتح وغلق, تتحدد بموجبها الكتابة الجديدة ولكن التمظهر هذا وإن أخذ شكل الكتابة التي اعتمدتها البشرية طويلاً, يضر بالقصر المطلوب, فهو ليس استنساخاً لبيت قائم بذاته ولا لضربة ريشة تشكل الزهور في قصيدة الهايكو بل يجب أن يكون منطلقه الشكلي قائم من حيثيات اليومي والزائل حيث لا عودة لموضوعة الثبات التي تم مناقشتها بموضوعة الجوهر, فعندما نتكلم عن مقبض الباب, يجب أن يفرض التعاطي مع مقبض الباب الشكل ولا يتسرع أن يٌظن أن نستنسخ شكله في الكتابة بل أن نستحضره كلحظة استعمال من خلال رؤية المقبض لليد التي ستقبض عليه والعين الناظرة له والإذن السامعة.

بعد هذه المقاربة, يجب التوقف عند ” الفتشينية” كحالة يتم بها الاستعاضة بالعرضي عن الأصل هكذا يصبح العقد أهم من العنق وتصبح الثياب أهم من الجسد بل يتم تغيب العنق والجسد لصالح الدلائل التي تدل عليهما ومن هذه ” الفتشينية ” نستطيع مقاربة الزائل واليومي وفق النقد السابق له كحالة أنسنة لا تشييء, لأن الحالة الفتشينية وإن كانت تستعيض بأشياء عن الأصل إلا أنها تبقي الأصل في خاطرها صريحاً أو مضمراً في حين التشييء في شعر اليومي والزائل يكمن في إظهار رؤية الوجود لك أي كظاهراتية معاكسة أو لنقل تحول الصدى لصوت أصل والصوت لصدى مرتد.

شعر اليوم أقرب لحالة فتشينية تدل بوضوح عن العطب الذي تمادى في روح الشاعر وعن عدم نجاحه في الفطام الثاني عن المجتمع, فشاعر الأمس تماهى مع دوره في حين شاعر اليوم, قاتل الآباء, تحول لبكاء على طلل الآباء لا غير, معيد إنتاج خلودهم بزائل ويومي عبر العرضي.

جريدة البعث

باسم سليمان

الرواية تاريخ الفرد

هل الرواية هي تاريخ الفرد والتاريخ هو رواية المؤرخ؟. سيبقى هذا السؤال معلقاً ولكن عندما يكتب الفرد تاريخه, فهو لا يوثق الحدث لا يكبل الحركة بل يترك تاريخه لملكة التخييل, مطلقاً فعل التداعي كنهر, مؤكداً أن التداعي نهر تستطيع أن تستحم بمائه عدة مرات, هكذا كانت شهرزاد, قادرة على أن تجعل صياح الديك عتبة, بداية ونهاية على مدى لياليها الألف وليلة دون سأم.

الجريمة رحم الوجود البشري, فلا مندوحة من أن تكون بداية تاريخ الفرد. ينطلق المحقق عزيز, من جريمة قتل حاكم ولاية زاغز, فيبني شجرته الحكائية من مذكرات بنت الحاكم أمينة, كمدعية على نفسها بجرم القتل وبما أن القاعدة تقول: الإثبات على من أدعى, كانت مذكراتها تجب قرينة الاعتراف الدامغة.

المذكرات ليست فعلاً كتابياً فقط بل أنها خدعة, عودة بالزمن, فيعود المحقق لطفولته, متلمساً يتمه ويقيس ظلّ نضوجه, في دروب مدينة زاغز وبنفس الوقت تتكشف المدينة التي قارعت الاحتلال الفرنسي و نمتْ في ظلّ حكومات الاستقلال ووقوعها ببراثن الفكر السلفي الإقصائي وكما كانت الأسباب البعيدة لجريمة البشرية الأولى اختصاماً في الملأ الأعلى, كذلك كان ياسين ابن حاكم زاغز, الذي انخرط في التيار السلفي لآخر نقطة السطر وابنته المتطلعة لزمن جديد, لا طبقات اجتماعية فيه ترتب الناس حسب معايير لا تمت للإنسانية بصلة, فتعشق ترج الله, مرتب خطب الحزب الحاكم وهو ابن الفقر والعائلات التي لا تملك تاريخاً بل تقتات على لحظتها التي تسقط من موائد العائلات التي احتكرت التاريخ؛ ياسين يجري قياساً بين الطين والنار وأمينة ترفض الأثر الرجعي لقانون جريمة البشرية الأولى, فهي لها الحق بأن تختار بعيداً عن ترتيبات التاريخ.

الرواية تاريخ الفرد:

فيكون, الراوي هو الشخصية الرئيسية, ليس له علم من خارج, بل علم الذاكرة ومحايثتها للحظة السرد الآنية وهنا أن كان الزمن بأبعاده, ملك يمينه إلا أن التقدم الأفقي يؤسس ويحدد الارتكازات للسرد الشاقولي, لينتج الخطي الذي يدفع المجهول نحو ضوء المعرفة, فيحقق السرد محاكاة الواقع بعين التخييل لأن التخييل غايته أن يصبح واقعاً, فلا يمكن تنفسه إلا إذا فاح كالعطر متخللاً الهواء.

وعبر هذه الآلية أستطاع الروائي خليل خشلاف إنجاز سرديته مستحماً بماء الذاكرة بين ضفتي الحاضر والمستقبل, بطريقة تشابكية مع سرديات / تاريخ الشخصيات الأخرى في الرواية, فسرد أمينة عبر مذكراتها وعلاقاته في محيطه عبر نساء عرفهن ورئيسه في العمل وقصة حاكم زاغز وذكريات طفولته, مكنته من نسج جغرافية وتاريخ المدينة/ الرواية بطريقة جميلة تشبع نهم القارئ لصياح ديك شهرزاد إذ بصياح الديك يرتفع سمت التشويق لأعلى مستوياته.

صياح الديك والسكوت عن الكلام المباح:

تتصادى رواية خشلاف عاصفة الجن, مع بداية تفجر أحداث الجزائر الدموية وإذ يقول رينيه جيرار: إن الاختلافات, هي ما تحمي المجتمع من الدخول في دوامة العنف وبالتالي تمييع العلاقة بين المقدس والمدنس وعادة ما يكون العنف هو اللحظة الأخيرة في تفكك بنية مجتمع وبداية بنية أخرى, نتيجة لتحنط المجتمع, فتنطلق عناصره المختلفة, للبحث عن تأصيل جديد, نتيجة عقم الحاضر وفي سعيها هذا تأخذ نظرة شمولية, تصبغ كل ما حولها, فالأجيال الجديدة لم يعد يناسبها سيرة المجتمع السابقة ولا يمكن سكب النبيذ الجديد بالجرار القديمة, لأنها ستتشقق.

حَدَث التشقق والثائر على منظومة عادة ما يستجلب أسلوب المنظومة التي ثار عليها, فهو استنسخ ولم يجبّ كياسين ابن الحاكم, في حين أمينة وترج الله رغبا بعالم يحمي الاختلافات ويزكيها, فحدث الصدام بينهما وبين المنظومة القديمة والمنظومة الجديدة في حين كانت منظومة عزيز المحقق الأقرب للصواب من حيث فهم الآلية التي يجب أن يتم بها التغير وإن لم يكن تغييره إلا كحالة وصفية لكن الوصف بداية معرفة الأسماء ومن ثم الحيازة الصحيحة لأنه كان يبحث عن الضحية المناسبة لإعادة التوازن للمجتمع, إذ أنه لابد من ضحية.

عاصفة الجن:

رواية لخليل خشلاف, تدخل وتفكك تاريخ انفجار اللحظة الدموية في الجزائر, عبر مقاربة تبتعد عن التأريخ وصنمية التوثيق وتلجأ للرواية كتاريخ للفرد إذ أنه الصوت والصدى في أي نأمة تصدر عن المجتمع ونختم بهذا الجزء من الرواية:

” المدينة تنام باكراً،لا تلمح ضوء خمارة أو نادي ليلي،المقاهي تغلق أبوبها بعد الغروب، الناس يدربون إرادتهم للنهوض باكرا لصلاة الفجر؛فالسهر أصبح سمة السكارى أو المتقاعسين عن الطاعة!

كنت أحب أن أجوسها من أي مرتفع، أبحث من بعيد عن أضواء شوارعها، ألتَفِتُ أحيانا إلى تلك الأراضي السهلية التي تتخللها أحراش قصيرة في طول الكروم، اجلس على مقعد حجري على حافة الوادي الذي يفلقها إلى نصفين.

كنت أشعر بلون احمر قاني  يشتعل بداخلي، يريد أن ينفجر، هل يعود ذلك إلى إعلان حظر التجول؟! أم أنه قد حدث منذ زمن بعيد وهذا صداه؟! لكنني أرجعت كل ذلك إلى قلقي تجاه الأشياء. كنت أتأمل زاغز كامرأة تصالب يديها في نداء غامض، الجدران والشبابيك والأضواء تستسلم إلى شيء لا احد يعرفه، ولكن لا احد يستطيع نكرانه! “.

رواية متوسطة الحجم, تستحق الاهتمام والمتابعة, صادرة عن دار الهدى لعام 2012

باسم سليمان

Bassemsso91@gmail.com

النقش في الحجر

فضائيات الأربعاء 17-10-2012 باسم سليمان

من هم القائمون على الرؤيا في عالم الميديا!؟ وقبل هذا السؤال, لابد من سؤال آخر, هل من قائمين يعون أبعاد ما يتم بثه, سنكون متفائلين ونقول :إن الناضج يتحمل وزر اختياراته لكن,

هل يتم السكوت عن من هم دون النضوج الجسدي والفكري ليتم تنميطهم بطريقة لا تنفع معها كل الحركات والأفكار التي تهدف إلى إطلاق الإنسان من قمقم عادات وتقاليد, إنْ جئتها في جوهرها تكشف مقدار العنصرية المستترة تحت مظلات مثالية قيمية تجعلك تشك بنفسك عندما تشكك بها!؟.‏

سأبدأ بالعنوان لبرنامج يُبث على قناة mbc3 وهو موجه لليافعين أي الفئة العمرية ما بين 9- 15 والعنوان يخدم مقولة بائدة, سطحية ألا وهي, المكتوب يُقرأ من عنوانه وفي هذا سؤال جوهري, لماذا الحشو الذي يتبع «أما بعد»!؟ مادام العنوان كافياً !؟.‏

الحشو سنقاربه ولنبقى بالعنوان «بنات وبس» وكأننا على أمثلة نهفة شعبية «أنت وبس والباقي خس» والسجع هو تقيد المعنى للفظ وبهذا, سجنه؛ للحظة أولى, ستشعر اليافعة بالفخر من حيث أن البرنامج خصصها وأكثر وميزها عن صنوها الذي صحة الجدل بينها وبينه تقيم العلاقة الإنسانية الصحيحة بين الذكر والأنثى لا المنافسة القائمة على محو الآخر وهو هنا الذكر اليافع الذي يتواجد بمحيط اليافعة بكل مكان, هذه ال «بس» الزاجرة بالاتجاهين, تزجر الفتاة اليافعة في حرملك جديد, بإيجاد مناطق عازلة بينها وبين الذكر اليافع وأكثر بالتأكيد على أنها خصوصيتها تنبع من شكلها لا من فكرها لأن الحشو الذي يتضمنه البرنامج من كيفية انتقاء اللباس والميك أب والتبرج الخفيف لا يوزنه استقبال فتاة موهوبة وتسليط الضوء على موهبتها لأن كمية الشكل واعتماد من يملكون حسناً ظاهراً في الوجه والجسد, سيجب الموهبة التي عادة ما تكون أقرب لتكريم الصوري, في حين, هي من يجب تسليط الضوء عليها وتهميش جوانب اللباس والتبرج الخفيف والحشو كالعادة جاء لتأكيد المؤكد!؟ في حين, أن العنوان ليس أكثر من سهم يدل في الفكر الحقيقي .‏

ال«بس» تزجر اليافع الذكر وعليه سيطالب بمنطقة عازلة له أيضاً لأن البرنامج وإن كان اسمه «بنات وبس» لا يعمل عمل الردع لغير مشاهد من الجنس الآخر بل سيدفعه حب الفضول للوقوف على هذا العالم, فال» بس» هذه أشبه بهجوم يستوجب الدفاع ب «بس» مقابلة, ذكرية والميديا لم تبخل بإقامة هذه الجبهة ومثيلاتها بحيث صرنا نرى «رجال وبس «نساء وبس» عجائز وبس «وكأننا أمام حالة سلعية بإنتاج السلعة التي تخاطب زبوناً معينا ليشعر بتميزه وأفضليته القائمة على خصائص خلبية, إنْ بحثتَ بجذرها لوجدتها عنصرية, تبز العنصريات السابقة بمكرها ودهائها وتعيد المعارك القديمة ذاتها للمواجهة .‏

لاريب أن للأنثى خصوصيتها وأكثر ما يبرز هذه الخصوصية هو دمجها في مجتمعها كاملاً وهذا ما يحقق المطلب الذي تجد البشرية في طلبه وهو تحقيق المساواة والمساواة هنا لا تعني «= « بل تكافؤ الفرص القائم على أنّ الجوهر البشري لا يختلف بتغير الأجناس أو الألوان.‏

الميديا عادة ما تتبرج وتبرجها يخفي الكثير من عيوبها والبرنامج المذكور سمّه قليل ودسمه كثير والكثير من الدسم يسبب تصلب الشرايين الذي ينتج تلك العادات البالية في مجتمعاتنا وإن تمظهرتْ بحداثة وما بعدها.‏

جريدة الثورة

 

إصحاح السرد في سفر الولي

كتب الأربعاء 17-10-2012 باسم سليمان

لماذا نحكي ونقص القصص ونروي!؟ هل لأن في ذلك عبرة أو تجربة أم أن الأمر أكثر عمقاً, نتلمس به طقساً سحرياً وأحرازاً ندفع بها خطر مستقبل

أو نجلي غموض آتٍ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون ثرثرة نقتل فيها ضجر العادة!؟. لا ريب أن ما قيل ليس بعيداً عن الصواب ولكن نحن نحكي ونقص ونروي لأن هذا الفعل هو فعل وجود, فكما تحوز الوجود بالأسماء تحوز حركته بالسرد.‏

السفارة:‏

كل سِفر هو إيضاح وهو سفارة وبعثة وصلة بين حَدَثَ ويحدثُ والسِفر فيه من السَفر؛ من كلمة إلى جملة إلى سرد, كانته صباح حفيدة الولي الصالح, تقوم بذكره بعدما صرخ بأن الشيطان قد حلّ في قريته وظلّ على حاله تغادره الدموع كما نسمة الحياة حتى مات. صباح سيرة الحبّ والناس في زينة الأرض يتقلبون, يخلدون إليها ومنهم من بقي على العهد, لكن الزمن زمن تغيّر وتقلّب وفساد, حتى امتحنوا بصباح التي ظهر الحمل عليها عياناً وبفحص الطبيب, فيكون رد صباح, أن تتهم خمسة أشخاص من القرية: الناظر/ شيخ البلد/ همبل/ الفتى أحمد بن غريب وفالح.‏

الحكاية والجريمة:‏

تقع الجريمة وتدور الألسن وأهمها الروائي الذي يضبط سرده متنقلاً بهدوء, يعري شخوص الرواية, يبحث مثل بقية أهل القرية عن صحة الاتهام وعن سبب عيبة صباح الطاهرة, وكل منهم يدلي بدلوه ليملأ جرار عطش الحقيقة وهنا تتكشف النفوس والرغبات الدفينة والهواجس والشذوذ والطيبة والبساطة والخوف والمكر.‏

تتابع الأحداث تؤسس في الماضي وتعمر في الحاضر وتقيس الظلال في المستقبل. الناظر المهوس جنسياً, ينتهي مديراً للتعليم؛ أحمد الغارق بكتب الفلسفة, ينتهي به الأمر إلى أن يصبح درويشاً, يلقي بنبوءاته حتى على الحجارة؛ شيخ البلد, يصبح عمدة البلد, همبل إمام الجامع الذي يتكلم بأحاديث عذاب القبر, يصبح نموذجاً لإمام الجامع الذي يتكلم بالخير والصلاح, فالح الفقير, الذي صار غنياً, يُقتل على يد شركاء الأمس.‏

وبين الجريمة والعقاب أو الثواب, تتجلى حركة القرية بين بداوة ومدنية ومع ما يسبب ذلك من آثار وارتكاسات ونمو الشخصيات سواء الرئيسة أو المساعدة, لتستقر على الجودي بعد أن عصف بها حمل صباح الذي لم ينته لولادة ولم ينته لموت إلا أن الطفل مازال في رحمها ينمو ويعيش.‏

المرموز والرامز:‏

لاريب أنّ المتهمين يمثلون بنية أي مجتمع وعلى صخرتهم تدور الدوائر ولا ريب أنّ الغيب يعمل وبين الفيزيقي والميتافيزيقي والأفعال وظاهرها والنفوس وبواطنها, تنمو شجرة السؤال وثمار الجواب التي على القارئ أن يتجاوز السهولة والبساطة التي طبعتْ أسلوب الرواية, لينفذ من هذا الشفيف للمعقد وقد لعب المؤلف سعد عبد الفتاح بمهارة, ليقيم سرده على لسان الراوي العليم, فلا تظهر فجاجة علم الراوي العليم بل تتدرج رويداً, تتكشف مع كل فصل من الرواية حتى تبلغ مستصغر شررها بحمل صباح الولي الطاهرة المؤمنة وكأن ما حدث لم يحدث إلا في خاطرها وكأنّه سفر من أسفار جدها الولي إلى بلاد غريبة ولكنّه حدث والقرية تغيرت ونستطيع أن نجد معادلاً لما قلناه في شخصية ست البلد المولهة بالمطرب عمر دياب وتعيش حلمها كأنه واقع إلى أن تتزوج من رجل تتركه بعد ليلة دخلتها لأنه مازال مهووساً بزوجته التي ماتت حرقاً ويريد أن يلقي شبهها على ست البلد؛ هكذا لعب سعد على الثنائيات والتضاد والتناظر والألفة والغرابة ليقيم سرده الكاشف لحركة الحياة في الوجود.‏

bassemsso91@gmail.com

سفر الولي : رواية من القطع المتوسط للروائي سعد عبد الفتاح صادرة عن دار الأدهم للنشر والتوزيع/ مصر لعام 2012.‏

جريدة الثورة

لا يضيع حق خلفه دجاجة تنق

جلس فلاحان بعد أنْ هدهما التعب من يوم فلاحة طويل, يقلب أحدهما قبضة من البحص الأملس في يده والآخر يسقط حبات مسبحة مصنوعة من نواة حبات الزيتون, يشربان الشاي الأسود المحلى جداً من سكر الإعاشة, دون أنْ يتبادلا الكلام وكأنّ التعب نال من لسانهما من كثرة ما صرخا على الثيران: هوووووووووو؛ رغم ما يقال عن أنّ اللسان عضلة لا تتعب, فلا جهد له ولم تحسب له, النظريات الاشتراكية ولا الرأسمالية, حسبة في التنظير لقيمة العمل والقيمة المضافة.

ارتفع صوت دجاجة مما يشير إلى أنّها قد باضتْ وبدأتْ في التنقل جيئة وذهاباً في الدار.

قال أحدهما: النقنقة أول خطوة في الألف ميل.

قال أحدهما: الدجاجة, لا تسكتْ عن أجرة عملها, فهي قبل أن يجفّ عرقها, تنقنق, تطالب بالذرة, فيما نحن, ننتظر, الموسم, الموسم كورقة اليانصيب, عليك أنْ تسترضي الآلهة لتنزل المطر والجمعية الفلاحية  لتعطيك السماد وأن تتوفق بتاجر لا يلعب بالبيضة والحجر أو أن لا تقع تحت يد موظف المؤسسة الذي لا تصيبه الحساسية من كثرة ما يقلب المحصول, صارخاً: هذا تراب وليس بقمح.

قال أحدهما: علينا أن نكون كهذه الدجاجة, لا يضيع حق خلفه دجاجة تنق.

قال أحدهما: أو بيضة تُباض.

قال أحدهما: الدجاجة لا البيضة.

قال أحدهما: البيضة لا الدجاجة.

قال أحدهما: الدجاجة أولاً.

قال أحدهما: البيضة أولاً.

وارتفع الصراخ بين الفلاحين مما أدى لفرار الدجاجة إلى حرف السور, ثم قفزت خارجاً, فكان الثعلب في انتظارها, قبض عليها بفمه وأرخى قدميه للريح والدجاجة لم تعد تنق بل تبقبق بقبة تصل لمسمع الفلاحين.

قال أحدهما: إنّه الثعلب.

قال أحدهما: تبقى البيضة, هي, إذاً أولاً.

قال أحدهما: بل الدجاجة, فإن ذهبت الدجاجة, فلا بيض ولا من يفرحون.

عبر الثعلب حقولاً والتجأ لأحدى الدغلات, في حين الريش كان قد ترك علامات تدل على مكمنه عبر طريق هروبه.

ثبت الدجاجة بمخلبه وبدأ بنتف ريشها وذيله يحركه يسرة ويمنة وفجأة خطرتْ بباله فكرة, الذيل أم الثعلب أولاً؟. رفع الثعلب مخلبه عن الدجاجة وبدأ يدور حول نفسه, فاتحاً فمه ليقبض على ذيله وهكذا إلى أن داخ وسقط على الأرض.

استغلتْ الدجاجة الفرصة وهربتْ واهتدت لطريق عودتها من بقايا ريشها المنتوف, الذي أخذت بجمعه وإلصاقه على جلدها العاري.

وصلتْ الدجاجة لدار الفلاحين اللذين مازالا يتجادلان, فصرخ أحدهما: ألم أقل لكَ الدجاجة أولاً.

نظر أحدهما, فرأى دجاجة منتوفة لا يستر عريها ريش وقال: الآن وجدتها, الدجاجة المنتوفة أولاً.

نظرتْ الدجاجة إليهما بغضب واتجهتْ نحو العشّ الذي وضعتْ بيضتها فيه وبدأتْ بنقرها حتى كسرتها.

جريدة النور

16/10 / 2012

باسم سليمان

عندما نرمي شبكة لنصطاد سمكة

القصة سمكة والرواية سرب من الأسماك وهذا يرتب بدوره اختلاف الأداة السردية. في القصة نصطاد السمكة من فمها من منطلق السرد في الرواية نصطاد السرب بكليته وهذه الكلية لا تقيم وزناً إلا لفتحات الشبكة وحجم السمكة. في القصة ننتظر لحظة اقتناص الحدث وفي الرواية نمضي قدماً مستخدمين السونار والعلم بمسارب أسراب السمك والتيارات الباردة والحارة, نكون في عرض البحر في حين مع القصة نجلس على اليابسة لنصطاد كلمة من ضجيج البحر.

احتراق السراب:

 مجموعة قصصية, تترتب السمكات فيها كمرايا لذات قاص مهما اختلف صيده؛ تبقى الذات الساردة هي المحور, فاللغة المستخدمة عبر قصص المجموعة سواء بأسلوبها أو مضمونها, تؤكد ذلك, فالتشابه لا يخفى وخاصة لجهة جردة البوح الثيمة المميزة لشخوص القصص, فهناك زمن مضى, يضغط على الحاضر, فتأتي القصة لإيجاد هذا التوازن عبر كلمة, تعيد التوازن لإغلاق ماض متوتر قلق أو فتح الغد ليجبّ حاضره وماضيه وهذا ما جعل القصص تنويعاً على ثيمة الحب والرجل الغائب الحاضر, سواء بالحبيب أو الزوج أو الأب.

القصة حدث منتقى بدقة من نهر الحياة ودليل لدلالات كثيرة عملتْ منى بشلم جاهدة على أن تعمر بها مجموعتها القصصية؛ من حيث المبدأ هذا لا غضاضة فيه لكن كان يفترض بالقاصة أن تؤسس معمارها المكاني والزمني, لا أن تتركه ضبابياً وخاصة أن السرد اعتمد لغة رمزية تشي بمحمول شعري أكثر منه خبري حكائي, مما جعل القصص بمجملها تغدو حالات نفسية, غير متبينة ولكنها نجحت بالبعض وخاصة قصة ” نصف وسط من كل شيء” حيث القصة تدور حول فتاة فقدتْ والدها وبذات الوقت هي تعاني علّة جسدية, تصبح تجربة مخبرية لطبيب تعشقه لا يرى فيها أكثر من درجة في سلم نجاحه. هذه القصة تمتاز بالبوح الشفيف الذي به تعمر غياب الوالد وحضور الطبيب وبينهما تقيم وجودها.

الغياب والكتابة:

هي محور مرادف لمواضيع القصص التي عالجتها منى بشلم, ظهرتْ بوضوح في بعضها واستترتْ في الآخر وكأنّها بذلك, تقول: عندما نكتب, نكتب عن غائب, فالكتابة كما يقول أرغون في إلزاه: هي ما تبقى؛ هذا المتبقي الذي تصدتْ له منى بشلم, جعل القصص رغم عدم استقرارها لجهة بنية القص, لأنها سمكة مفردة تصطاد بصنارة, يخفف من ضآلة المحتوى في بعض القصص إلا أنه أنتج معالجة فكرية لموضوع الكتابة وصنوها المقابل لها القراءة.

عود على بدء:

لم تعد القصة هي السمكة والرواية هي السرب, فقد اختلطت الأدوار وتناصت وتلاصت, فكثيراُ ما نرمي شبكة عظيمة لنصطاد سمكة نادرة أو نرمي صنارة في سرب لنصطاده, سمكة, سمكة وهذا ما حاولتْ منى بشلم فعله, أنه أشبه بحالة غير متعينة, ترتفع على كتف دون كيشوط وسانشو, اللذين تتحدد بهما مقدرة القاص ونجاحه في إنتاج سرده مع غض النظر عن التجنيس.

 احتراق السراب, مجموعة قصصية, منى بشلم صادرة عن دار الاختلاف لعام 2012

باسم سليمان

Basssemsso91@gmail.com

زياد الرحباني, بخصوص الميديا والمتفرج الفهيم

من الصعب أنْ تحيط بشخص؛ الرؤيا لديه كالنكتة تقال, عفو الخاطر. هكذا هو زياد الرحباني عبر موسيقاه ومسرحياته وأغنياته وأحاديثه, يعتبر معادلاً موضوعياً للمكان بأبعاده والزمان بأزمنته, تستطيع أن تقرأ به ما فوق السطر والسطر وما تحته وما مُحي وما حبّر وما صحّح.

ظهر زياد على الميادين مع غسان بن جدو وعند الإعلان عن البرنامج, تسرّب هاجس للمتابعين, هل يستطيع بن جدو أن ينجز حواراً للعمر مع زياد!؟. ما بين الموافقة والرفض والانتظار, بُثت الحلقة وبدا بن جدو متلعثماً وخاصة عندما قدم زياد ومحاور اللقاء, فهربت منه الكلمات والتي اضطر أنْ يعيدها ونستطيع من هذه الإشارة أن نفهم المعركة التي جرتْ بصمت بين بن جدو وزياد, فبن جدو يريد جلب زياد لميدانه وكأنّه يحاور سياسياً يريد أن يقتنص منه الاعترافات أو يريد أن ينطقه بما يضمر, وأن يسجل سبقاً صحفياً عن حياة زياد؛ في حين زياد لم يهتم ومع ذلك نبّه بن جدو أن محاولته لن تجدي نفعاً, فرصانة اللغة الفصحى, تفقد وقارها أمام بهلوانيات زياد في العاميّة وفي الفصحى أيضاً, حيث يفتح المعنى على تناصات غير منتهية, لم يستطع بن جدو الإحاطة بها وخاصة لعدم معرفته المتخصصة سواء بحياة زياد أو الحرب اللبنانية بتفاصيلها اليومية وإحالات زياد العديدة, لذلك قال له: بدك بنحكي باللغة الفصحى!؟ وأكثر فزياد من عادته أن ينشر غسيله النظيف والوسخ, إنْ وجد, تحت شمس العيون والسمع, فأين السبق إلا إذا كان يقصد “جربوعة”!؟.

بن جدو الذي اعتمد أسلوب التقرير الصحفي ومختصراته أو حوارات ” التوك شو” التي تشبه الوجبات السريعة كان عليه يعرف أنّ زياد, يجيب بطريقة تقليب وجوه المكعب الستة, كي لا يختلط الحابل بالنابل, لكن بن جدو كان ينط من سؤال لسؤال وكأنّه ملتزماً بعدد من الأسئلة للجزء الأول, مما جعل الحوار يفقد ألقه ويفرض على زياد أن يتجاهل سؤال بن جدو الثاني ليوضح فكرته والأغرب أن بن جدو أراد أن يضيف أل التعريف لزياد بتلك المطولات التي كان يقاطع بها إجابات زياد, فمكان من زياد إلا أن قال له: الوقت يداهمنا!؟.

وعلى صعيد الموسيقى, ظهر بن جدو غير مختص وخاصة في مسألة موسيقى ” الجاز” وغيرها التي أنهكها زياد شرحاً, عبر لقاءاته السابقة, فما الداعي لتكرار المعروف جداً؟.

كان على بن جدو أن يترك غيره ليجري هذا الحوار, لربما شاهدنا حواراً ناجحاً, بدلاً من تلك الهنات الكثيرة التي شابت الحوار المنتظر – خاصة الموسيقية –  بعد المواقف التي اتخذها زياد سواء بظهوره بالضاحية في مهرجان لحزب الله أو موقفه من الأخوان المسلمين.

وبالنسبة لموقفه من ما يجري في سوريا والربيع العربي, فقد تم تأجيله للجمعة القادمة. والذي يبدو أن الميديا العربية واقعة تحت سطوة مصطلح “يتبع” الذي به تحافظ على جمهورها والإثارة التي تجذبه في حين الأجدى لها أن تعلم, أن الجوهر الحقيقي هو ما يشد المتفرج وليس آلية عمل الميديا الهوليودية ولمّح زياد لذلك, عندما ذكر العماد قهوجي وشرح بأن على السلطة أن تأخذ موقفاً عندما يتحول الإعلام لسوس ينخر البلد لكن وكعادة الإعلام يقرأ نصف الجملة ويهمل النصف الآخر وهذا ما فعله بن جدو.

جريدة البعث

باسم سليمان

قائمة الطعام

 

 

الحمل لوحده, ينطح برأسه الذي لم تنبت قرونه بعد, خرقة حمراء متدلية من وسط الزريبة, يدخل المرياع ويزجره.

المرياع : ما تفعله لا يليق بخروف, هذه الحماقات تخص الثيران ” ينظر إليه بغضب “.

الحمل: ما المانع, مادام لي قرون, آه لم ينبتوا بعد, فلا مانع من أن ألعب مع الخرقة الحمراء.

المرياع: قرن عن قرن يفرق.

يتوقف الحمل عن اللعب ويسأل المرياع وكأنه بيّت نية مكر في سؤاله.

الحمل: أيها السيد المرياع, ما الفرق بين الذئب والإنسان؟.

المرياع وقد انتصب صوفه كأنّه أشواك قنفذ: ماذا, ما هذا السؤال وكيف تقارن بين الإنسان والذئب ما هذا التجديف والهرطقة !؟.

الحمل: أنت قلت, اسألوا أي سؤال أجيبكم عليه في درس الصباح!؟.

المرياع: الإنسان يعتني بك, يؤمن لك المأوى, يحضر لك الطعام أو يسوقك للمرعى, يحضر ولادتك, ويجلب الطبيب لك إنْ أصابك مرض, يشرب من الحليب الذي ترضعه ويكاد أن يكون أخوك في الرضاعة, يجز لك صوفك, فتشعر بالانتعاش في الصيف وينسجه ويحيكه ألبسة له وكأنه يقول لك: أنا خروف مثلك وأكثر يجعلك أضحيته الأغلى على قلبه عندما يقدمك لإلهه وأنت تزين موائده وترفع رأسه قدام أصحابه وفي أفراحه وأتراحه وبعد كل هذا تسأل أيها الحمل الجاحد, ما هذا الجيل, إنّ سؤالك من علائم يوم القيامة!؟.

الحمل: والذئب يأكلني فالنتيجة واحدة!.

المرياع: أيها الجاحد, لنعمة أنت لا تعرف أبعادها, الذئب ينقض عليك يمزقك أرباً ولا يهتم لثغائك ولا يزرف دمعة عليك, وأقول لك: إن المرياع الذي خلفته في قيادة القطيع, قد بكى عليه, أولاد المزارع الذي يعتني فينا, رأيت دموعهم, تترقق وأنا أقاد للذبح, أي رثاء عظيم ناله المرياع السابق, كم أتمنى أن أتحصل ولو, على قليل من الدموع.

الحمل : الذئب واضح لا يراوغ أما الإنسان, فهو يستغلني حتى أخر صوفة من جسدي ولا أفهم المثل: أمكر من ذئب الصحراء بل يجب, أن يقال, حتى يتفق المعنى مع الواقع: أمكر من راعٍ.

المرياع: أيها اللعين “وهجم على الحمل يريد أن ينطحه, هرب الحمل من وجهه واختفى بين أكداس الحشيش”.

  **************************************************

كان ما حدث كافياً, حتى يفرّ الحمل, يحمل على ظهره زوادة من حشيش, خارج المزرعة ويتوغل في الغابة.

الحمل: أخيراً لن أكون لإنسان ماكر ولذئب واضح, سأعيش إلى أن أهرم, مجتمع الخرفان لا يملك الحكمة لأنه لا يملك عجائزاً لم تعد تهمهم, معاشرة الفطائم الصغيرة ولا أن يدخلوا في مناطحة لمن يقود القطيع ولربما أعود يوماً للزريبة وأقود ثورة تجاه هذا المرياع الأحمق العبد.

وبينما هو سارد في أفكاره, ينقض عليه نمر ويثبته بين مخالبه.

الحمل: أنت لست ذئباً, فلماذا تفعل ذلك ألا تعرف أن تقليد غيرك, يجعلك تخسر شخصيتك أم أنت ضعيف لدرجة تريد أن تقلد الغالب لأنك مغلوب!؟.

يتراجع النمر عن نهش رقبة الحمل ولكن يتركه بين مخالبه.

النمر: ماذا تقول أيها التافه, أنا النمر الذي بضربة من مخلبي اليميني, أطيح بهذا الكلب الذي تدعونه ذئباً.

الحمل: جيد هذا الكلام, فلماذا تريد أن تأكلني وأنت لست ذئباً ولم يدرسونا, إلا عن البشر والذئاب.

النمر: أيها الحمل اللذيذ – يبتسم الحمل ويعتبرها بادرة حسن نية – إن علمك ناقص وهذا دأبكم عبر التاريخ أيها الحملان, قسمتم الكون لنصفان, بشر وذئاب ولا تعرفون غير ذلك ولكن أقول لك, أنا النمر وأعرف قائمة طعامي جيداً.

الحمل: قائمة الطعام, أعتقد قائمة طعامك تتضمن الثيران ليس الحملان.

النمر: أنت عندما تنتهي زوادتك هذه من العشب اليابس ماذا تفعل؟.

الحمل: سآكل العشب الأخضر وأيضا الأوراق.

النمر: وأنا انتهت زوادتي من الثيران.

الحمل: ولكن…

النمر: اسمع سأخبرك الحقيقة التي يقوم عليها الكون وهي قائمة الطعام, يتوضع الإنسان في رأسها وفي أسفلها يأتي العشب ومن ثم الحيوانات العاشبة ومن بعدها نحن وهذا القانون سار منذ الأزل.

 تقرقر أمعاء النمر ويبلع الحمل ريقه الجاف.

*****************************************************

ينظر الولد لصفحة الأطفال بالجريدة, يتذكر دموعه التي سقطتْ عندما ذبحوا الخروف في العيد ويركض باتجاه أمّه ويصرخ: ماما لقد نشروا لي قصتي في الجريدة وعلائم الفرح الكبير بادية على وجهه.

جريدة النور

باسم سليمان

الرواية عقل يتخيل والقصة قلب يتخيل

لم تكن الرواية كمصطلح يخص الصغار بل كانت الحكاية من حيث أنّ الحكاية تستطيع عبر سردها السهل أن تضمر التأويل وتبعده كهدف غير مباشر لمسمع الطفل وتكتفي بالهدف المباشر لسمع الطفل حيث المتعة وتمكين أجنحة الخيال من التفتح لدى الطفل وتقارب عوالمه حيث أنسنته للأشياء ليست أنسنة استخداميه بل أنسنة تعارف لأن الأشياء والكائنات الأخرى لدى الطفل تملك وجودها المستقل الفاعل وروحها على عكس الرواية حيث التأويل أحد عناصر وجودها, فهي لا تكتفي بالتفسير بل تخرج لأبعاد رؤيوية تتشابك بها الأزمنة والأمكنة والشرائح المقتطعة كدوال للدلالات ومع تعقد المجتمع صارت الرواية عبر تجلياتها معادلاً كتابياً للمجتمع البشري وانفتحت على كل العلوم, فمن الخرافة للأسطورة إلى العلم بأنواعه وحتى الغرائبية والفانتستكية التي عرفتها القصة لم تعد ذاتها في الرواية, فالرواية عقل يتخيل في حين القصة قلب يتخيل.

المقدمة السابقة اقتضتها مقاربة رواية محمد العشري ” غادة الأساطير الحالمة”  لكي ندخل لعوالمها ونستوضح أسباب الأسلوب السردي الذي انتهجه العشري والذي نستطيع أن نقول عنه أنه أسلوب ما بعد قصصي أنتجته ردة الفعل على يقنيات الحداثة والتي استجرتها من نهر العلوم ومبدأ السبب والنتيجة, فمحمد العشري يقوض الرواية السائدة ويعود بها للحكاية التي تجد منابعها في تراث المنطقة, حيث الغرائبية والفانتستيك مواد دائمة الحضور, فالفتى تشعر أنه السندباد أو سيف بن زي يزن أو الشاطر حسن وهناك الغادة التي تقول عنها أنها جنية أو ساحرة أو شهرزاد صغيرة والعالم المقدم بالرواية ينفصل بوضوح, فالأشرار أشرار والأخيار أخيار والخاتمة السعيدة يجب أن تتوج الرواية والمقاطع التي انبت بها الرواية وإنْ بدت لا تتصل ببعضها البعض إلا عبر شخصية الفتى وغادة الأحلام, فهي منفصلة حقاً لو حدث أن تناولتها لوحدها, فهي كحبات السبحة منفصلة ولكن متصلة في حالة التسبيح والشخصيات الأخرى من المارد والعصفور والضفدع والنهر والشمس والقمر وحتى لدى الانتقال لزمن يشي بالآن سواء بالخال وولده والجد وأم الفتى, ثبتوا ضمن عباءة الفتى وغادة الأحلام, كل هذا التفاصيل أنت بسيطة شفافة تدعم الرواية القلبية للفتى الذي هو الراوي, حيث الإصرار على تسميته بالفتى من قبل المؤلف, تنجز أكلها في فهم أن الفتى ينظر للكون من خلال القلب لا العقل ومن خلال الخيال لا التخييل. إذاً الأسلوب عودة لبراءة وطفولة مفقودة في الرواية الحديثة, عودة للمتعة الصرف بعيداً عن إعمال العقل عودة لسهرة الحكواتي والأنفعال كطريقة للتخفيف من ضغوط الحياة أو لنقل رواية نكوصية لزمن دلموني افترضه الكاتب وأحياه الفتى وغادة الأحلام, مقابل واقع جهنمي لم يجعله التحليل العقلي إلا أكثر جهنمية وآلية.

لا نعتبر رواية العشري رواية تجريبية لسببين الأول: عندما عاد للحكاية استحضر أسلوبها وجوهرها والثاني عدم البحث في كنه الغرابة والخيال بل البقاء على شطّه وتذوقه دون البلل بالمضمر به لكن هذه الاستعادة لذاتها يجب التوقف عندها ودراسة الأسباب وقراءة الرموز في شخصيات الرواية كافة وهذا الأمر تركه الروائي للقارئ وهنا تكمن لمحة تجريبية معاكسة إذ يُفترض بأن يقوم بها الكاتب لا القارئ ولكن العشري, اعتمد على قارئ هذا العصر الذي يختلف حكماً عن القارئ الذي تواجد مع الحكاية التراثية بأنه قارئ لا يقبل بالتلقي لوحده عندما يقرأ بل يجد بنفسه القدرة على الكتابة على كتابة المؤلف وهذه المخاطرة التي قبل بها العشري, حيث قد تكون ردة فعل القارئ سلبية عندما ينتظر من أفق التوقع لمصطلح الرواية أن يقدم له ما اعتاده, فلا يجد ما توقعه!؟.

غادة الأساطير الحالمة رواية تخالف السائد وتجترح مشروعاً يجب العمل عليه, فإذا كانت رواية الخيال العلمي وجدت أرضها الخصبة في النهضة العلمية في أوروبا, فعلى الرواية العربية أن تجد في غرائبية وفانتستيك التراث في المنطقة مادة خصبة جديدة تطعم بها وجودها وخاصة أن هذا التراث مازال حاضراً رغم لباس الحداثة والعلمية.

كُتبت الرواية العربية اعتماداً على التخييل, فماذا لو كُتبت اعتماداً على الخيال كحالة قلبية انفعالية طفولية, تبحث عن الدهشة الصرف وعن المتعة الصرف مقابل الحياة الضاغطة علينا من كل الجوانب.

محمد العشري قبل المخاطرة كاملة كسندباد دأبه ارتياد مجاهيل البحار لا لكي يكتشفها بل ليحكي قصصه ويخفي القصة في صدور المستمعين كما كانت تقول الجدات؛ أنها قصقصة الرواية.

صادرة عن منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون – طبعة ثانية – 2012

باسم سليمان

جريدة الثورة

Bassemsso91@gmail.com

جدل التأويل والتفسير في المسرح

يقول الناقد المسرحي فرانك هوايتنج : “إنّ المسرحية، هي نواة المسرح والعنصر الوحيد الباقي من العرض المسرحي، تمثيل، موسيقا، إخراج، ديكور” وهذا بدوره يقود لجدل المسرحية ككلمة مكتوبة وتظهيرها على خشبة المسرح وأيضاً للعلاقة بين المخرج الذي يمسرح ما ألّفه غيره والمؤلف الذي يخرج مسرحياته وقد يشارك فيها تمثيلاً ومن يسود على الآخر، تبدو محاولة تغليب أحد أطراف الجدل وكأننا نفتح العلاقة بين التفسير والتأويل، والتأويل هو الخروج بالمعنى عن سياقه لأمر ما.
لفترة قريبة كان المؤلف المخرج من أيام اليونانيين، مروراً بهاملت ووصولاً إلى بريخت، لا ينقطع حبل سرّته مع عمله، وهذا لا يضير بأن المسرحيات التي كتبها هؤلاء المسرحيون الأقدمون،  يتصدى لها مخرجون ويقدمون رؤيتهم الإبداعية لها، فأين تكمن المشكلة!؟.
تظهر المشكلة عندما يتم السؤال: هل أبقى المخرج على حيثيات المسرحية وجوهرها أم أنّه خرج لغير ما أراد كاتبها، بحيث لولا إشارة صريحة أو ضمنية لاعتقد أنّها من نتاجه كنص؟!.. وسيكون الرد الذي تسرب من الأدب كالشعر والرواية ومقولة موت المؤلف، أنّ النص ملك القارئ، أي قارئ، له الحق بتفسير النص كما يريد.. ولكن السؤال بخصوص القارئ، تفسيره أو تأويله للنص يبقى عملاً فردياً لا يتجاوزه وإن صار التجاوز، فهو لقلة قليلة لكن مع المخرج يصبح الأمر عاماً، وهنا تصبح الخيانة حالة غير مشروعة عكس ما هي عليه في الترجمة، فهل هي كذلك!؟.
تقول النظرة الكلاسية، إن العمل المسرحي، لا يجب أن يخرج عن سياقاته ولا تغير الحالة مقولة، أن المعنى في قلب الشاعر، فالمعنى هو ابن السياق الذي يحكمه، بدءاً من تراتب الكلمات في الجمل وفي الفقرة وصولاً إلى النص مع العتبات، كالعنوان والممهدات للنص من تخصيص الزمان والمكان والشخصيات وغير ذلك، فيبقى عمل المخرج في مسرحة هذا النص على الخشبة ضمن رؤيته الإبداعية بحيث، يضع إبداعاً على إبداع وهذا ما يمكن أن نسميه التفسير.
أما النظرة المابعد حداثية، لأن الحداثة بهذا التضاد تصبح كلاسيكية من حيث هي تقوم على اليقينيات،فالمخرج له مطلق الرؤية، فلا يقين ولا نسق ولا قواعد وكأن القارئ أمام النص، يقرأ فيه ما يشاء ويخرج بتأويلات لم تخطر على بال المؤلف ويقوم بإسقاطات على واقعه، فهاملت المتردد من كثرة اعتمال الفكر في داخله قد يصبح متردداً لأن عين رؤياه ترى مجده في تردده، فملكه الفائت وانتقامه لموت أبيه، سيسترده بخلوده الزمني.
المسرح أبو الفنون، أليس من الطبيعي أن يمتزج مع أبنائه وهنا نعود إلى مقولة فرانك هوايتنج واعتباره المسرحية هي نواة المسرح وغيرها زائل لأن العرض ينتهي، فهل العرض ينتهي سواء بإنزال الستار أم بتوقف المسرحية ولا يدخل ضمن مقولته أن يتصدى أحد آخر للإخراج لأن المخرج يرجع للنص المسرحي لا للأعمال التي مظهرته مسرحياً وهنا تتجلى قوة الكلمة مقابل العرض المسرحي الزائل وهذا لفترة قريبة وبعد اختراع التسجيل الفيديوي، نستطيع أن نسترجع متى شئنا العرض المسرحي بشكله الحركي لا الصامت، فيدخل في حساب أي تمسرح جديد للمسرحية النتاجات المصورة لها والأشياء الثانوية، كالإضاءة والديكور وطريقة التمثيل والإخراج، فلم تعد المناصات الخارجية، آنية وزائلة بل صارت كالكلمة المكتوبة والكتابة هي ما تبقى، فتصبح القراءة إعادة إنتاج وخلق جديد وهذا يفتح المجال كبيراً أمام التجريب وتعدد الرؤى.
يُغلّب التجريب، التأويل على التفسير وهذا يعني ضمناً الخروج من زمن المخرج الذي يمسرح إنتاجه للمخرج الذي يؤول نتاج غيره والخروج من الكتابة للحركة وبهذا يكون أبو الفنون، بدأ يمد جذوره للفنون التي خرجت من عباءته، ليتدثر بها أحياناً كثيرة.

باسم سليمان

جريدة البعث

البحث عن إيثاكا والهروب من فخ السيرنيات

كتب
الأربعاء 19-9-2012
باسم سليمان

يقول ديكارت: لولا العادة لما استطاعت الإرادة أن تفعل شيئاً!. أ, وليست العادة, آلة!؟ واللغة عندما نمتلكها تصبح ذاتها عادة, آلة, لحيازة الوجود وأيضاً, لكي ينجز الوجود وضع اليد على المتكلم.

هل مصير الإنسان يحتم عليه أن يكون مسنناً وأن يكون صانع الآلة التي يندرج بها وأكثر أن يكون مصيره هو, هذا النوسان, القلق, الشك, عدم اليقين, فيصبح السؤال والجواب, الفتح والقطع أو بلغة آلة اليوم” 0-1” عبارة عن مخدر أو غازات مضحكة بإحالة لاكتشاف جوزيف بريسلي غاز الضحك الذي يسبب التخدير والهلوسة في بداية الحقبة الصناعية بعدما كانت الحقب, تصنف وفق المواد الأولية من جوارسية إلى نحاسية, فحديد؛ وإحالة أكثر محايثة لما تنفسه هذه الكتلة الخرسانية المسماة مدينة من غازات!؟.‏

يتابع الشاعر شريف الشافعي تجربته السابقة” الأعمال الكاملة لإنسان آلي 1- البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية” بديوانه الحالي “ الأعمال الكاملة لإنسان آلي 2- غازات ضاحكة تأصيل تجربته وكشط الصدأ عن هذا الإنسان الذي مهما حاول أن يتجدد يسقط في العادة والآلية بشكل محبط.‏

ينصُّ الشافعي على أن هذه النصوص, كُتبت بغرفة متصلة بالقرية الكونية وتحديداً في نهاية عصر الورق ويردف ذلك بإهداءات عديدة تلعب دوراً مرشداً للقارئ للغوص في طبيعة النصوص التي أتت كومضات ضمن خطوط من الأعصاب النحاسية تمتد في الجسد الذي يتحرك باصطناع كبير ويسعى لتحريره “ إلى رادار الألم/ الذي أرشدني/ إلى معسكر السوس/ في ضرس العقل الالكتروني” ومن خلال هذا الإهداء يطلعنا الشافعي على الثنائية البنائية الضدية المعتمدة في كتابة المقاطعة الشعرية التي تغيب عنها العناوين الكلاسيكية, فهي تتماثل مع آلية “ 0-1” التي تقوم عليها حضارة هذه الأيام ؛ غلق, فتح أو فتح غلق وبها وعنها تتم حيازة الوجود أو احتيازه لنا عبر آلاته» بين كرسي إعدام وآخر/ أحتاج إلى مقعد بجوارك/ لثبوت أن كهرباءك/ هي المعجزة الحقيقية المنعشة/ لمحكوم عليه بالإعدام / أكثر من مرة».‏

البحث عن إيثاكا والهروب من فخ السيرنيات‏

يتحسس الشافعي معدنه الصلب الذي حلّ بديلاً عن عظامه وأعصابه النحاسية ومضخة رئتيه وعينيه الزجاجية, يستجدي الألم كي يعيده للحمأ المسنون الذي خلق منه إلى طين الأرض إلى الأنثى التي منها وبها تعود له آدميته وتنقذه من عولسته السايبرية” من رحم الغرفة الكونية المجهزة/ أتمنى أن أقفز عارياً/ كي أفرح بولادتي الطبيعية/ بعد سيرة ذاتية/ عبثت بها مشارط الأطباء/ وذابت قصاصاتها الأخيرة/ في الملابس والأحذية الداكنة…….. / أنا بكل أسف/ أسقط دائماً إلى أعلى/ في اتجاه الثلج المشتعل/ وكشافات الإضاءة القوية/ بينما دلتاك التي أتشهاها/ غائرة في لحم الأرض/ مختبئة تحت ورقة توت ساخرة” فحصان طروادة التي حقق انتصار عوليس, ذاته يكون سبباً في سقوط طروادة الهوية ومن ثم هذا التيه في البحث عن ذات وهوية رغم كل الأختام الرسمية بوجودها.‏

النص كعنوان والصورة كإطار‏

في غياب الهوية تصبح كل خطوة باتجاهها, خلية تنمو فيها وهذا, لربما, ما جعل الشافعي يستغني عن العناوين, ليجعل النص بذاته عنواناً كاملاً كما الصورة الشعرية التي لا تنبني إلا في اللحظة التي تنتهي من قراءة المقطع وكأنه بذلك ينقل نيته بأن إتمام الخطوة/ الخلية/ في بحثه عن ذاته, هي ذاتها حالة القارئ الذي يشاركه هذا العالم وبقدر ما يسمح هذا الأسلوب بالمشاركة لكن بنفس الوقت أدخل حالة تقريرية للنص وضعف الصورة الجزئية, حيث الاعتماد على لعبة “ فتح – غلق” قاد الجملة الشعرية إلى مباشرة, خففتْ من دهشتها ولكن بما أن النص ذاته عنوان والصورة كإطار, أعاد التوازن له ولكن أحياناً يحدث خلل فاضح” من المتوقع/ أن تصدر عقوبات/ ضد الذين افسدوا الحفل/ بقذفهم المطرب بالحجارة/ ستكون العقوبات مخففة/ فإصابة المطرب ليست خطيرة/ من المؤكد/ الا تصدر ضدك أية عقوبة/ مع أنك أصبت المطرب في مقتل/ بعدم حضورك الحفل”‏

في حالات أخرى ينجز صورة مبهرة” ما بلك/ كزهرة الوقت/ لا يمكن ادخار رحيقك للغد” – “ الظلال/ التي لا ظلال لها/ لا تتعثر أبداً”.‏

حقن اللغة السايبرية بالشعرية‏

تتعدد الكلمات التي تنتمي للعالم الالكتروني في نص شريف الشافعي ورغم ما يحيط هذه الكلمات من مخاطر, ترجع لعدم وجود تأريض لها في عالمنا أي العالم الذي يعيش مستهلكاً لهذا العالم الالكتروني وغير منتج له وغياب انتشارها في العادة اللغوية ومع ذلك استطاع الشافعي عبر إدراجها في جمله بأنسنتها وحقنها بطاقة شعرية, تساعده من الهروب من الآلة التي صارها ولكن يجب القول إن هذه الكلمات مازالت ترزح تحت ضغط دلالتها الالكترونية” وحده العدم يعرف الإجابة:/ “ ماذا بعد سلة المهملات الذكية”.‏

قلْ قصيدة وامضِ‏

لا ريب أن زمن اللغة الصناعية ومن ثم الالكترونية قليل بالمقارنة مع زمن الحقب اللغوية السابقة والتي عايشها الإنسان فترة طويلة انتقلت من الخلف إلى السلف ولكن اليوم اللغة متجددة بسرعة وتفرز دلالات وأرضاً جديدة وذلك يسبب حالة من الارتباك سواء لدى الشاعر والمتلقي, قبل أن تصبح طيعة بيده كالصلصال والشافعي بأعماله هذه, يشبه غيره من شعراء الألفية الثالثة الذي يتصدون لهذا التغير السريع والمتدفق, فيتلقونه ويعملون على أنسنته وإعماره بالروح الإنسانية وهم بذلك يتأرجحون بين الجودة والفشل ولكن وما سبق ليس معياراً تقويمياً بقدر ما هو وصف لما يحدث.‏

أنجز الشافعي ديوانه بكثير من الجرأة والبحث عن الكشف الجديد وبنفس الوقت, تلك المهمة الشاقة بأن يحافظ على خصيصة الإنسان وأُنهي بهذا المقطع للشافعي:” بقيت كاملة بفمي/ بقيت كاملة بفمك/كيف كانت قبلة واحدة”‏

الأعمال الكاملة لإنسان آلي2 – غازات ضاحكة؛ للشاعر شريف الشافعي صادر عن دار الغاوون لعام 2011‏

Bassemsso91@gmail.com

مَن يكتب مَن… في الحالم!

كتب الأربعاء 5-9-2012 باسم سليمان

من يكتبُ من!؟ سيكون هذا السؤال هاجسكَ وأنتَ تقرأ رواية سمير قسيمي “الحالم” هل أسلوب تعدد الأصوات أخذ شكلاً تطبيقياً, بحيث يتصادى الصوت مع صداه!؟ أم إن أمر الراوي العليم أو الراوي متكلم آخر أو تيار السرد الذاتي,

بحيث لكل شخصية صوتها ورؤيتها التشريحية لعوالم الرواية والتي تتقاطع وتتفاعل بشكل منظم أحياناُ أو فوضوي مجرد نتيجة مخبرية لها شروطها التي لا يمكن تحققها بالواقع وبالتالي لا يبقى لك وأنت تقرأ الرواية إلا أن تضمر اتفاقاً سرياً مع الكاتب الذي يسم مناص الرواية أي سمير قسيمي بأن لا يخدعك وأن تعتبر ما قدمه من مقولات الوكالات الإخبارية وشهادة الدكتور رزوق عن “رضا خباد” صحيحة واعترافه الذي يقر به، إن تطابق حوادث هذه الرواية مع الواقع هو مجرد صدفة محضة!؟.‏

يالا السخرية التي يقدمه سمير قسيمي من شخصية المؤلف وبصيغتها الحديثة, الروائي وما كتب حولهما بأنهما صاحبا النطفة التي لقحت بويضة الحكاية. الحكاية لا أحد يعرف أبوها ولا أمها بل كل ما يحدث أن أحدهم قرر أن يتبنى هذه الحكاية وينقذها من اليتم التي تعيشه على ألسنة الحكواتية في حين الحكاية وبصيغتها الحديثة, أقصد الرواية التي يصح عليها موضوع التبني , تضحك, مخرجة لسان السرد وقائلة بلؤم أيها المؤلف, أيها الروائي , لست إلا بعض سردي!.‏

يؤكد سمير قسيمي في كل رواية كتبها, أنه مجرد ناقل للخبر الحكائي وليس له من فضل إلا البنية التي يخون بها الحكاية ويحولها لرواية تحمل اسمه كما المترجم الذي يترجم أعمال الروائي “ ريماس إيمي ساك” في روايته الجديدة « الحالم » هذا التأكيد لا يقصد منه سمير أن يدفع التخييل ليصبح أكثر مصداقية وواقعية عند القارئ بل بأن يقول: إن أساس الوجود هو تخييل والرواية عنه هو الواقع, فالتخييل ليس بحاجة للواقع بقدر حاجة الواقع له, حيث, تمخض خيال بسيط, يزيد بطول وعرض الأرض وهذا ليس من أدب الخيال العلمي كما فعل دافنشي أو جول فيرن باستشراف المستقبل, بأن أنجز الإنسان من قالوه, سواء لصناعة الطائرة أو الصعود للقمر بل أقرب للتذكر الذي اعتبره أفلاطون هو المعرفة, فالإنسان عندما يعرف يتذكر, يتذكر التخييل الأول من الخالق وبه تتم الزيادة في حين الواقع أو المحاكاة هو نسيان أو معرفة باهتة.‏

الآباء المزعومون:‏

مِن سمير قسيمي الذي خدع أصدقاءه الروائيين, سواء «ريماس أيمي ساك» الذي هو انعكاس اسم سمير في المرآة إلى «بلقاسم» المتقنع ونور الدين حفيده وحفيد « ريماس إيمي ساك» باسم « ريماس» إلى المترجم الذي ينقل أعمال « ريماس» للعربية إلى رضا خباد المجنون والذي جرب الدكتور كمال رزوق أن يشفيه من انفصاميته بأن يتركه يكتب إلى الروائي العليم الذي يتدخل أحياناً لفك الاشتباك بين الأزمنة والأمكنة في رواية « الحالم» التي هي نسخة طبق الأصل عن رواية « ريماس » أو « خباد » والتي تتضمن ذات المقاطع:« ثلاثون» « مسائل عالقة » الكفيف يمكن أن يرى” ويوميات جميلة بوراس؛ كلّ هؤلاء يدعون النسب لهذه الرواية والوحيد الذي استطاع أن يثبت ذلك شرعاً هو سمير قسيمي لكنه ضمن روايته الحالم اعترافاً سيدفعه للسجن على يد المحقق “عثمان بوشافع” أحد شخصيات سمير قسيمي بإحدى الروايات السابقة التي أصدرها ولكن الاعتراف قانوناً ليس دليلاً قاطعاً وهكذا نسأل من يحمي سمير باعترافه هذا ومن دفعه لهذا الاعتراف الأحمق بأن وسم هذه الرواية باسمه!؟.‏

بهذه المتاهة التي أوجدها قسيمي نجد تطبيقاً لموضعة التناص التي تكلمتْ عنها جوليا كريستيفا وأيضاً رؤية بارت بموت المؤلف وأكثر ما قاله جنيت: إنه بالامكان استخدام التناص لتثبيت بعض اليقنيات.‏

بين السيرة الذاتية‏

والعبر الذاتية:‏

يتهكم سمير من مقولة, السيرة الذاتية عبر روايته “ الحالم” فلا أحد قادر حتى لو نسخ يومياته يوماً بيوم على أن يطابق بين واقعه والتخييل الذي أوجدَ هذا الواقع وهكذا لا يبقى لنا إلا أن نقول: إن كُتب الاعترافات ما هي إلا أسلوب يستجدي المصداقية كمناص خارجي على السرد ليحقق حلم الرواية بأن تنافس الواقع وتقهره وهو أسلوب بائس رغم ما يأخذه من ضجة.‏

ويتجلى هذا التهكم بالرغبة من قبل القارئ بأن يعرف من أسبق, البيضة أم الدجاجة من هو “ ريماس “ ومن هو” x” إلى أن تنتهي الرواية التي يفترض بأن إضاءات الدكتور كمال رزوق عن مريضه “ رضا خباد” في ملحقها النهائي, ستحل المعضلة وخاصة مع المقدمة التي كتبها سمير تعليلاً وتسبيباً لما حدث وهو يكتب روايته, لكن بقليل من التذكر وفي جنازة “ ريماس” يخبرك أن هذه الجنازة ما هي إلا ترتيب لا يؤكد أنه ولد أو توفى أو حتى انتهى من كتابة رواية جديدة وكما يقول خوان خوسي مياس: وإذا كان الشخص البالغ يحلم بأن تظهر له الروايات, فإن الطفل كان يحلم بأن يظهر له الله.‏

الحالم‏

لاريب أنها رواية صعبة المراس وليست سهلة الترويض ومن ليس لديه الوقت, فلا يقرأها وهي تقع ضمن مقولة كونديرا: “على الرواية أن لا تروى” لذلك كان من الضحالة تقديم اختصار لها في هذه المقاربة لكن يمكن القول: إنها تثير اسئلة عميقة بحق الحرية والجبرية التي يرزح تحتهما الإنسان وهل عبقرية الإنسان في إجادة الدور المرسوم له بحيث يصبح تماهيه معه هو مطلق الحرية!؟ وما هو الزمن هل هو خطي المسير أم أشبه بقفزات الجدجد!؟ والمكان هذا الفضاء الذي يشغلنا من يحدد اتجاهاته وهل تكفي الخرائط وكل عمليات التحديد والتحرير لنقول: إننا في هذا المكان!؟ وأكثر تعتبر تجربة محايثة لنظريات شعرية الرواية, فتقدم تطبيقاً جميلاً للنقد الذي يلهث وراء السرد الذي يجيد التخفي كقط أليس في بلاد العجائب وإن بقي منه شيء منه ليس إلا ابتسامة متهكمة.‏

لربما تكون رواية “الحالم” الحلقة الأخيرة من رواياته السابقة وخاصة أنه استحضر شخصياتها وحررها من عبودية “ريماس إيمي ساك” وبالتالي يكون التوقع أن سمير قسيمي سيتجه اتجاهاً آخر بروايته القادمة وكأنه يقول: لقد استكمل أسلوبي هذا ثماره وها أنا اخطو على أرض التخييل وأرى واقعا آخر.‏

“الحالم” رواية سمير قسيمي الرابعة صادرة عن منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون لعام 2012‏

Bassemsso91@gmail.com

الخبر نفط هذه الأيام

فضائيات الأربعاء 29-8-2012 باسم سليمان

تنتشر القنوات الإخبارية وتتخذ أشكالاً عديدة وخاصة في الأماكن الساخنة في العالم ويبدو وطننا العربي ساحة جذابة لهذه القنوات حتى تكاد أن تنافس القنوات الترفيهية والغنائية والدينية بوجودها ومع المنافسة القاسية لاقتناص حيز في شاشة المتلقي, تبتدع هذه القنوات طرقاً, مميزة لتقدم له الخبر, نفط هذه الأيام.

توب نيوز قناة صاعدة بقوة, اتخذت من الكتابة عبر شاشتها وسيلتها لتقديم إرساليتها الإخبارية وكأننا أمام الصفحة الأولى من الجريدة, فهناك الخبر الرئيس مع الشرح له والذي يأخذ وقتاً كافياً, يتيح للمشاهد قراءته بهدوء وهو يتبدل بشكل متتال ليعاد بثه, فمن فاته يستطيع أن يتابعه من جديد وهو متنوع بشدة مع وضع فقرات تختص بأهم ما تقوله الصحافة العالمية, ونشرات أخبار تختص بمناطق معينة, فتؤمن التغطية لكل مشاهديها ويضاف لذلك التحليل السياسي الذي يكتبه الإعلامي والمحلل السياسي ناصر قنديل, متزامناً مع أهم الأحداث الجارية, وهذا كله يظهر في أعلى ومنتصف الشاشة.‏

في القسم الأسفل للشاشة, ينقسم, للخبر العاجل وصورة عادة ما تكون تابعة للخبر الرئيس أعلاه أو مستقلة والخبر العاجل تخلص من الشريط المتحرك, ليأخذ وقته الكافي بالظهور وبالتالي التخفيف من حدة وانفعالية التلقي وبالتالي يتناوله المشاهد بهدوء بدلاً من تلك الطريقة السابقة في الشريط المتحرك الذي يشي دوماً باستنفار لا تحمد عقباه.‏

في الأسفل هناك الشريط التفاعلي مع الجمهور يستقبل الرسائل والآراء والنقاشات, هذا الشريط يُدعم, بصفحة على الشبكة العنكبوتية تتيح التفاعل مع خدمة الخبر الذي تؤمنه المحطة للمشتركين عبر جوالاتهم وبالتالي يبقون على اتصال كامل مع الحدث.‏

يحرر الخبر المكتوب المشاهد من سلطة المقدم وما يبثه من مشاعر مدروسة ونغمة صوت لتحريك ردود فعل معينة ولكنه يقع بنفس الوقت في ما بين قوسي الكتابة التي عادة ما تصاغ بطريقة لها أهداف معينة ولكن مهما كانت الأهداف, تبقى حيادية الكتابة تسمح بالتحليل المنطقي للخبر وتتجاوز اللعب النفسي في الصورة المتحركة التي يدعمها مذيع يعرف من أين تؤكل كتف المشاهد المرتهن للصورة المتحركة مع مراسل يغربل ما يقوله وفق سياسة المحطة.‏

في النهاية الخبر, تفصيل والشيطان يكمن في التفاصيل وبعيداً عن التحليل السيكولوجي للإعلام, تلعب قناة توب نيوز دوراً مهما في التصدي للهجمة الإعلامية التي تشن على سورية مثلها مثل القنوات المقاومة الأخرى.‏

يبدو الإعلام أكثر شبهاً بالماء من أي شيء آخر, فمن حالته الجامدة أي الورقية إلى حالته السائلة أي البث الصوري والصوتي بجميع أشكاله إلى الحالة البخارية وهي نتاج الشبكة العنكبوتية, يتمظهر الإعلام ويسود كواقع آخر يكاد يخطفنا من وجودنا الفعلي ومع ذلك لم تتم له القصة وخاصة أن الاندماج النهائي بين حالاته الثلاث لم يتم بعد ويبدو قريباً هذا الشيء مع انتشار ما يُسمى التلفزيون الذكي أو التفاعلي.‏

حــــكــــــي up

فضائيات الأربعاء 15-8-2012 باسم سليمان

برنامج خفيف سريع, يلتقط حالة معينة ويناقشها, بسخرية ونصيحة مع تقديم معرفة سهلة للمتلقي ولكنها تهمه بشكل يومي ويعايشها بشكل دائم, فتارة,

يتكلم عن الزحام في الشوارع وعن آداب السير وكيف أن الشوارع لدينا ضاقتْ حتى اختنقتْ بعابريها وان كانت قد أعدت لزمن مضى أو لم يتم توسيعها وكيف أن سائق السرفيس كالقضاء المستعجل وسائق التكسي كالخبر العاجل ولا أحد يهمه إلى ماذا ستؤدي هذه الحالة, شوارعنا تحتاج لإعادة تنظيم شاملة وإلا فالجلطات ستصيب قلب المدينة أو يتم التكلم عن رمي المهملات في الشارع وغير ذلك عبر دقائق, تقوم المعدِة والمقدِمة ميتلدا كربوج, بتقديمها بخفة ملحوظة وسرعة بديهة تظهر من خلال تفاعلها مع الكلام الذي عُدّ مسبقاً, لكن أسلوبها في التقديم يشعر أن الأفكار وليدة اللحظة وخاصة أنها من أعدّها, فهكذا يتوافق التفكير والتطبيق.‏

البرنامج يعتمد الشارع الاستديو المناسب لقول ما يريد, يختار زاوية ما في شارع أو حديقة, يترك الخلفية تأخذ حريتها في التشكل مع التركيز على المقدمة ولا بد من الإشارة على قدرتها على جعل المتلقي يتابعها ولكن من الضروري أن تترك مساحة كبرى لمشاهد بانورامية تدعم الموضوع مع تركيز على مظاهر معينة سلبية أو إيجابية تشكل صدى للكلمة التي تقولها المقدمة.‏

اللغة البيضاء أو القريبة للعامية, تجعل الموضوع سلسلاً للتلقي وقريبا من مشاعر المشاهد؛ فالحاجة لهكذا برامج وبهذا النفس, ضرورية, لأنها تسلط الضوء على اليوميات التي عادة ما تُهمل وبنفس الوقت قصر وقتها, يجعلها تعتبر كوجبة سريعة, تؤمن الملاحظة التي يجب أن يعرفها المتلقي دون أن يهدر وقتاً كثيراً في ذلك.‏

“ بدنا نحكي” من إعداد وتقديم ميتلدا كربوج يبث في سهرة قناة الدنيا.‏

جريدة الثورة

لست أنتِ

07/ 08/ 2012

عندما تكلم باشلار عن جماليات المكان, هل ما دعاه لذلك, غرفتكِ المقفلة حتى على الخيال!؟. الخيال واقع آخر, وكيف لي أنْ أنجز واقعاً آخر وسارتر يقول: الآخر جحيم، لربما التخمين, التخمين مطهر، أخرج منكِ كالشعرة من العجين.   يقع شباككِ على جهة غربية, فالمطر من هندس ذلك, فكل نُطف المطر تندفع بجنون لتتناثر على بلور بويضتك التي تختفي في صَدَفة، سأغفل هنا, الفتحة والضمة والكسرة والسكون, فصدفتك خارجة على النحو. خيّب سندباد حكاية شهرزاد وقال عنها: اللؤلؤة المستحيلة. نافذتكِ, جسر يجلس على حافته المطر, يحمل مظلة ويتأمل (نيغاتيف) قدميه في الماء. أسكب لهاثي في معجن صلصال صوركِ, لعل خزفاً من وجودكِ ينفخ فيّ الروح. أمارس عادتي كمراهق أحمق لا يقبل أن ينام مع أنثى غيركِ ويحتلم بكِ. والاحتلام نضوج، ليست القضية خيانة بل القضية, أنّكِ فخختِ عيوني وقلبي, فكل أنثى تمرّ تخرج صورتكِ كأنّها جانّ وتنفخ في شعورهن الريح، فيصبحن الصدى في صدور الجبال. أنثى ديكتاتورية وسادية وتتلذذين بأن تجعلي شهر الصوم عمراً وتقولين: صيام الناس شهر، وصيامك دهر. لنعود لغرفتكِ… سريركِ, ليس وردياً كما تشتهيه الإناث، وليس أزرق كما يشتهيه الذكور, أنتِ تنفرين من الجمال المحضَّر مسبقاً، سريركِ لا لون له إلا لون مزاجكِ, فمرة يرتدي الحداد، ومرة يرتدي الشهوة، ومرة يرتدي الصلاة. سريركِ كتاب ملصق الحواف, أبلل إصبعي وأفض الرتق، وأعلم أن الفتق سمّ. الغطاء, رجل يتنكر, يصبح خيطاً، ليحاك، وينتظر كراهبٍ أن تدسِّي نفسك تحته. قدماك لسان, يدخل فم الشرشف كحلمة ثم تنزلقين تحته موجة تلاعب صدر زورق. خزانتكِ, حيث أعيش متخفياً, كزرّ في قميص, ماركة قميصك الداخلي, حرف (كيلوتك), زرقة بنطال الجينز. ألبس (سوتيانتك)كخوذة وأدخل حروباً مع كل الرجال الحالمين بدخول غرفتك… لديكِ كرسيان في الغرفة, واحد لكِ وواحد لإثارة الغيرة. والسؤال: من تتخيلين, أنّه يجالسكِ… تتركين السؤال معلقاً كحبل مشنقة، يومياً أصعد على الكرسي وأركله جانباً.. في حين أنتِ تبتسمين وتقولين: أيها الأحمق لا تنتحر لأجل أنثى, فالنساء كالريح.. أجمل ما فيهن أنهن عابرات. فأردّ عليكِ: أعرف ذلك ولكن أجمل شيء في الرجال الحماقات التي يرتكبونها عندما يعشقون حتى لو كان التدلّي بوسط الغرفة كمصباح. مهووسة بالأحذية، أحذية تليق بدروبك, أشتهي أن تمشي في طريقي حافية, ساعتئذ سأقرأ خطوط القدر في باطن قدمك. لو كنتُ رملاً، لصرتُ مرآة ووضعتُ بغرفتكِ بواقعية سحرية, كم ستسألينني: من أجمل أنثى في الكون؟ وأنت تفتكرين, أن المرآة تجيبك!؟ والأحرى, أنا من يتكلم وسأقول: لستِ أنتِ!؟.

جريدة النور

العالم الافتراضي يبدع…

كــتب الأربعاء 8-8-2012 باسم سليمان

الحكاية تنتسب للشفاهية, لصائت القول, للحديث كفعل تبادلي بين واحد أو أكثر. هدفها العبرة والنتيجة, فهي تهتم بالبيت أكثر من الطريق, هي من الكلام وليست من اللسان؛

إن قلنا: إن اللسان هو اللغة في حالتها التجريدية كما سوسيور, في حين الكلام وإن ربطنا مفهوم باختين حول اللغة أنها زمكانية في نسق اجتماعي معين, فيصبح الكلام أو الحديث, يخدم الحكاية أكثر؛ تدعم بملامح المتكلم وإشاراته الصادرة عن جسده وتموضعه في المكان من علو أو توازي أو انخفاض كعلاقة مع السامع أو المتحدِث الآخر وعادة ما تنجز حالة تشبه وحدات المسرح التي تكلم بها أرسطو وثار عليها شكسبير.‏

الرواية, تنتسب للكتابة, لصمت الحبر, حواريتها باختينية, بينها وبين ذاتها, أقرب للسان من الكلام, تعوض بالسرد غياب الشخص الحكاء كوجود مادي محسوس, بكل تجلياته, لذلك هي كتلة هائلة من الكتابة وتكاد تنجز واقعاً بديلاً عن الوجود, فالتخييل لديها معادل لفعل الخلق كن. تقوم الرؤية خاصتها على ابستيمولوجية معرفية وهي ممتدة في الزمن والمكان بحالة جذمورية تشابه تشعبات الحياة .‏

أسباب المقارنة‏

تعود هذه الأسباب للوقوف على رواية سعد سعيد «فيرجوالية» وهو لفظ منحوت من العالم الافتراضي الذي أوجدته الشبكة العنكبوتية, حيث اكتفى سعد بأن خط محادثات, سواء على الفيس بوك أو الماسنجر, بين الروائي أنس حلمي وشخصيات عديدة, تبدأ بالوحدة الإلكترونية «SSR2981957-TS » وانتهاء بها وبين القوسي المحادثة يسجل لنا الروائي أنس حلمي ما سجلته له هذه الوحدة الإلكترونية بغية نشره وفضحه مع مجموعة من النساء والأصدقاء من«روح هائمة » و« ميساء سليم » وغيرهن وضمناً هذه المحادثات, تبغي إقامة علاقات عاطفية للطرفين هرباً من واقع ومن ثم صناعة واقع آخر بناء على هذه المحادثات.‏

وبهذه الطريقة ينجز سعد سعيد رواية تقوم على المحادثة فقط حاذفاً كل معطيات الرواية, فلا فضاء مكاني وزمني أو وصف أو بنيات سردية, ولا بولفونية لغوية ولا كتابة على كتابة كما يقول بارت أو تناصية وفق جوليا كريستيفا ولاحتى موت المؤلف كما يقول بارت, بل التأكيد عليه من حيث هو الروائي صانع الحوار, فلا يبقى للمتلقي غير التلصص وإنجاز مقارنة بين محادثاته ومحادثات أنس حلمي وكأن سعد يعود بنا للحكاية وللصائت والاستماع, مقدماً شفوية تتبدى بالصوت المكتوب.‏

لعبة خطيرة يقدمها الروائي سعد سعيد ولكنها تفتح السؤال, عن علاقتنا الآنية مع هذه الشفوية الجديدة التي جعلتها سرعة الاتصال, تتميز عن شفوية صائته مكتوبة, سواء الرسائل كالتي كانت بين غسان كنفاني وغادة السمان أو جبران خليل جبران ومي زيادة والحمام الزاجل بين ابن زيدون وولادة وحكاية الجدة ولكن هناك فواصل زمنية كبيرة وبنفس الوقت يفتح سؤالاً آخر؛ هل من الممكن أن تنجز هذه الشفوية المكتوبة, سردية روائية أم تبقى مجرد محاولة تجريبية, لن تظهر نتائجها قريباً!؟.‏

شفوية كتابية‏

قدمتْ لنا ثورة الاتصالات عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج المحادثة, نوعاً ليس جديداً كفكرة بل كشكل وخاصة لجهة تتطابق الزمن بين المتحدثين سواء الكتابي أو الصوتي أو الصوتي والصوري في حالة واحدة, من خلال شاشة كأنها نافذة وليست شباكاً, تصل المتحدثين وما استتبع ذلك من ردود فعل آنية ولحظية وكأن المتحدثين موجودان قبالة بعضهما البعض, اي عودة الإشارة والتلميح ولكن كتابة وبالتالي إفراز ما يمكن تسميته, الرد الفوري على القول الذي نعرفه كما في الكلام المباشر.‏

ولكن عندما ترقن هذه الكتابة الشفوية بعيداً عن المتحادثين ماذا يبقى منها!؟, فهي تعاني بالأساس من مقولة نهر هيراقليتس « ليس بإمكانك أن تستحم بماء النهر مرتين» وهذا يعني عكس مفعول الكتابة كضدية لهذه المقولة بحيث تستحم بماء السرد متى تريد وتعاني من الابتسار, بغياب آلية السرد المتبعة وأكثر ضياع ما يؤمنه التواجد العيني للمتحادثين مع لعبة الاسماء المستعارة والشعور بأن هذا الوجود أشبه بالاحتلام فلا يؤمن إلا تخفيف الضغط في حين الممارسة الفعلية للعلاقة بين الذكر وما تؤمنه من رضا وقيام أسرة ومجتمع, لذلك كان سعي المتحادثين في ما رقنه أنس حلمي للقاء في الواقع وهنا السؤال, ماذا لو أتيح لما يقدمه الخيال العلمي من رؤى بأن تتحقق, فهل يبقى السعي للواقع كما هو الآن!؟.‏

البيت وليس الطريق‏

تحمل الرواية في طياتها أسئلة عديدة من مثل: ما المقدار الذي يؤثر به هذا العالم الافتراضي على واقعنا, ومادام المصنِع هو القوي, قضمناً نحن نقع تحت استلابه وهذا ما قالته الوحدة لأنس حلمي وحواره مع صديقته التي تنجز بحثاً عن تأثيرات ثورة الاتصالات على عالمنا الثالث, العلاقة الحاصلة حاليا مع يمكن تسميته « السايبر» أي الذكاء الصنعي وما تم طرحه من وأنجز أو مازال متخيلاً, فهل يكون الصراع القادم مع الآلة وهذا ما قدمه الغرب في الكثير من السرديات والأفلام والبحوث والنقاشات.‏

قلنا البيت والسبب أن الرواية تتقصد نتائج معينة من رفض أنس حلمي العلاقة العابرة والعودة للأسرة والعائلة والإشارة لأهمية هذه الثورة في النواحي الإيجابية كالحديث مع اخته المغتربة وهنا تتمظهر كحكاية لكن كونها كتبت, تسمح لنا بقراءة أكثر تأويلية لموضوعها وكأن سرده ينوس بين الكلام واللسان.‏

ولكن..!؟:‏

بعد قراءة الرواية والتلصص من القارئ والمقارنة بين المحادثات وما حصل معه كقارئ, نسأل, هذه الرواية قد تعني من يعرف هذا العالم الافتراضي ولكن كم نسبته لدى متكلمي اللغة العربية !؟ هل تقيم المحادثة لوحدها صرحاً سردياً, الإجابة, قد تشفع لها التجربة والمغامرة, نعم يؤمن المصل حاجة المريض من الطعام ولكن هل يصح أن نلغي الجهاز الهضمي كله وما يتبعه من استقلابات و دوران الدم والشهوة وكم سيتبع ذلك من تعطل الكثير من مناحي الوجود عندما نخرج الطعام من وجود الإنسان والشيء الآخر, الرواية حتى تنتج فعاليتها تحتاج لقارئ مميز, لديه هذا القلق من هذا العالم الافتراضي لكي يستشف الأبعاد المطروحة من المحادثات الجارية فيها وقد أضعف هذا العالم للقارئ العادي وغير المختص غياب السرد بمحاميله كلها كأسلوب هدم وبناء, فالمحادثة أقرب لشيفرة, تستخدم حبرين, الأول ظاهر والثاني خفي وهو الذي يحمل المضمون أي الطريق وليس البيت.‏

ولكن إن قيام الوحدة «SSR2981957-TS » بإنجاز متخيلها الخاص من وجود أنس حلمي, يعني موت المؤلف الإنسان كاملاً وتحول الرقن كميزة خاصة بالإنسان للآلة, الحوار الدائر بين الوحدة وأنس حلمي, حوار هويات لن تجده مع الأشخاص الآخرين الذين هم بشر, فهناك صراع هويات جديد والشيء الآخر الأتمتة التي تتم للبشر عن بعد بواسطة هذا الذكاء الصنعي أي نحن في مابعد بعد الكولونيالية كمنتج ما بعد حداثي.‏

تعددت التجارب العربية بمقاربة هذا العالم الافتراضي وأخذت أشكالاً عديدة وبغياب الانتشار الواسع لهذا العالم واقتصاره على أشياء محدودة, بقيت هذه التجارب محدودة الانتشار وبقيت التجربة مرهونة لتغير الظروف. وهنا لابد من القول أن حكاية سعد سعيد, قبل المراهنة على التجريب وخط سردية جديدة, تحتمل الكثير من المخاطر وتحتمل فتح أبواب سردية جديدة وفي النهاية, الرواية وإن كانت غايتها التخييل, فهي تزيد اليابسة أرضاً وهذا لوحده كاف, لنجرب ونجرب.‏

Bassemsso91@gmail.com

فيرجوالية رواية سعد سعيد الروائي العراقي, صادرة عن دار المؤسسة العربية للدراسات والنشر لعام 2012‏

الرواية في مختبر الشعرية

إن تنوع الأعمال الأدبية وتغيرها الدائم ومسيرتها الطويلة التي تبدأ مع الخطوة الأولى للإنسان على هذه الأرض, بخطوة مماثلة في عالم التخييل, ما سبق يصب في خانة نظرية تهدف لدراسة البنيات المتحكمة في الخطاب الأدبي دون التقيد بنوع أدبي محدد, يمكن تسميتها بالشعرية أو كما عرفها ” كيبيدي فارغا” ومن خلال ما سبق يمكن اعتبار مقاربة “هروشوفسكي” ملائمة,  فالشعرية هي الدراسة النسقية للأدب كأدب, إذ تعالج قضية: ما الأدب والقضايا الممكنة المطورة منها؛ ما الفن أو ماهي المظاهر الخاصة لآثار الأدب وغيرها.

وعليه فمدار اشتغالها: هو الأدب من حيث هو أبداع ونستطيع أن نقول: إن الرواية هي الميدان المفضل للشعرية, من حيث كون هذا الجنس الإبداعي, بحسب مخائيل باختين, توليفاً, وشكلاً غير منجزاً, أو خليطاً من الأجناس التي سبقته وباعتباره يشغل مكانة هامة بفعل قابليته للقراءة على نطاق واسع ومن هنا ساهمت الرواية في تطوير النظرية الأدبية وتوسيع آليات اشتغالها.

يتناول الناقد الفرنسي ” فانسون جوف” في كتابه ” شعرية الرواية” وهو إذ يقوم بذلك يوطد قدميه في أرض بدأت مع أرسطو ومع المؤسسين الأوائل للشعرية الشكلانيين الروس وما طوره النقاد الأمريكان ك ” إ. أي. ريتشارد” والإنكليز والفرنسيين ك ” جينيت و تودوروف”.

تعددت الطرق التي قاربت الشعرية, فمن دراسة الخطاب الروائي وآليات اشتغاله إلى الاهتمام بالبنيات السردية إلى “تودوروف” الذي وصف الخطاب بحيث صار الخطاب معادلاً للنص وصارت اللغة نقطة البداية إلى المنظر الأكبر لها, “جيرار جينيت” من خلال كتبه: ثلاثة صور.

يهدف فانسون جوف في كتابه إلى التأويل والتفسير, فهو لا يتوقف عند مكونات النص وطبيعة حركته أو وصفه وذلك عبر إدخال مجالات معرفية أخرى توسع دائرة التحليل, إذ أدرك قصور الشعرية بربط الرواية بعالمها المرجعي, فهو يدخل, علم النفس والمنهج السوسيولوجي ونظرية التلقي وغيرها, مؤكداً إن التوقف عند مكونات النص واشتغاله دون ربطه بمرجعيات عديدة لا يعدو أن يكون تحليلاً مكانيكياً بارداً, يلغي البعد الجمالي, فالنص الروائي أكثر من ذلك, فالرواية, ليست متخيلاً يسترفد من متخيلات أخرى ويتصادى معها, وإنما نص يؤلف الروائي, آخذاً بعين الاعتبار رؤية الروائي للواقع, فالرواية ليست انعكاسا للواقع وإنما إبداع فني يشكل فيه المرجعي الواقعي مدلولاً.

يقول ” رومان ياكبسون”: إذا كانت الدراسات الأدبية تهدف بحراكها أن تصبح علماً, فعليها الاعتراف بالإجراء كشخصيتها الوحيدة وأضاف لأن السؤال الأساسي, هو سؤال حول التطبيق وتعليل الإجراء, فهذا المسعى الذي يتحالف فيه التحليل والتأويل سيكون موضوع هذا الكتاب.

الجزء الأول من الكتاب, يركز على تحليل الأبعاد المختلفة للرواية, فيتناول النص الموازي للمحكي الذي ينعقد به عقد القراءة, كعتبة الرواية وتتضمن العنوان ومظهر الرواية والتوطئة للمحكي والاستهلال وكلها شروط تسهل وتساعد وترشد القاري لينجز عقد القراءة.

وفي الجزء الثاني يتناول؛ جسد الرواية أي البنيات التي تتألف منها ويدرس بذلك السرديات في ظلال “جيرار جينيت” حيث ينصب الاهتمام على الدال وما يستتبع البحث في طبيعة الراوي, هل هو كلي المعرفة أم حيادي لا يعرف أكثر مما تعرفه الشخصيات؟ ومنه ندخل لتمثيل السرديات في المسافة والتبئير والزمنية والوصف ومنه ينتقل إلى قلب الرواية, المحتوى, القصة, ففيه يحلل بنية القصة وعنصريها, الحبكة والشخصية ودراسة مفاهيم, النسق العاملي والدور التيماتي والبرنامج السردي, مقدماً دراسة للشخصية من الناحية السيمولوجية باعتبارها, علامة والسيميائية باعتبارها وظيفة, والسيميو-تداولية باعتبارها أثراً للقراءة في الجزء الثالث.

ويتناول في الأجزاء الأخرى, خطاب الرواية: التلفظ ويدرس فيها الذات والتناص والخطاب الساخر والحقيقة الروائية بدراسة السمات التي يتركها المؤلف بالنص وأيضاً في الجزء الأخير يتناول القارئ في الرواية مع ملحق تعريفات.

تتميز الدراسة بمروحتها الكبيرة والتي تدقق في التفاصيل بحيث تقدم دراسة إجرائية تطبيقية للنظرية الشعرية على الرواية, فيكثر “فانسون جوف” من الأمثلة من الروايات بحيث يجد التنظير مجالاً لتطبيق رؤاه وكأنه بذلك يحقق مقولة” رومان يكبسون” إن الدراسة لكي تتخذ اتجاهاً علمياً لا بد أن تعتمد الإجراء والإجراء هو التلاحم بين النظرية والتطبيق.

شعرية الرواية, كتاب للناقد الفرنسي فانسون جوف ترجمة لحسن أحمامة صادر عن دار التكوين لعام  2012

باسم سليمان

Bassemsso91@gmail.com

بائع البصل يصيح : بصل يا بطل

كلّما عقد أبو فلان يديه خلف رأسه, تستعيذ أم فلان وتبدأ بمحادثة نفسها.

قفز أبو فلان كأرنب من سريره وصرخ: وجدتها !؟

أم فلان: يفتكر نفسه أرخميدس, مَن أرخميدس هذا!؟, آه, تذكرت لقد ذكروا اسمه بأحد المسلسلات المكسيكية عندما اكتشف البطل, أنّ أمّه وجدته وابنته هم أخوته, مم مم, أظنّه تركي!؟

أبو فلان: أيتها المرأة

أم فلان : خير ولماذا تناديني بالفصحة!؟

أبو فلان: يجب أن أتعود عليها لكي أكون مفوهاً.

أم فلان: مفو….. ه وما هذه !؟.

أبو فلان: سأترشح لمجلس الشعب وهذا يعني أن أكون قادراً على مخاطبة الجمهور, بطريقة واضحة؛ ليفهموا بياني الانتخابي, فيدلوا بأصواتهم لي وأكيدُ أبا علتان؛ لأنني أظنّه, يعدّ العدة للترشح وهذا ضروري لتمكين اللغة العربية.

أم فلان : تمكين اللغة العربية, , قمْ بدق مسمارين في كل طرف من هذه اللغة, فتصبح ثابتة ولجهة المجلس لا أجمل من شرفة بيتنا.

أبو فلان : شرفة توقعي عنها وتنكسر عظامك وأنت من يحتاج مسمار في لسانها, بلا كثرة كلام, قومي, حضري لباسي سأنزل على المدينة.

في المدينة اشترى أبو فلان بنطال جينز أزرق وقميص أبيض وقبعة عليها بقرة حمراء من شيكاغو. لبس ثيابه الجديدة ورمى ثيابه التقليدية من قنباز وعقال في حاوية الزبالة. في الطريق لم يتعرف عليه أحد من أهل ضيعته وعندما دخل بيته, صرختْ زوجنه وولولتْ, فتنادى الجيران لنجدتها, ليدهشهم أبو فلان بمظهره الجديد وقبل أن يغلقوا أفواههم التي فُتحت على آخرها, وضع أبو فلان الدست بالمقلوب وارتقى سطحه وبدأ يخطب به.

أبو فلان: يا أبناء قريتي, قرية حاكورة البصل, بما أني كنتُ ولم أزل مختاركم, حلال مشاكلكم, خاتم وثائق إقامتكم وشاهد عدل على حدود أراضيكم, قررتُ أن أترشح في الانتخابات القادمة لمجلس الشعب أو البرلمان أو النواب وهم ذات الشيء, حاملاً همومكم وطلباتكم للسلطات العليا ومدافعاً عنها ومطالباً بها حتى تتم لكم.

أبو علتان: ولماذا خلعتَ لباسك وتراثك ولبستَ كفتى مراهق!؟

أبو فلان: الآن سأطوي صفحة الماضي معك, فأنت شريكي في بناء الوطن وما تغيري للباسي إلا من باب الحداثة, فالبنطال الأزرق, بنطال يحمل دعكاً وجعكاَ, فهو مناسب للجري وراء مصالحكم كما حذاء الرياضة هذا والقميص الأبيض رمز لطهارة نواياي وهذه القبعة أرى شباب القرية يلبسونها وأنت تعرف, أن الشباب لهم الغد, فلا أريد أن استبعدهم, فهم من نعمل لهم.

أبو علتان:…. ( قبل أن يتكلم, قاطعه أبو فلان )

أبو فلان: لقد سمعتم باللامركزية وكم تحمل لكم من إيجابيات بأن تجعلكم أنتم من يقرر شؤون منطقتكم, أنا سأطالب أكثر, أي بأكثر من اللامركزية سأطالب بميتا لا مركزية ( يضحك) لم تفهموها, هذه يا أهلي وخلاني, تعني زيادة في اللامركزية حتى أنكم تستطيعون القول: إن قرية حاكورة البصل, ستصبح كأنها دولة ضمن الدولة والشيء الثاني, أريد من كل حارة أن تشكل حزباً, لنفعل الشباب سياسياً, كفاهم ركضاً وراء ميسي وماردونا ويكون فيه للجنس اللطيف نصف القيادة, لنشغلهم عن متابعة المسلسلات التي عكروا فيها حياتنا الزوجية, فمن مهند هذا!؟ حتى يأخذ قلوب زوجاتنا!؟, لعنه الله, وبعد هذا سأكون مختاركم بحق وحقيقة!؟ لأن حاكورة البصل المملوءة بالرؤوس تحتاج لفحل بصل, إن كسرته بكى من في الأرض كلّهم, يا أم فلان, اجلبي بصلة أكسرها على أنف أبي علتان لربما إن بكى تنقشع الغيمة التي تحجب النور عن دماغه المعفن, يا أهالي قرية حاكورة البصل, إنْ انتخبتموني أعدّكم: إنّ مونة البصل عليّ هذه السنة!؟.

فجأة يُسمع صوت سيارة إسعاف, تتوقف قرب الجمهور وتسأل عن أم فلان.

أم فلان : أنا هنا, هذا هو, انتبهوا, إنه خطير!؟

يهجم رجلان, كأنهما جبلان على أبي فلان ويمسكانه وسط ذهوله ويلبسانه اللباس الأبيض الذي كتف حركته.

أبو فلان: ماذا أنتم فاعلون, يا أم فلان, قولي لهم, إني زوجك, يا أبو علتان قل لهم إن عدوك اللدود, يا جمهوري, يا فلان ….!!

يضيع صوت أبي فلان مع صوت سيارة الإسعاف التي تبتعد عن قرية البصل, فيما بقي في دار أبي فلان أم فلان وأبي علتان.

أبو علتان: بعدك حلوة

أم فلان: وأنت بعدك شب

أبو علتان: شو رأيك

أم فلان : موافقة, بس ما بنزل ع ضرّة.

أبو فلان: ( يصرخ عاليا, فترجّ القرية من شرقها لغربها) الغايب يعلم الحاضر, طلقت أم علتان بالتلاتة والخميس سأعقد على أم فلان.

أم فلان: بس ما قلتلي شو برنامجك الانتخابي!؟

أبو علتان: المركزية الشديدة!!؟

أم فلان : شو مهري؟

أبو فلان : شوال بصل مقدم مقبوض وشوال بصل مؤخر غير مقبوض.

باسم سليمان

الخبر وثقب الأوزون

من فترة قريبة كان التفاعل مع الإعلام بأشكاله كافة, لاحقاً للإرسالية الإعلامية سواء الصورية أو الصوتية أو المكتوبة وهذا ما كان يحدّ من تأثيرها جداً ومع تنامي وسائل الاتصال ووصولها لدرجة موازية, صار لمتلقي الإرسالية الإعلامية دوراً فاعلاً وهذا الدور أنيط به مكراً لكي يشعر أن دوره يتعدى دور المتلقي السلبي إلى دور المتلقي الفاعل والقادر على صناعة الإعلام, الذي يسيطر على حياته. هذه المشاركة أقنعتْ المتلقي والمتابع بالموضوعية والمصداقية التي يستميت الإعلام ليحوزها وهو يعرف أنّه صار الدفة التي توجه ميول المشاهدين الذين هم بالنهاية أصوات انتخابية سواء أكانت حرة أو موجهة وأفواه مستهلكة تتلقف كل ما تقدمه لها الشاشة إذ صار المتلقي حصالة تخلق النقود بل صار بذاته مادة خام تعادل مصادر الطاقة.

الرغبة بالمشاركة, جعلتْ من الأفلام الوثائقية تنافس الأفلام المتخيلة وكان قد سبق ذلك ما يمكن تسميته بتلفزيون الواقع, حيث الحياة كما هي. اعتقد أنّ الكثير يعرف مقدار الخداع الموجود في ما يُسمى تلفزيون الواقع ومع هذا يُنحى الحكم الموضوعي تجاه الرغبة الكبيرة لدى الإنسان بالتلصص على حياة الغير وكون التلصص مصدر للمعلومة الخاصة, فهي تعطي للمتلقي المشاركة الكبيرة وكأنه الآن يمسك بدفة القيادة.

تنبه القائمون على وكالات الأنباء لهذا ولاحظوا أن مصدر الحدث عندما يؤخذ ممن هم داخل الحدث!؟ وليسوا عاملين لديهم يحوز على الإقناع بدرجات كبيرة, فظهر مفهوم كل إنسان هو صحفي أو مصدر معلومات وبدأت الألقاب تُعطى لهم, كناشط حقوقي وشاهد عيان, وضحية ومشاهد رأي بالعين وسمع بالإذن ونُحلت لهم كمصدر, القدرة على إعطاء الإرسالية الإعلامية وتكمن ميزتها أن المتلقي يتلقى الخبر كأنه يتلقاه من ابيه أو ابنه أو جاره وهؤلاء يتم تصديقهم لا شعورياً لأن الإشاعة تكمن سرعة نقلها باعتمادها على مصادر معلومات لا تشك أبداً بعدم مصداقيتها وهنا يكمن مربط الفرس الذي يتم من خلاله تصنيع هؤلاء واقناع المتلقي بأنهم من دائرته الضيقة ومن ثم تحميلهم الإرسالية الإعلامية المطلوبة من أجهزة التحكم, فالخبر هو سلعة وهو مصدر يدر المال, إذ يوطد بُنى مشاريع مستقبلية أو يهدم مشاريع قائمة لصالح منافسين آخرين, فخبر  صغير عن إغلاق مضيق في العالم يسبب ارتفاع اسعار النفط, فكيف بحرب!؟.

اليوم الخبر لوحده لا يكفي بل يجب أن يُدعم بمصادر حقيقة له وأكثر بل تصنعه وكل ما عليك أن تخلق شخصية افتراضية ولو كان وجودها مجرد رابط صغير على النت ومن ثم تعمم هذه الشخصية لتكاد تصبح كشخصية المفتش بوارو عند أغاثا كريستي وهذا لا يحدث بين ليلة وضحاها بل تم التأسيس لها مطولاً ويُزرع جذرها في رحم الواقع حتى يُصبح شجرة في لحظات من تاريخك استظليت بأخبارها وما أن يحين دورها كالخلية النائمة تُفعل.

يحمي هذا المصدر الإخباري بعد أن أخذ شرعيته في الواقع, الجهة الإعلامية من المسائلة وبنفس الوقت يؤمن المصداقية للمشاريع التي تتبناها وحتى تتكشف الحقائق وضمن سرعة العالم اليوم الذي يمطرنا بأخباره, والمكنة الهائلة لتجعل الخبر يُستهلك لمرة واحدة دون ردّ فعل؛ تصبح مناقشة موضوعيته كمن يحارب طواحين الهواء, فعندما يسري السم في الجسد إلى أن تجد الترياق وإن حدث يكون ما أعطب قد أعطب.

الخبر اليوم هو طاقة غير منتهية كاليد التي تحول كلّ شيء لذهب, كذلك المتلقي المتوهم مشاركته دجاجة تبيض الذهب!؟.

 للمرة الأولى في التاريخ تصبح الثرثرة الإخبارية التي تمطرنا بها كبرى وكالات الأخبار والمحطات الإخبارية أكبر مصدر للمال ولحسم النزاعات بين الدول الكبرى والأهم استعباد الشعوب عن طريق جهاز التحكم الذي تشعر معه أنّك سيد مطلق ومن يدس على طرف ثوبك تلغيه بكبسة زر؛ كم أنت أحمق أيها المشاهد!؟.

جريدة الثورة / فضائيات

باسم سليمان

bassemsso@gmail.com

خوخة الباب

 

إن الجذر” عَمَرَ” يبني تشعبات دلالية واسعة الطيف ولكل منها فترة نهوض واندثار, فمن المعنى الزمني يرتشح لنا ظلّه المديد, فلا يقال “عمران” ما لم يدوم في الزمن وتتناوبه الحدثان ومن المعنى المكاني ينهض الفعل البشري من خط الرعي الأفقي لخط الاستقرار العامودي وهو قيام البناء ولا يكون بناء إلا إذا ارتفع عن الأرض والبناء هو الشكل الذي يختصر هذا الجذر, والبناء هنا بجذره المكافئ لجذر” عَمَرَ” يختصر تاريخ الإنسان منذ ضرب في الأرض أول وتد.

العمران هو سيسيوليوجيا الوجود البشري إذ يتعاوره الجانب الاجتماعي بتفصيلاته, الفرد والجماعة, والنفسي من حيث أن العمران هو تعبير حيّ عن قناعات الإنسان الذي يُنشئ العمران ولأن المجتمع مكون في أصغر خلية منه من ذكر وأنثى جاء العمران يحمل الصفتين ويستنطقهما ويبوح بالأفكار التي تحدد ثيم مجتمع ما.

قبل انتشار النمط الغربي للعمران من بنايات طابقية وما تفرضه من انفتاح جوف العمران على الخارج والتي تؤكد بشكل وآخر على سيرة الحضارة الغربية في القرون الثلاثة الماضية بتبنيها قيم حداثية, فرضتها اقتصاديات رأسمالية غيّرت الكثير من الأفكار, كنا نجد العمران العربي والذي تظهره طبيعة الحارات وبيوتها التي فرضتها ظروف مناخية واجتماعية وعقائدية ودفاعية ولندقق في شكل هذا البناء العمراني.

السور, ظاهره خشن قاس معاد, ناهض كقامة رجل متأهب للهجوم والدفاع, يتخلله باب كبير, الدخول والخروج منه يحتاج لأذن آمر, تبرز منه فرجات لإطلاق الأسهم وأبراج للمراقبة. شكل السور, تقمصه البيت الداخلي الذي يحيط السور به. البيت من الخارج يدير ظهره للناظر, حيطان صماء لا تسمح بالإطلاع للداخل, مع باب كبير في أحد جوانبه ما يُسمى” خوخة الباب” وهو باب صغير يجبر الداخل على الانحناء, هدفها حماية الداخل من الخارج, مع مدخلٍ معتم نتيجة توضعه بزاوية انكسار معينة, تمنع الناظر من رؤية صحن الدار, مع مشربيات تسمح للموجود في الداخل النظر والمراقبة لمن هو في الخارج والعكس غير صحيح مع فرجات عالية تسمح للهواء بالدخول لتهوية البيت. هذا الظاهر الذكوري يستمر في الداخل مع تحديد موقع النساء حيث يستمر الحجب وفك أي ارتباط قد يحدث وزيد عليه الصراخ المتضمن أن مع رجل البيت,ذكراً, فتهرع النساء للتخفي في حجراتها.

أُعِد البيت بشكل يلامس أنوثة المرأة, فباحة الدار والتي تشبه الحوض الممتلئة بالشجيرات والزهور, تتوسطها النافورة الذكورية, مناور التهوية التي ترطب جو البيت ومشربياته, تكاد تشبه لباس الأنثى الذي يحجب الناظر إليها ولكنه بنفس الوقت يمنحها فرص التلصص, لكن السلبي, فهي ناظرة غير فاعلة, متلقية غير معبرة وكأن البيت, بجذره اللغوي” بَيَتَ” والذي يعني النوم في إحدى دلالته البعيدة والنوم يعني السكينة والحماية وإقصاء الخارج.

بين ذكورية ظاهرة للبيت العربي وأنوثة مضمرة في داخله, نستشف العقلية التي حكمت الذهنية في مجتمعاتنا من حيث هي عقلية انغلاقية لكنها لم تسُد طوال الفترات, فعند فترات الازدهار وخاصة في الإندلس, انكسرت حدة المعادلة السابقة وبدأنا نجد الحدائق الواسعة والتي تسمح للغير بالإشراف عليها وحتى الشرفات وانتقل الشباك والذي جاءت صفته من الشبك الذي يوضع عليه إلى مفهوم النافذة وإن لم تظهر فعلياً بشكل جلي إلا في القرون الأخيرة حيث النافذة ذات مفهوم تنافذي يمنعه الشباك والمشربية.

الآن في عصرنا الحالي حيث قيم الحداثة قد سادت, نجد البيت لا يتحرج من إبانة داخله عبر النوافذ الكبيرة ويمد شرفاته ويظهر جمال خارجه وكأنه رجل متأنق ونجد الأنثى حاضرة بفعالية في المجتمع بجميع سوياته.

عمار اليوم يكاد يحقق مقالة النسوية بمساواة الأنثوية مع الذكورية ولكن نجد من يعيد عقارب الساعة للوراء, تستير الشرفات وإعادة صناعة البيت العربي القديم بحرملكه من جديد وكأننا أمام حداثة شكلية لا غير, فهل خوخة الباب تطل علينا من جديد!؟.

جريدة الثورة / ثقافة

باسم سليمان

حاضر الكلام, سرد الماضي في حفر الباطن

كتب الأربعاء 11-7-2012 باسم سليمان

إنّ اختيار ضمير المتكلم في السرد الروائي, بقدر ما يحقق مصداقية تخيلية للواقع, يعمل على تأكيد الهوية الضائعة بين المؤلف الذي حكم رولان بارت بموته والروائي كعنصر من عناصر المحكي التخييلي عند جيرار جينيت؛

هذا الالتباس الذي أوجدته ما بعد البنيوية في سؤال, من يتكلم!؟؛ يُكشف هنا بالإكراهات التي يمارسها الواقع والتخييل على المؤلف؛ فيكون الكلام فعلاً تحريرياً بأن يسرد, سواء أكان سرده فعلياً أم ارتدادياً ولكنّه بالنهاية ينتج مضادات تعمل على نفي الواقع ونفي التخييل وبنفس الوقت تعيد تأريض التخييل وتخييل الواقع, هذا المحو والإثبات أو الضياع والإيجاد هو الذي يقدم مشروعية الراوي بضمير المتكلم وبالتالي إيجاد المصداقية في إقناع المتلقي وتلبسه حالة التكلم في سؤال, من يتكلم!؟.‏

« ضياع في حفر الباطن»:‏

هو العنوان الذي يُعقد مع القارئ في الرواية, الذي ذاته, المتكلم هنا, أي أن خطاب الرواية يوجهه الراوي لنفسه وكأنه بذلك يوقف ضياعه ومع القارئ الخارجي الذي ينتقل له الضياع الذي عاشه الراوي ويهدف بأن ينقل له نفس حالة الراوي وهو بذلك يطلب قراءة الدلالة المتخفية في اسم المكان الحقيقي والواقعي « حفر الباطن» بإنتاج القراءة المضادة لباطن الباطن, كون الظاهر معادلاً ضدياً للباطن, في المعنى التقليدي وهو هنا يسلط الضوء على الضوء, فالباطن المخفي الذي يُفترض بالرواية تقديمه, لا يؤمن الكشف المراد إلا بأن يصبح الباطن ضديّاً للباطن.‏

يُغفل العبيدي اسم المجند أو يكاد هذا الإغفال يجعل الجندي يماثل أي جندي عراقي عرف حروب العراق المتتالية ويغفل عرقه واثنيته وطائفته, يجعله معادلاً للعراق وهو إذ يفعل ذلك يقدم الوجه الآخر, للشخوص الأخرى في الرواية, بأن يُثبت ما أغفله عن المجند وكأنه بذلك يقيم التوازن بين الاستراتجيا التي تتجاوز التفاصيل والتفاصيل التي لا ترى الاستراتيجية.‏

المحكي الرملي:‏

المجند يروي كيف انتهت الحرب العراقية الإيرانية وكيف تم احتلال الكويت وكيف تمركزوا في منطقة حفر الباطن وما حدث بعد, من هجوم عالمي, لتحرير الكويت وكيف تحول كل شيء إلى رملِ لا يدل على وقت.‏

يدخل العبيدي في جزئيات الجوع القاتل والقلق المدمر للشخصية والانحدار كما العرق الزنخ الذي يتفصد من جسد الهوية الضائعة في سراب وضياع جهات والهزيمة التي تطال في النهاية, كل شيء وكيف يسقط الهرم ويتحول ركامه لتيه, يترصده كل شيء إلا الموت, الموت المتخم والذي يتجشأ, مسيرة تقود المجند ورفاقه إلى معسكرات الأسر في السعودية وعبر ذلك يكشف العبيدي, أن التفاصيل التي نظف منها مجنده لم تختفِ بل تبدت وكأنها أقوى من كل الغرائز الأساسية التي تبقي الكائن الحي على قيد الوجود الحيوي رغم الجحيم الذي مروا به!؟ , هكذا يدخل العبيدي إلى قلب اللغم, لا يفكر بنزع فتيله, فهو يعرف أنّه لا انتهاء من سراب حفر الباطن إلا بتفجير اللغم من الداخل وليس من الخارج لربما تعود الأمور إلى طمي النهرين اللذين شكلا العراق ويُخلق إنسان عراقي بهوية واحدة لا تعرف الظلال.‏

المشهدية وذاتية التقييم:‏

يروم العبيدي أن ينقل ما حدث, أن يجعلنا نشم ونبصر ونحس ونلمس وكأنّه يقول لا تخييل أبدع من التجربة وليست المعايشة إلا قناع, فانزع قناعكَ الذي يحميك من الغازات السامة.‏

هو يكتب عن الجلد ليس عن الثياب بل يكتب على هذا الجلد, لكي ,عندما نقلب صفحات الرواية, تتعفر أصابعنا بالرمل وبالوسخ وبدماء الجروح وبكاء العيون والجوع الساكن أبداً في الكريات الحمراء والأوكسجين المبعد عنها والأقدام التي تحولتْ لخف ضخم من القيء والألم والضياع والقصف والتدمير .‏

اكتمال الدائرة:‏

يعود المجند بعد استكمال إجراءات عودة الأسرى وبعد أن عرف عالم جوليا المجندة الأميركية وودع صديقه الأشتر الذي عاش معه كل تفاصيل الضياع وكان المرآة التي عكس بها المجند / الراوي, الواقع .‏

وهناك في الأسر, خطّ مخطوطاً لتلك الأيام وتركه للريح خوفاً من الرقيب في بلاده, ليجد الأب وقد أصابه العمى وأم مقعدة وزوجة تكاد تشف, عاد ليجد حفر الباطن قد أصبح البلاد.‏

عبد الكريم العبيدي يرفع بسرده بصمات حقبة زمانية امتدت طويلاً في العراق, تؤسس لمساءلة ونقد وكشف للذي حدث, فالحاضر لن تستقيم له حال ما لم يفند هذا الماضي القريب كالوريد وهو إذ يختار الروايه أن تكون بلا اسم أو ملمح إلا ليجعله كل العراق. رواية كُتبت بحس عالٍ من المسؤولية والحساسية الوطنية, بلغة لاذعة صريحة وواضحة لا نرجسية فيها ولا أوهام وكأن الرواية عبارة عن ذرات غبار تراصفت من تلك السماء المغبرة فوق حفر الباطن عرى كل شيء ليليق بالبذلة التي مازالت تنتظر عند الخياط في حيه.‏

 ضياع في حفر الباطن لـ عبد الكريم العبيدي‏

الحامل والمحمول وأثر الفراشة

عندما يتكلم “جينيت” عن مناص خارجي عن النص, تكلم فيما تكلم عن التعقيبات التي تكون لآخرين أو لذات الكاتب على النص الأساس والذي تليه ولادة من حيث الزمان والجسد, سواء بكتاب ثانٍ أو بملحق على النص الأساسي وذلك ضمن صيغة ملحقات ولكن يبقى النص هو المتن وهذه المناصات الخارجية الهامش.

ومهما لعب الشكل دوراً في قضية التلقي, عندما نعتاده, يُهمل ويتحول أثره لذات الأثر الذي يخلفه الخط الطباعي السائد, يكاد يكون إهمالا كاملاً.

بين عنعنة شفوية متواترة أو آحاد أو شهود وعنعنة ورقية وحدانية, أنتقل النص عبر الزمن والمكان مطلقاً سطوة لا متناهية للورق حتى أنه لا يمكن تصور التاريخ البشري دون القلم والورقة حتى صارت شجرة دلالتهما غابة بحجم الوجود البشري وبين ليلة وضحاها, لم يتسلل كجدول بل هدر كسيل يتسع حتى صار كالمحيط ما يمكن تسميته الأدب الإلكتروني, بداية كان كظلٍ باهت ومن ثم كخط متواز مع الأدب الذي يتم إخراجه ورقياً ما لبث أن استقل وبدأ يوجد مناصات خارجية ليست بلاحقة أو متابعة له بل تنولد في اللحظة التي ينولد فيها؛ ليتم التكلم عن التشاركية والتفاعلية المباشرة مع النص الأدبي, عبر المدونات والمنتديات والفيس بوك والتوتير وبالأحرى كل النتاج الأدبي الذي يتم ضخه إلى النت يصبح متاحاً للمشاركة الفعالة مع الأخذ بالاعتبار أمكانية تحصين النص من المشاركة سواء بالتعليق أو الإعجاب ورده إلى حيثيته الورقية.

التشارك المذكور آنفاً هو درجة بدائية تسود الأدب الإلكتروني, تذكر بالشفوية وهي تكاد تندرج ضمن تجليات التي تكلم عنها “جنيت” والشكل المعتاد الذي مع تنامي وجود الشبكة العنكبوتية المطرد في حياتنا سيتحول لحالة الخط الطباعي يكاد لا يذكر أثره.

التشارك المأمول والذي مازال حيزه صغيراً جداً مقابل التشارك السابق هو إدخال الإمكانات الهائلة الإلكترونية من صور ثابتة ومتحركة وموسيقى مرافقة وقدرة على تحويل النص المكتوب إلى نص سينمائي عبر أجهزة ملحقة من نظارات ثلاثية الأبعاد وأقطاب توضع على الرأس بحيث يصبح النص خيالاً مصوراً أمام القارئ وهذا المذكور ليس من الخيال العلمي بل قاب قوسي التحقيق وعندها نستطيع أن نتكلم عن أن الحامل للنص الأدبي والمقصود به هنا التقنية الإلكترونية الحديثة عبر تجلياتها العديدة لم تعد مناصات خارجية بل تصبح مناصات داخلية كعنوان العمل الأدبي والغلاف واسم الكاتب والاستهلال وحتى أكثر من ذلك ليختلط الحامل بالمحمول بحيث يصبح النص الإلكتروني لا يمكن تحققه في الشكل الورقي دون خسارة جسيمة تصيبه وهنا سيغدو الفرق لا يجبر وكأننا نتكلم عن الفروقات بين النص الشفوي والنص المكتوب ويمكنا القول, ضياع الفارق بين الهامش والمتن حيث يتحول أثر الفراشة لإعصار.

جريدة الثورة

باسم سليمان

أريد أن آكلُكَ!؟

كثيراً ما نسمعها ومن الأم خصوصاً تجاه ولدها أو الحبيب نحو حبيبته؛ الجملة التالية : أريد أن آكلك!؟. تبدو الجملة وكأنها خارجة عن السياق الإنساني الذي يرفض بشدة موضعة أكل الإنسان للحم أخيه الإنسان؛ ولكن كيف نقبلها هنا ونجدها قمة التحبب ولا نعترض أخلاقيا عليها!؟

أكل؛ هذا الفعل يعود إلى واقعة ميثيولوجية, نُعدّها فاتحة وجود الإنسان على الأرض المتمثلة بأكل التفاحة التي نهتْ عنها الآلهة وهذه التفاحة من صفاتها, أنها تتضمن معرفة الخير والشرّ أي ما تمتاز بها الآلهة عن غيرها من المخلوقات وتناولها يعني المشاركة في هذه الصفات وهذا بدوره يقود إلى أن الإنسان كما نقلتْ لنا المصادر الأركيولوجية ونمثل لها, واقعة عبادة الإله ديونيسيوس؛ حيث يطلب مريدوه منه أن يتمظهر لهم بشكل غزالة أو خنزير أو غير ذلك وفي قمة الكرنفال يقوم المتعبدون بالتهام الحيوان دليلاً على اتحادهم مع إلههم ولكن هذا التمظهر وجد شكلا آخر, عن طريق الأضحية وبشكل معكوس, فالأضحية المنذورة لإله ما, تصعد له عبر محرقة, فيتنسم رائحة الشواء وإذا لم يتم ذلك بعطاء كامل يرفض الإله ذلك كما حدث مع قابيل وهنا نجد ذات المعنى حيث يقوم المضحي عبر الأضحية بالاتحاد مع إلهه أو العكس من قبل الإله الذي يلعب دور آكل الثمرة, فالأكل يمثل العطاء المطلق, فعندما أمر الله نبيه إبراهيم أن يقدم ولده أضحية, امتثل النبي كذلك السيد المسيح في العشاء السري حيث قدم العطاء المطلق عندما قال عن الخبز والخمر: إنه جسده ودمه دلالة مطلقة على الأضحية والمشاركة حيث ستتبع قيامته قيامة المؤمنين به.

ونجد بُعداً آخر, كأكل لحم الأجداد أو الآباء, سواء بالواقع الفعلي كأن يتم الاحتفاظ بعظامهم أو عبر طريقة معنوية بتقديم النذور لهم؛ ويعني هذا إن الأكل يمنح الطاقة الروحية من قبل استمرار الصلة بين الأجداد والآباء وخلفهم كما تفعل بالواقع التفاحة أو غيرها من الطعام في مدّ الآكل بالطاقة التي تمنحه القدرة على الاستمرار في الحياة, فالأم خلال حملها, تتخير الطعام الجيد وتعرف أنّ كلّ ما تتناوله يتناوله جنينها, فواقعة الأكل من قبل الأم هي قمة العطاء وبعد الولادة يستمر الأكل عبر حليب الثدي بعدما توقف عبر الحبل السري, فالحبل السري هو الصلة التي يتم من خلالها المشاركة في الصفات ويجب أن يستمر هذا الحبل قائماً عبر طرق عديدة, فالصلاة هي صلّة كذلك الأضحية.

الصياد كان يأكل قلب فريسته, ليتزود منها بالقوة وكان يستعير منها أنيابها أو يلبس جلدها في تماه ومضاهاة أي المشاركة والاتحاد وعندما نتوقف عند موضوعة الغزل, نجد الرغبة في ارتشاف ريق الحبيب أو القول لشدة الشوق: إنه يأكلني بعينيه!؟ وفي التحليل النفسي يعتبر فرويد المرحلة الفموية, هي أول المراحل التي يتعرف بها الطفل على العالم, فعن طريق فمه بتزود بالغذاء ويعرف المتعة ويعرف حنان أمّه عن طريق الشم والشم مرتبط جداً بواقعة الأكل حيث هو المبتدأ والأكل هو الخبر, فالشم هو الرغبة والأكل تحققها, ألا يذكر ذلك بواقعة تنسم الآلهة لرائحة الشواء من الأضحية المصعدة له.

أكل الطعام أو “الدجن” و” داجون” هو إله, تعبد له الإنسان, يوماً ما في تاريخه والداجن هو الحيوان المروض والأليف وألم يتم تهذيب الإنسان وإخراجه من بدائيته والتخصيص عليه بنوع الأطعمة المسموحة له أي المعرّفة والتي هي حلال أي التي ليست منكرة!؟ والمنكر من النكرة غير المعرّف, فالأكل يفترض المعرفة بطبيعة المأكول وهذه المعرفة, لا يجب أن تكون بطريقة ملتوية كما حدث مع التفاحة, فالتنظيم أسّ من أسس المعرفة والمعرفة بذاتها حبّ وسُمي جبل عرفات بهذا الاسم عندما تعارف آدم وحواء وتعارفهما هنا بعد التوبة عليها من قبل الله أي الانتهاء عن فعل الأكل الخارج عن القانون/ المعرفة الحقة ومن هنا نعود لما بدأناه من أنّ رغبة الأم في أكل طفلها أو الحبيب وسبب عدم الاستهجان من الجملة, فالحس الأخلاقي الفطري يعي إن لفظة الأكل هنا هي في وضعها اللائق كسبيل للوصل والمشاركة وتبادل الطاقة والمعرفة المنظمة.

جريدة الزمان

باسم سليمان

الإعلام.. إقليم رابع للدولة

فضائيات الأربعاء 4-7-2012 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص على حق الدفاع المشروع والقوانين الوضعية ثبّتتْ سواء في دساتيرها أو قوانينها, أن حق الدفاع حق غير منقوص ولا يجوز بشكل من الاشكال النيل منه وأقرّت المنظمات العالمية والقانون الدولي والأعراف الدولية على تلك الحقوق

واعتبرت؛ أنّ الإعلام شأن داخلي في كل بلد.‏

ولكن مع تطور وسائل الاتصال وخاصة الفضائية ظهر ما يمكن تسميته « البث العابر للدول» عبر أقمار صناعية قد تكون مملوكة لدول أو هيئات أو شركات تحكمها شرّعة ينظمها عقد يتضمن حقوقاً وواجبات يتوافق مع القوانين العالمية للإعلام والإخلال بهذه البنود يرتب فض العقد بين المتعاقدين.‏

هذه البداهات القانونية, بدأتْ تثير في الفترة الأخيرة مجموعة من الأسئلة وخاصة منذ القرارات التي اتخذتها أوروبا بحق قناة المنار التي حجزتْ لها قنوات على أقمار أوروبية بغية توصيل الوجه الصحيح للصراع العربي الإسرائيلي للمواطن الأوروبي الذي يرزح تحت سطوة إعلام يتحكم به اللوبي الصهيوني عبر العالم وتتالتْ الاحداث في هذا الخصوص في عدة مناطق وظهر ما يمكن تسميته التشويش على بث القنوات الفضائية.‏

هذا الواقع الميديوي يطرح مجموعة أسئلة؛ أولها:‏

إن الإعلام ليس شأناً فردياً بل هو شأن عام ويتعلق بالدول ويجب أن يأخذ في حسبانه قواعد الأخلاق والالتزامات التي تواضعت عليها البشرية عبر مسيرتها الحضارية.‏

الأمر الثاني: إن التعرض لإعلام دولة مستقلة ذات سيادة وتنتسب لكل المنظمات الدولية ومعترف بها من قبل أعضاء هذه المنظمات جماعة وفرادى وممن تتكون منه هذه المنظمات يعتبر عملاً عدوانياً لا يجوز قبوله أبداً.‏

الأمر الثالث: إن التعرض لإعلام دولة مستقلة سواء العام منها أم الخاص دون الرجوع لقوانينها ومحاكمها الناظمة لهذا الإعلام والتي تتفق بالضرورة مع الاتفاقيات التي تنجز مع الجهات التي تملك الأقمار الصناعية يعتبر تدخلاً سافراً بالشأن الداخلي.‏

الأمر الرابع: يتعلق بالانتقاص من حرية الإعلام واستقلاله وتقديمه للرأي والرأي الآخر.‏

الأمر الخامس: إن إدخال السياسة ولعبها الخفية وأجنداتها لمنع بث قناة أو منع إعلام دولة حرّة مستقلة ذات سيادة, يعتبر خرقاً للمواثيق العالمية والدولية العامة والخاصة.‏

وعليه مادامتْ الجهة الإعلامية سواء العامة أم الخاصة تقوم بما تفترضه الأحكام الناظمة السابقة ولم تقم ببث ما يؤذي الأخلاق العامة وإثارة النعرات الدينية والطائفية أو ما يمكن أن يدخل ضمن التحريض والتهديد وكل ما يعتبر شأناً عدوانياً, بحق دول ذات سيادة, فمن أين لجهات أو منظمات أو دول أن تتطالب بخرق كل تلك المواثيق فقط لأن هذه الجهة الإعلامية تقوم بدورها العربي والوطني المقاوم والمدافع عن سيادة الدولة واستقلالها واستتباب أمنها وفضح ما تتعرض له من مؤامرة دولية تقودها أطراف ارتهنتْ لعمالة الخارج!؟.‏

ما صدر عن اجتماع الوزراء العرب, هو انتهاك لكل المواثيق التي رتبتها البشرية في مسيرة وجودها وكان الأحرى به التوجه لقنوات بعينها تبث سمومها الطائفية وتعمل على ضرب استقرار دول بعينها.‏

وثبت أن الإعلام الرسمي لسورية لم يقم بخرق المواثيق الدولية العامة والخاصة ولم يقم بما يمكن أن يُسمى تحريضاً أو تدخلاً في شأن أي دولة عربية ممن أرسلتْ وزراءها ليخرجوا لنا بهذا المطلب أما لجهة الإعلام الخاص ولنفرض جدلاً, أنّه قام بخروقات لجهة بعض الدول!؟ لكنّه لم يقم لجهة الاتفاقية بينه وبين الجهة المالكة للقمر الصناعي عرب سات ونايل سات بأي خروقات كما تفرضه موجبات العقد ولنعد لجهة الخروقات بحق دولة ما, على تلك الدول أو المنظمات أو الجهات أو المتضررين؛ أن تلجأ للقوانين الناظمة للإعلام في الدولة التي تعود لها تلك الجهة الإعلامية الخاصة.‏

وبموجب الاتفاقيات القضائية العالمية والثنائية تقوم بطلب إغلاقها وهذه الطرق القانونية كسرتْ بذلك الطلب؛ لذلك يعتبر ما صدر عن الوزراء العرب تدخلاً سافراً بالشأن الإعلامي السوري غير مقبول ومرفوض بالمطلق ويخرق شرعة القوانين العالمية والخاصة المتعلقة بحرية الإعلام واستقلاله وأنه إقليم رابع للجمهورية العربية السورية.‏

باسم سليمان

الثورة

وصمة فيليب روث

أوديب الذي هرب من قدر/ هوية, لم يكن فراره إلا لقدره/ هويته؛ كذلك “كولمن سيلك” الأسود, لم يكن أسوداً بقدر ما كانت جذوره سوداء والتي تلقحت بجذور بيضاء, مما أمّن له أن ينجز محو هويته السابقة بهوية جديدة ويقطع معها قطعا تاماً بأن يستنبط جذوره البيضاء ويتسلق المراتب الاجتماعية ليصبح عميداً لجامعة ” أثينا” ولكنه هو المفتون باللغة التي تعلمها عن أبيه وصقلها لحد الهوس, يتلفظ بكلمة صغيرة ” spooks” أي “أشباح” بحق طالبين تغيبا عن دروسه وهذه الكلمة ذات الهويات المتعددة تحمل بطيتها ازدراء بحق الجنس البشري الأسود وهنا يبدأ هروبه السابق وكأنه عودة؛ لكن كما قال “كريون” لأوديب عندما سأله: ما هو طقس التطهر, فيجيب كريون: عن طريق نفي الإنسان أو دم بدم؛ لعنة الدم تلك التي كالبصمة أو كاللطخة تظل عالقة بك مهما حاولت شنق نفسك بهروب تلو هروب!؟.

الهويات تقتل وتسجن وتنفي وتختصر تاريخ الإنسان وهي بنية البنيات في اللغة, فيليب روث يعالج بروايته ” الوصمة البشرية ” مشكلة الهوية والهوية ليست ” الأنا” بل شرايين وأوردة هذه الأنا من دين وطبقة اجتماعية و ذكر وأنثى ولون بشرة وتاريخ وكل هذه الشبكة العنكبوتية التي تنشأ بين ال” نحن” و ال” الهم”  والمجتمع الأمريكي ككل.

كولمن سيلك أو سيلكي سيلك, الملاكم, هو ذاته الذي كان على الحلبة, يجيد تسديد ضربات قاسية بحق اللاعب الآخر؛ لكن على أرض الواقع, كان مكبلاً بسره, في الحلبة لا أحد يهتم بسره الكبير بأنه من العرق الأسود؛ لذلك كان قادراً على هزم منافسيه تلك الحقيقة كان يعيها كولمن, فأنشأ عالمه على صدفة سلحفاة تحتفظ بهذا السر لكن كما في القصة تصل السلحفاة لخط النهاية.

نجح بهويته الجدية, لولا تلك الكلمة “spooks ” التي دمرت إنجازه, زوجته توفيت وقدم استقالته من الجامعة وانزوى على نفسه, غاضباً, ناقماً إلى أن يتعرف ب” فونيا فيرلي” التي ربما من خلالها حاول أن يضرب بقوة الحائط الذي صنعه وحجب به حقيقته ؛ لكن هويته الجديدة تلاحقه تضيق الخناق حتى تقتله.

هل كان لوحده في ذلك؟, يبدو الجواب من خلال الشخصيات التي عرفها, فكلها في الحلبة منها من ينتهي بالضربة القاضية ومنها من يناور حتى اللحظة الأخيرة كأبيه الذي خسر كل شيء لينتهي نادلاً في مطعم على قطار, ليموت هناك, أمه أخوته , فونيا الهاربة من تحرشات زوج أمها ومن القسوة الهائلة للجندي الأمريكي العائد من حرب فيتنام ” لِس فيرلي” الذي يريد أن يقتل هوية الجندي و” دلفين روكس ” الفرنسية التي لوهلة اعتبرت نفسها ناجية من إرث عائلتها الفرنسي ومن أمها وآخرين في هذا المسرح “التراجوكوميدي” حيث دلالة الجامعة ” أثينا” وكون كولمن أستاذ الكلاسيكيات المتخصص بالأدب اليوناني واللاتيني والذي يدرس المسرحيات العظيمة, كذلك أبيه المولع بشكسبير وتشوسر؛ هكذا صاغ روث روايته بحرفية عالية كل كلمة وجملة واسم يحمل دلالة , ف” والتر” الابن الأكبر يشبه “أنطونيو” وكولمن “بروتس” والأخت ” كالبورنيا” أو أنتيغونا” لا فرق.

المكر:

فيليب روث, يتلاعب بكل شيء, يتهكم من اليقنيات يسخر من الحقائق وكأنه يصرخ ما هذه القناعات القاتلة!؟؛ لذلك يجعل القارئ يتعاطف مع شخصية ويكره أخرى ومن ثم يكشف الغائب عن ذهن القارئ وأحكامه المسبقة التي بناها على أساس رواية روث من خلال شخصيات الرواية, فيعيد قلب الموازين حتى من كنتَ تكره, تتعاطف معه ” لِس” الجندي المجنون ينضح إنسانية أمام حائط الذكرى لرفاقه الذين ماتوا في فيتنام . ” دلفين روكس” التي تكره كولمن, يكشف لك عقدها لتكاد تحنو عليها . فونيا وكولمن ذاته وبقية الشخصيات؛ ينجز هذا المكر بسرد دقيق يدخل عمق الشخصيات يحللها وكأنه عالم نفس يبين تاريخها وكأنه أركيولوجي وعالم إناسة. يقشر اللغة بدالها ودلالاتها, يصف كرسام ويعرف الكثير عن عالم الحيوان وخاصة الغربان, يمتلك شعرية تجعل كناياته واستعاراته ومجازاته رائعة ومندمجة في السياق كأنها هي السياق.

رواية الرواية:

إنها ليست رواية عن كولمن سيلك بل عن الراوي ” ناثان زوكرمان” الذي تعرف على كولمن وطلب منه الأخير أنْ يكتب قصته التي حاول أن يكتبها بعنوان ” spooks”  زوكرمان الذي يعيد اكتشاف منطقته ومجتمعه وبلده عن طريق بحثه عن من قتل كولمن؛ هل كان حقا ” لِس فيرلي ” زوج ” فونيا “؟, يلتقيه زوكرمان ويسأله ” لِس” أن يرسل له نسخة من الرواية !؟.

الأسلوب:

حشد فيليب روث في روايته الجمالي والفلسفي والتأملي وناقش فكر كونديرا والأساطير اليونانية والمجتمع الأمريكي المشغول بفضيحة مونيكا وكلينتون وبذلك أستطاع من خلال أسلوبه الدقيق والعميق والرؤيوي أن ينجز بانوراما عالية الدقة عن المجتمع الأمريكي تقريباً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى نهاية هذا القرن مع تفرعات تصل للهجرات الأولى لأمريكا وكأنه بذلك يكتب تاريخ أمريكا أو تاريخ ما ادعينا تسميته الحداثة وهي بالنسبة له حداثة زائفة!؟. تكمن أهمية الرواية بتعريتها مفهوم الهوية وسخريتها من تلك البرتوكولات الإنسانية التي لا تزيد الإنسان إلا استعباداً لنفسه ولغيره.

يلقب بشيخ الرواية الأمريكية المعاصرة, لمع نجمه مع نوفيللاه ” وداعا كولومبس” التي فازت بجائزة الكتاب الوطني وذاعت شهرته مع روايته ” شكوى بورتنوي” وفاز عن روايته ” الوصمة البشرية” بجائزة فوكنر.

قامت المترجمة والشاعرة فاطمة ناعوت بترجمة الرواية” الوصمة البشرية” الصادرة عن الهيئة المصرية للكتاب, سلسلة الجوائز 2011

جريدة الثورة / كتب

باسم سليمان

Bassemsso91@gmail.com

 لا مقدس غير العقل

 

قد تكون سابقة في إعلامنا الوطني, أن يتم التعامل مع المقدس الديني من قبل ناقد جذري يصرخ بإمامة العقل وأن الشكّ هو الطريق وأن الحدث الديني هو واقعة بشرية يجب التعامل معها كوجود تاريخي وأن توضع بميزان العقل دون الخوف من كل الأسوار الحامية له وخاصة في الظروف التي تمر بها البلد وما استتبعته من ارتدادات نكوصية لم يعهدها المجتمع السوري!؟.

على قناة “شام أف أم” في سهرة الجمعة يطل الباحث في علم اللاهوت نبيل فياض مع المذيع قصي عمامة في برنامج اختار لنفسه عنواناً صدامياً وكأنّه يريد من النفس الأول أن يعلن استثنائيته وجرأته في مقاربة قدس الأقداس في الثالوث البشري ألا وهو الدين وإن كان اللعب بناره سيحرق أصابع القناعة الراسخة والطمأنينة النائمة والمسلمات القارة في عقول المستمعين ليبدلها ناراً تطهر العقول من ركود شكّها وأن اليقين لا يكون إلا بالتجربة القائمة على حقّ الخيار والنقد والكشف, فليست العنعنة حتى لو زينت بأبهى لباس تمنع الرائحة العطنة أن تتسرب وتنتشر وتُحدث تلك المآسي التي يسببها الفهم الغلط للدين!؟.

” تابو” برنامج يقارب الديانات السماوية بموجب قواعد النقد التاريخي وعلم الأركيولوجيا والدين المقارن وعلم اللغة وعلم الإناسة مؤكداً بذلك أن الخصوصية التي اختص بها لأنفسهم رجال الدين؛ خصوصية غير مشروعة مادام الدين يخاطب الكائن البشري فرداً وجماعة, فمن الحق والواجب الوقوف تجاهه وقفة الواعي العارف لا المسلم الخانع وبالتالي وضع الدين تحت مبضع العقل الإنساني ووزنه بمعيار الغاية الكبرى إلا وهي الإنسان, كونه الكائن الأسمى والذي يمثل قيم الخير والحق والجمال ودون ذلك لا يجب اعتباره مقدساً مهما تمت تغطيته بأستار المعجزات التي لا تقنع إلا عقل الطفل الصغير.

نبيل فياض صاحب الكتب الجدالية والتي أثارت الكثير من الزوابع وجعلتها في مهب المنع ينتقل من الكلمة المكتوبة المحدودة التوصيل إلى الصوت اللامحدود وهذا يعتبر انتصاراً حقيقاً للمجتمع السوري الفسيفسائي وخطوة مهمة في بناء المجتمع الحديث.

لا ريب أن البرنامج يستحق المديح الحق ولكن صعوبة المسألة المطروحة والعمد إلى انتقاء المواضيع الأكثر حساسية دون التأسيس العلمي للمستمعين يجعل السؤال لماذا لم يتم اعتماد المنهج المدرسي الكلاسيكي الذي يؤمن أرضية جيدة تدفع المتلقي لامتلاك حساسية نقدية خاصة؛ مشروعاً جداً!؟.

الشيء الثاني بالذكر وهو المذيع الذي يشهد له بحسن انتقاء الأسئلة ولكن هنا, مادام ظهوره كمحاور ومفنّد ومناقش لما يقدّمه الباحث نبيل فياض, فمن المفترض أن يكون المعدّ على دراية العارف وليس المطلع!؟.

إنّ الاتصالات الهاتفية مع الصفحة الخاصة بالقناة على الفيس بوك والتفاعل المباشر زادا من حرارة البرنامج وإنّ أول ضربة معول في صنم القداسة هي الحوار والجدال وهذا ما حققه البرنامج بجدارة ويجب القول: إن البرنامج رغم حساسيته حافظ على مسافة ممتازة في نزع فتيل ردود الفعل الدوغمائية؛ الحاجة لهكذا برامج كالحاجة للماء والهواء ويجبّ أن تطال بقية المقدسات الأخرى, فلا مقدس غير الإنسان.

جريدة البعث

باسم سليمان

الخنزرة صرخة وجود من يعيها!؟

ليس جديداً البتة أنْ يتم تناول تحول الإنسان لكائن آخر, سواء حيوان في حالة وقع سحر ما عليه أو أنّ تحوله يخدم نزعات شيطانية داخله كالمستذئب أو مصاص الدماء وهذه الرؤية التحولية عُولجتْ منذ القدم مروراً بألف ليلة وليلة وصولاً لغرائبية وفنتازية القرنين الماضيين في أوروبا ووجدت لها متسعاً كبيراً في القرن الفارط سواء في قصص الخيال العلمي أو في الروايات التي كانت رداً صارخاً على تشيؤ الإنسان ومثالاً عليها رواية “كافكا” الحشرة عندما تحول غريغوري سامسا لصرصار ولكن السينما التي انتهجت الرؤية الكلاسيكية السابقة عدلتْ حالياً وأنتجت أفلاماً تعيد الاعتبار لهذا التحول وكأنه تأقلم إيجابي وبل مفيد وضروري.

وعليه ما الجديد في رواية “الخنزرة ” ل “ماري داريسك” والتي تسرد فيها البطلة ذاتها بطريقة أقرب للسرد ذاتية, إذْ أنّ صوت الراوي هو الصوت المسيطر على مجمل الرواية ولم تتوقف ماري عند هذه النقطة بل شملت روايتها مقاطعاً يؤسسها في الواقع من خلال تحذيراتها الأخلاقية لعدم قراءة بعد المقاطع أو أن يسامحها القارئ وحتى الناشر الذي قد تسبب له هذه الرواية التي بعثتْ بها البطلة إليه من غابتها وهي تتمرغ بالطين والأوساخ وتعيش بسعادة غائبة عن هذا العالم, السجن, ورغم ما سبق لم تخرج في روايتها إلى جديد!؟.

الخروج إلى الجديد يمكن في السذاجة الكبيرة والبساطة في تقديم تحول شخصية الرواية إلى حالة الخنزرة كأنها مراهقة تتفكر بنضوجها ولا تجد أحداً ينوّر الغموض الذي غادرتْ الطفولة إليه, فتم تقديم الحالة دون هرطقات إيديولوجية أو لعنات غيبية. تسرد حالتها وكأنها تبوح لجارتها في صبيحة قهوة هذا التحول, كيف بدأ الجلد يسمك وكيف نمتْ لها ستة أثداء وكيف تساقط شعرها, وصار لها ثلاثة أصابع و نفورها الشديد من لحم الخنزير ورغبتها الدائمة بالخضار والقلقاس والبلوط وكل ما يتناوله الخنزير وإحساسها العارم بالطبيعة, فهي تشم الأوراق وتفهم ما تقوله العصافير وتحس بالجذور تتحرك بالأرض لقد تغير مفهوم الكون من حولها واستقامتها السابقة صارتْ تسبب لها آلاماً كبيرة في حين مشيتها على أربع قوائم تريحها والميزات التي اكتسبتها بتحولها إلى خنزيرة ومع ذلك, فقد صارتْ أكثر اهتماما بالآخر من إنسان أو حيوان لقد ارتقتْ لدرجة كبيرة في التعامل العاطفي يفتقدها الكثير من سكان هذا الزمن!؟.

كانت عاملة محل عطور في العاصمة الفرنسية ومن هذه النقطة بدأت الأقنعة بالتساقط من ” هونوريه” عشيقها إلى رب العمل إلى “أدغار” السياسي وأخيراً المستذئب “إيفان” التي أغرمتْ به حد الجنون والذي علمّها قبول ذاتها وتفهم هذا التحول وضحى من أجلها, لا, ليس أخيراً بل ذلك الغنوص الفحل الذي تساكنه في الغابة ومن هناك كتبتْ سيرة حياتها التي اقتنعتْ بها ووجدتْ أنها تلائمها تماماً .

الرواية تعرية هائلة للمجتمع المابعد حداثي, ضربة بالصميم وتكمن أهميتها بأنها ابتعدتْ عن خطابات التنظير والسياسة والدين والأيديولوجية وعادت للحكاية, للبساطة والسهولة, والأهم العاطفة رواية عاطفية رغم الصدمة الأولى تأخذك إلى التعاطف بل القبول وأن تحبّ هذه الخنزيرة المكافحة, لأن تجد مكاناً لها خارج عجلة السوق والاستهلاك والمكنة الضخمة التي ينضوي تحتها الإنسان.

تنهي روايتها بمقارنة بينها وبين “إيفان” عشيقها المستذئب الذي قتل, هو حتى يتحول إلى ذئب كان يمدّ رقبته ويعوجها في ضوء القمر أمّا هي عندما تريد أن تتحول لإنسان تمدّ رقبتها وتعوجها تحت ضوء القمر, فتستعيد اعوجاجها البشري!؟.

الخنزرة ل ماري داريسك ترجمة سهيل أبو فخر صادرة عن دار قدمس 2011

جريدة الزمان

باسم سليمان

بين هندسة إقليدس والتخييل, العطر الفرنسي

لا ريب, فالإنسان كائن, رغم أنه ابن هندسة إقليدس إلا أنه منذ لحظة ولادته قطع حبل صرّته بصوانة الخيال وعقد بها مخلاة وجوده كمهماز للواقع.

صرخة التخييل.

من هو علي جرجار!؟, ثالث ثلاثة في حزب” وطنك الكبير” مع رئيسه الرحالة المقعد حاكم عذابو وسعاد سعد والتي لم يُعرف عنها شيئاً أم أنه أحد أعضاء اللجنة السداسية لحي ” غائب” الشعبي مع حكيم النبوي وحليمة المرضعة وموسى وو.. أو خزنة تاريخ الحي حيث كان أهله يروون له حدثانهم لكي يتذكرها لهم فيما بعد أو يجيب عن أسئلة يرومها منه من يسكن الحي ويسمي الشوارع والحارات وبرك الماء الآسن سواء بأسماء الموتى أو الأحياء أو أنه نديم ميخا ميخائيل الذي بصق على القائم بأعمال الهجرة الاسترالي وصرخ لمن أترك هذا الحمل الكبير من الذكريات أم أنه العريس الدائم الذي وعد جل نساء الحي بالزواج منهن؛ هذا بعض علي, الذي يدرب ذاكرته يومياً؛ لتبقى نشطة ولا يناله التخريف في سنه المتأخرة بأن يتذكر حوادثاً قديمة جداً, لحذاء اشتراه وذبابة سقطت في كأس شاي ويحبس عضلات مثانته ويريحها هرباً من مضاعفات ستصيب ذكورته .. ما ذكر يشبه محفظة علي التي نشلها منه أحد السارقين وظلّ علي يضحك حتى دمعت عيناه وهو يتخيل السارق وهو يقلب بالطبقات العشرين للمحفظة ولا يجد شيئاً!؟؛ الأهم في علي أنه كان صاحب صرخة” حرية التخييل” والتي انتشرت في طول البلاد وعرضها ولم يدفع له أحد ثمن الحقوق الملكية الفكرية لإبداعه هذا؛ عن طريق التخييل كان علي يرطب قيظ الوجود ويدهنه بزيوت؛ غداً يستحق أن نعيش له, ليستمتع بصرير بابه وبشرب خمرة آل من الجان وتقرقر معدته ويتعرق عندما يمر بسلافة الجميلة ويفاوض بائعة الشاي على باب المديرية على عدد قيراطات الذهب في خاتم الزواج ويجد به موسى الشخص المناسب لينقل خبر قدوم “كاتيا كادويلي” الفرنسية لزيارة حي ” غائب” وليجهد نفسه في سرد الخبر وينهيه بأن كاتيا ستذكركم بالخير!؟ ويرن دون رصيد ويُرن له!؟ .

الترياق:

كاتيا كادويلي كانت المفصل الذي غيّر حياة علي منذ لحظة سماع خبر قدومها بل غيّرت الحي وقدحت بذهنه فكرة تزييت مفاصل باب بيته ومفاصل أبواب الحي حتى آل الجان نزّ الزيت من خرابتهم وأيضاً, من أنسب منه ليكون زوجاً لها, لذلك طلب من أيمن الفتى اليتيم الذي رباه الحي, أيمن الحضاري الغارق في شؤون النت والذي أفهمهم معنى ” الياهو ” ومحرك البحث ” كوكول” أن يبحث له عن كاتيا هذه. تدفقت صور “كاتيات” ثلاث وكانت نجمة قدره كاتيا الممرضة صاحبة لقب الملاك, الحائزة عليه من قارة أفريقيا عندما اكتشفت أن دواء الملاريا مغشوش ونجمة القدر للحي, فقد مات حكيم النبوي وهو يكتب لها قصيدة ورفعت على المحلات أرمات باسمها وأحزنه أنه لا يملك شيئاً يطلق عليه اسمها لكن هو لها سيجد مولوداً أو زقاقاً ليسميه.

كاتيا تأخر قدومها واصفر ربيع انتظاره, فرؤساء وملوك القارة السمراء يستبقونها عندهم وعلي يضيق عليه الزمن كخرم الإبرة, فيستنسخ صورها بجميع حالاتها ويقرر الزواج بها ويتزوج ويذهل الحي لكن يعتاد على علي وحتى أن حليمة المرضعة تنبأت بحملها وأخذها علي لكل الأماكن وبدأ يغار عليها وصورها تبهت بين يديه, فالكل يريدها إلى أن يمسك عصاه وسكينه ويضرب بها يميناً وشمالاً إلى أن يغرز سكينه في أحشائها.

ما بعد الحكاية:

يسرد تاج السر بالكناية والإيحاء والتلميح وكأنه بذلك يستحضر مكر الحياة في وجه مواتها, فهو يدرك حقل الألغام المقدس الذي دخله والذي لا ينفع معه السير المستقيم ولا المتعرج والترميز بل بالمكر حيث يجد المسجون دوماً سبباً للعيش والأمل ولو كان مجرد نافذة مسورة بالقضبان لا يرى منها الشمس بقدر ما يرى صدى النور, هذه الطريقة السردية تكمن في نقل السرد الحياتي اليومي البسيط لكن الذي يحمل جوهر الوجود, فالحياة لا تعيش بالنظريات ولا بالكلمات المجردة بل بالسخرية المتفتحة تهكماً والتهكم هنا ثورة في قلب التغير, فكاتيا ما هي إلا صدمة الحداثة في حي يمتد على وجه القارة الأفريقية ومن خلال علاقة علي بصورة كاتيا وعلاقة المجتمع من حوله بخبر قدومها يقدم دراسة جيولوجية اجتماعية نفسية عقائدية لهذا الحي الذي غزته حداثة القشور دون الجوهر, فراح يهيم على وجهه, يرن للعالم أجمع من خلال موبايل بلا رصيد!؟.

جذمورية متناوبة:

الجذمورية وفق أمبرتو إيكو, هي الرواية التي تتضمن آلاف القصص ولكن لدينا جذموريتان الأولى عادة ما تكون خطوط متقاطعة مع الخط الأساسي للرواية والأخرى عشوائية كأشتجار النار, يختار تاج السر الثانية, فالرواية هي رواية علي جرجار بلسانه وهو صاحب ” صرخة التخييل” والاختيار هدفه تدعيم الحوارية الباختنية بين صوت علي وصداه ومحيطه لكي يتم التخييل كقدم في الواقع وقدم في الممكن, هذا ما جعل السرد لا يتوقف عن تقديم الدهشة والمفاجأة في تطور الأحداث فلم يكن هدف السرد النهاية بل ذاته فقط ككائن حي يعيش تحت مسمى علي جرجار.

في الأسئلة:

التخييل كترياق؛ فهل عندما نتجاوز الجرعة المناسبة منه يقتلنا!؟. هل الحداثة يمكن استيرادها أو أن تكون علاقتنا بها كعلاقة أيمن الحضاري من وراء شاشة !؟. بين الاستعمار التقليدي وما بعد الاستعمار, هل تحررنا حقاً أم أن الأمر لا يعدو أن تلبس بنطال جينز وحذاء “باته” وتزيت مفاصل باب بيتك الذي يصر!؟ كم من المقدسات علينا كسر أصنامها, لنكتشف أن دواء الملاريا ماهو إلا تجربة مخبرية على شعوب العالم الثالث!؟ متى نتوقف عن نكون موضوع استشراق ونحاول أن نستنسخ حضارة لن تخرج عن أبعاد الصورة !؟. أسئلة كثيرة يسوقها أمير تاج السر بحرفية كأنها الحياة والحياة لا تقدم نفسها بسؤال وجواب بل بحياة حقيقة فاعلة.

العطر الفرنسي رواية ل أمير تاج السر صادرة الدار العربية للعلوم ناشرون طبعة ثانية لعام 2012

جريدة الثورة

باسم سليمان

Bassemsso91@gmail.com                

أنا الأخرس الأصم 

 

عندما تراكم الحبّ لدى حبيبتي وأنتج القيمة المضافة قررتْ استثمار حبّي لها, فبدأت بطرحي على الشكل التالي : شركة مساهمة عاطفية مغفلة, تركتْ لنفسها النصف زائد واحد وباعتْ الباقي لصديقاتها وبذلك احتفظت لنفسها برئاسة مجلس الثرثرة الصباحية وقتل صويحباتها بالغيرة وهي تتكلم عن حقول القمح العاطفي التي أكونها.

وعندما ارتفع سهم شركتها في بورصة النميمة, اشترتْ معملاً للكنسروة وطرحتْ منتجها بحفل للتوقيع على غلاف العلب التنك وقد حضرتْ الوسائل الإعلامية ومندوب عن اتحاد العواطف الوطنية وأبرقت وأرعدت فلاشات الكاميرات وهي تأخذ الصور مع المطربة الحارقة والممثل الخارق والرسام الخلبي والكاتب الطحلبي والفيلسوف النقيق والمفكر العتيق وشمل من شخصيات المجتمع الجينزي وT شيرتي الذي يتبنون النسق المابعد حداثي في الثرثرة الجماهيرية وبدأت توقع: مربى اللمسة الحنونة وحبوب النظرات العميقة ومخلل القلب الرومنسي وشرائح القبلات الحارة مع الهمهمة والناس تقف بالطوابير, فلقد قررتْ أن تطرح طبعات شعبية من أكياس رز الغزل وسكر الهدايا غير المتوقعة والمتة مع مصاصة لا تسبب الكولسترول والشاي الفلت لتمشيط الشعر الغجري والقهوة مع التوقعات دون بصارة ومعلبات ترضي ذائقة المحتشمة التي كلامها في سكوتها.

وفي صباح عيد زواجنا الذي يوافق عيد ميلادي, كانتْ أطلقتْ المشغل الثالث القلبي مع الجيل الثالث من المحادثة الصوتية الصورية لكي لا ينقطع حبل الحضور بمنشار الغياب مع إعلانات على طول الشوارع مذيلة بالعبارات التالية: تكلم بنار وأربح ليلاً من الاتصال – الجهاز علينا والفعل عليك – خطك مدى الحياة من المهد للحد وأشبك يد بيد والنت خط نمد-  والكثير من السجعيات حتى ظننت أنها وظفتْ سطيح وقس بن ساعدة في مجلس الإدارة.

حبيبتي لا أراها, فهي بطائرتها الخاصة تطير من جارة لجارة حتى أنها فكرتْ بتعويم القارة الغارقة أتلنتس وفتح حوار مع الرجالات الخضر أصحاب الصحون الطائرة ولديها الآن شبكة تلفزيونية مختصة من أقصى يمين الكبة اللبنية إلى أقصى المجدرة مع قنوات رياضية بمفعول ” دايت” وقنوات أخبارية, تحت اللحاف وفوقه وحتى أنها دخلتْ كتاب غينس للأرقام القياسية بعد أن تكلمتْ طوال فترة حبنا وأنا الرجل الأصم الأخرس الذي لا يسمع ولا يعرف لغة الإشارة وكل ما يجيده هو الكتابة وهي لا تفك الخط.

حبيبتي تقول: إني وطنها, بحراً وجواً وبراً.

في حين أنا الأخرس الأصم, أنطق بمعجزة وأصرخ بها: اخرسي قليلاُ يا حبيبتي؛ لأكتب مقالاً نرتق به قميص شهرنا المتهرئ هذا.

جريدة النور

باسم سليمان

ما بين مسرح المقروء والمكتوب

 

ميّز بارت بين النص المقروء والنص المكتوب واعتبر النص المقروء نصاً خطياً تتبع فيه النتيجة السبب والقارئ محقق يهتك أسرار النص كأنه جريمة ومن ثم يقبض على المعنى ويودعه السجن وتنتهي القصة وهكذا يصبح النص المقروء كقطعة تستعمل لمرة واحدة وتهمل بعدها, في حين وجد في النص المكتوب القدرة على إعطاء القارئ ميزة المشاركة في النص وبالتالي يكون النص كاليد تستعمل دائماً ونستطيع أن نلحظ؛أن فلسفة النص المقروء تكاد تكون فلسفة تجارية تهدف للربح أي إخراج قيمة العمل من العامل ذاته ووضعها في المنتَج الاستهلاكي, في حين النص المكتوب يبقي القيمة أو يناصفها مع العامل والمنتَج ولكي لا نغوص كثيراً في الفرق بين النص المكتوب والمقروء, نوضح إن المكتوب يشير إلى أن القارئ بقراءته لنص كأنّه يكتبه والعكس في المقروء, فدوره لا يتعدى التلقي السلبي رغم خدعة أنّه يكتشف الأدلة إلى المعنى الموجود في النص في حين المعنى حالة نواسانية بين المؤلف والقارئ شكلها النص.

نعتبر النص المكتوب نصاً ما بعد حداثياً من حيث أنه يرفض اليقين الموجود في النص والمنطق والمعنى أيضاً والنسق المهيمن ويشرع الباب للهامش والقلق الوجودي والشك وأن المعنى رحلة بحث لا تنتهي وقد مهدتْ الطريق لذلك جوليا كريستيفا ببحثها الذي شرعنتْ به وجود مصطلح التناص بدراستها لحوارية باختين وتعدد الأصوات وإن الدال والدلالة هما من صلب واقع معين وليس كما اعتبر سوسيور؛ أن اللغة حالة مجردة عمومية.

وجاءت المابعد حداثية رداً أو الأحرى تطوراً من جوهر الحداثة التي سادتْ أواسط القرن العشرين ولكن كل من الحداثة والما بعدها وجدت في مسرح العبث قاعدة تجريبية ابتدأها بيكيت بمسرحيته المعروفة” في انتظار غودو” وتكاثرت المسرحيات العبثية سواء من يونسكو أو بينتر, تعبر عن هشاشة الفرد وعبثية وجوده وعدم الجدوى وانكسار الأنساق الوجودية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ورافق ذلك في الرواية ما كتبه كافكا وما عاكسه سارتر بمذهبه الوجودي في الستينات كرد على عبثية الوجود وانهزام الفرد من خلال تأكيده على أن للفرد القدرة على إيجاد وجوده الذي يريد وهذا الفوران الذي تلا الحرب العالمية الثانية يمتد بجذوره إلى مابعد الحرب العالمية الأولى حيث ظهرت الدادائية والسوريالية مفجرة كل قواعد ومنطق الواقع المتعارف عليها وخاصة بعد الكشوفات التي أنجزها سيغموند فرويد عن الواعي واللاوعي وبذلك عارض “كوجيتو” ديكارت الشهير” أنا أفكر أنا موجود”, وقبل ذلك بكثير نجد حراكاً لما تقدم في مسرحية ” أوديب” وسيزيف” في العصر اليوناني.

ما تقدم يؤكد فكرة؛ إن الفن هو ابن بيئته مهما أصبح عالمياً وخاصة لجهة المسرح, فهما استغرقه الظلّ أمام سطوة الفنون الأخرى وخاصة المدعمة بالميديا, لا أحد غيره يقدم التواصل الحي والمباشر مع الجمهور بتلك الطريقة ويدل بشكل مباشر إلى الحاجة لوجود المسرح المكتوب وهنا استذكر مسرحيات الماغوط, لا يهم الآن تجنيسها بقدر الانتباه إلى أنها حفرت وجودها بذاكرة الناس, فمن يقل لي أية مسرحية توضع على شريط ممغنط ويبقى لها ذلك الأثر ذاته التي حازته مسرحيات الماغوط, أتكلم هنا داخلياً ولا ريب أن الاعتراض سيكون جاهزاً لمن يدعي أنّ المسرح نخبوي!؟ والجواب يحضر من تلقاء ذاته, فالمسرح أبو الفنون وعليه مهمة تزيد عن غيره من الفنون الأخرى من حيث علاقته بالمتلقي ولا يكون ذلك إلا بتقديم همومه العامة والخاصة كفرد له استقلاليته وهواجسه ومجتمع له أنساقه سواء بمعارضتها أو الخروج عنها أو بالتقاطع معها ولا يكون ذلك إلا بنص مكتوب ينوس فيه الوجود بين خشبة المسرح والشاهد إذ أن الشاهد فاعل غير المشاهد الذي ينتجه المسرح المقروء وساعتها ليقدم العبثي والوجودي والسياسي وما بعد, بعد الحداثي لكن على شرط أن يكون ابن الوجود الذي يعيشه الفرد والمجتمع.

جريدة البعث

باسم سليمان

على عاتق المقدِّم
المقدِّم، المذيع، المحاور، المنشط، مهما كانت التسمية، ولد على المنابر كخطيب وقائد وانتقل للراديو واستقر في التلفزيون، فهل مازال دوره مهماً كما كان، إذ يلهب مستمعيه أو جيوشه بخطبة حماسية ويغيّر قناعات وأفكاراً سائدة ويتحمل تبعاتها الكبيرة؟!. يبدو أنه صار عنصراً هاماً من جملة عناصر أخرى لولاها لخفت نجمه وبهت، يلعب دوراً أشبه بالفاصل والقاطع في الوقت نفسه أي أنه منظم لما يُعرض ويجب أن يقال، والأهم أنّه ينفّذ سياسة القناة ولا أظن أنّ له دوراً كبيراً يتجلى في حرية النقاش وطرح المختلف!. كيفية الامتياز التي يحوزها مقدِّم على آخر، تكمن في وسطية مائعة بقدر ما يتقنها يحقق إقناعاً لدى جمهوره، أي أن سقف قوله وموضوعه يتجاوز الخطوط الحمراء فقط من حيث الظاهر، في حين هو يعمل على احترام الخط الأحمر بل يكرسه، ومن هنا تأتي عناوين بعض البرامج الحوارية لخدمة هذا التوجه، ولكن المدقق، يكتشف اللعبة الخفية والاتفاق السري حتى بين الخصوم في برنامج ما. وعليه تتطلب كينونة المقدِّم ميزات وصفات تخرج عن قدراته العقلية والكلامية، مثل ما يُسمى المظهر الحسن أو المقبول لدى الرجال، ولكن لدى النساء يتجاوز الأمر لمعايير جمالية تكاد يكون لها النصيب الأكبر في ترجيح كفة وصولها لمقدمة أو مذيعة، إضافة للصفات الجسدية يأتي اللباس، وهنا نرى كيف أن المقدِّم أشبه بعارض الأزياء تلبسه دُور ومتاجر متخصصة من أجود الماركات، ولا يقف الأمر هنا، بل إن اللباس المعتمد يدل على توجهات تبدأ من كلاسيكية إلى حداثية وحتى رجعية، تشي بتوجه القناة الفكري والأيديولوجي وأكثر، هناك قنوات تمنع ظهور النساء على شاشاتها وحتى صوتهن والعكس هناك من تحول مذيعاتها إلى وجبة ساخنة!!؟. هل المقدِّم هو “مانيكان” يخضع للسلطة المطلقة للجهة التي تملك القناة؟!. ليس مهماً الجواب بقدر أن نعرف أن المذيع مهما ارتفع شأنه سواء أكان مقتنعاً بما يقدمه أم لا، هو مسنن مثله مثل المسننات الأخرى في سياق البث الميديوي ما لم نبدأ برؤية تلك “اللازمة” التي تضعها الجرائد وهي “المقالات والآراء الواردة في الجريدة لا تعبر عن توجهها وليست مسؤولة عنها” وبالتالي نجد برامج تقع على عاتق معدِّها ومقدِّمها فيما يقدمانه من مواضيع  أن يخرجا بها عن سياق القناة ويتحملا التبعات القانونية من دعاوى وتعويضات قد تطالهما نتيجة لتقديمهما معلومات كاذبة أو غير ذلك أو أن يشكلا رأياً جديداً وقناعات غير مفبركة، وقتها يمكن القول: إن المذيع استرد قدرته الفكرية وحريته فيما يقدمه وغير ذلك لا يعدو أن يكون مسرحية سيئة الإخراج والإعداد، ولكن يومياً نشاهدها بكل قناعة، فهل نجد يوماً، بشكل حقيقي ، برنامجاً بعنوان ” على عاتق المقدِّم” ؟. باسم سليمانجريدة البعث

تمجيد الزائل ….!؟

 

لعبَ التشبيه والاستعارة والمجاز دوراً مهماً في أنسنة الأشياء وقد ظهر ذلك جلياً, في المذهب الرومانسي بشكل واضح وما تبعه بعد ذلك من مذاهب, بحيث امتدتْ الأنسنة لكل مجالات الفنون والآداب بل صارتْ هي الميزة الرئيسية مما أدى إلى أنّ المشاعر الإنسانية والفكرية احتلتْ الوجود وأفقدتْ الأشياء عينها, فالزهرة ليست الزهرة كذلك السماء وغيرها وحتى المشاعر والأفكار الإنسانية أصابها ما أصاب الوجود, فقد أُنسنتْ بطريقة موازية, فالحزن كعاطفة, صار ذاتاً مثله مثل الفرح, امتلكا هوية ولربما يطالبان بحق الانتخاب!؟ وما حدث كان مهماً جداً للحركة الجمالية بل يكاد خطوة كبيرة في تدجين الوجود ولكن بنفس الوقت أفقدنا الوجود معانيه الخاصة مثله المشاعر الإنسانية والفكرية, فالبومة وإن كانت رمزاً للحكمة تظل في مشاعر المتلقين رمزاً للشؤم مثلها مثل الغراب الذي يدل على الخراب, وببحث قليل نكتشف أن البومة والغراب وغيرها من الأشياء تمتلك بحراً من الدلالات أُغفلتْ, هذا من جهة ومن جهة أخرى نجد التصنيف الغريب, لما يصلح أن يكون أدبياً/شعرياً و ما لا يصلح وقد ُصبّ تهميش كبير على اليوميات والجزئيات والعابر والزائل والنزق والمباشر ودفعها لأقاصي الهامش بحجة تفاهتها وتعاستها بل ووضاعتها وأحيانا قذارتها ودناستها, فالأفعى لا بد أن تكون سلبية وتذكر بالغواية والجراد, بجائحته والصخرة القاسية بقسوة القلب وهذه الأنسنات الضيقة الدلالة عطلتْ حركة الدلالة في الوجود, فأصبح الجمال مقنناً ويكاد يجلس رقيبٌ فني في داخل المبدع يسمح أو لا يسمح ويقول هذا يصلح أو لا يصلح, فما هذه الحماقة التي نرتكبها بحق الإبداع أولاً وبحق الوجود ومشاعرنا وأفكارنا!؟.

الجزئي العابر التافه, يكاد يشكل مجمل حياتنا, فعلبة المحارم والغبار الذي نمسحه عن أثاث البيت وكأس الشاي الذي تطفئ فيه عقب السيجارة وازدحام الباص, والحشرات وكل تلك الأشياء التي نتطير منها, هل حقاً هي ليست جمالية أبداً!؟, فلماذا نبتعد عن تمجيد الزائل ونحن زائلون بالضرورة!؟ ونقيم صروحاً لمثاليات أشبه بالأصنام, فهل هناك أنثى جميلة دوماً أو كم من الممكن أن تبقى الأنثى جميلة بالمعيار الجمالي السائد, هي لحظات!, فهل وجهها حقاً قمر وشعرها شلال! وإذ حدث أنْ رأيتَ شعرها في لحظة غير ممشط ويشبه دغلة من الأشجار المتشابكة, فهل يفقد جماله!؟ وماذا لو لم تزجج حاجبيها أو لم تمارس كل طقوس الترتيب لحزن ما أفقدها رغبتها بذلك, أهذا يعني أن القمر في فترة خسوف أو محاق!؟ ومن قال: إن قفزة الجراد بساقييه الطويلتين ليس فيها جمالاً البتة أو الذبابة بمناوراتها الرائعة لتهرب من صفعة تريد سحقها, لا جمال لها!؟.

المقصد إن كل عين شيء في الوجود غير منتهية الدلالة واستخدام الإنسان لها لا يجب أن يحد من ذلك, فالليل ليس قمعاً أو سهر عشاق, فماذا لو تكلم الليل بلسانه هو ذاته أو تكلمت الذبابة عن غرامياتها, دون تلك الأحكام الجاهزة والمبتسرة أو حتى المبتدعة من قبل الإنسان, إذاً يجب تحرير الوجود من أنسنة الإنسان وسيرد بالطبع على هذا الكلام, لا وجود للوجود إلا بالإنسان وهذا صحيح ولكن العبقرية أن تحرره من عبوديته لك, أن تعيد له صوته, دون حيازته أو أن تنجز أنسنة معكوسة كأن تتكلم الصخرة عن نفسها, فهل حقاً هي جامدة ولا حياة فيها!؟ وماذا عن ورقة المحارم وحياتها القصيرة التي تشبه الفراشة” ها أنا استخدم سلطتي على الفراشة” قد تقول الفراشة: مللتُ من الرحيق, أريد أن أشرب” الكولا” ولكن الفراشة هي تسمية بشرية ولن نعرف ماذا تسمي هي نفسها!؟, فالمقصد من الاستعجاب, هو أن نحرر أنفسنا من إنجازاتنا من مثاليتنا, لنعيد للوجود طزاجته الدائمة, فالغبار هو الذي يعمل دوماً على تأبين ذكرياتنا ووجودنا بخلايا جسده ألا يستحق أن نرفع له القبعة ونتأمله يعمل بهدوء عنكبوت ينسج ذراته في كل مكان ليلتقطنا, نحن العابرون الزائلون الذين نتكلم دوماً عن الخلود, فلننتبه, إن التشبيه والاستعارة والمجاز من طبيعتهم الزوال, فلماذا نرفض طبيعتهم ذاتها!؟ .

جريدة النور

باسم سليمان

Bassemsso91@gmail.com

من يغني الآن…

 

بين طلل الأمس وطلل اليوم, تندرس روح الشاعر, ويصبح السؤال عن المتردم رفاهية لا يطيقها شاعر اليوم, الذي يلجأ لحبره فقط كي يعصمه من الغرق, فليس من ركاب الفلك العظيم ولا من جبل ليتسلقه, فقط  سقط اللوى!؟.

” على الأرجح… نحن من يغني الآن”  قصائد للشاعرة رولا حسن, قصائد متقطعة النفس, لاهثة, سريعة كيد نشّال, ما أن تقبض على …؛ حتى تختفي بالزحام وهذا اللهاث المتقطع يبدو ثيمة تكاد تصبغ جلّ النتاج الشعري في الساحة السورية وكأن الشاعر, في حالة إنكار للقصيدة, خوف من مسّ الشعر, فلا يطيق المنادمة, رسائل قصيرة تصلح لحمام زاجل لم يعد يهدل بالشرفات ولا تلحظه, يختفي كنقطة آخر السطر في أفق الغياب.

” من الألم/ أخذنا تركتنا كاملة/ وفي تلك الغابة/ .. ../ نبتنا وحيدات/ كفطر” من الدقة بمكان أن نتوقف عند الحالة التي يتشكل فيها نبات الفطر, فهو بين ليلة وضحاها ينوجد وكأنه خلق من غياب وبنفس الوقت دلالة قارة على دور الأنثى ولكن هذا الدور, من كثرة الألم معطل؛ لذلك جاء الفطر بحالة التنكير, فهو ينتظر التعريف ” ولأننا لا نريد أن نبكي/ على الأرجح/ نحن من يغني الآن” وغناء الفطور عبر الأبواغ وهذه أشبه بأرحام طائرة لعلها تخصب من جديد هذه الغابة, فالشاعرة مابين المقطعين تبني جسراً, فمن يعبر!؟.

مدن:

مدن, رولا حسن ” الماء/ الذي لا تغمض/ عليه عينان” متى ينام الماء, إنْ نام الماء أسن ولكن نحن لسنا سمك, نريد هدوءاً في ظل ذكرى حتى يستقيم فينا الأمل, إنسان المدن يشبه إشارة المرور” المدينة التي/ تمنيت أن أكون نورساً/ على شاطئها/ لأعيد/ ارتحالي كل يوم/ في المياه/ كيف اجعل/ الآن/ من مياهها/ قارباً/ يجتاز العتبة” كيف دجنتْ المدينة, الطفولة, كيف حولتنا لراشدين ناضجين للحد الذي سيعقبه السقوط؛ أين تلك المدينة التي تسمح لرئة بالتنفس كشجرة” على أطرافها / يزهر/ يزهر الصبار في العيون./ هواؤها/ يعبق بخوف.. / ومن يعبق بخوف يشم”.

معجم الورد:

بين أن تقطف الوردة أو تشمها تختار رولا حسن, أن تقولها, بعدّة ضربات تحاول أن تفك إعجام الورد وتقرأ ما بين رائحتها ولونها وهيئتها ما كُتب في لحظة الخلق الأولى, تسقي بحبرها وتنتظر أن يسري مع النسغ, فترتسم الكلمات على الأوراق وتفوح مع العبير كرائحة الكتب وعلى الرف تضع أصيصاً. من قصيدة حبق:” لأن الحب/ شح/ ولا يتقاسم مع احد شيئاً/ يملك ويحرم ماعداه/ له هذه الرائحة/ وليست/ لسواه”.

قصائد رولا هي وقفات من قبل الطلل على الشاعر الذي يكاد يندرس ويختنق بملح القصيدة التي يقول ولكنه يؤثر أن يستنفذ آخر طاقته وهو يلقي لسراب شكّلَه, بجملة مخففة من كل إرث البلاغة والصورة, عارية لا ترتدي إلا روح الشاعر الذي جلس بعد الطوفان يتأمل نقاوة الصمت” كيف أعبر/ إلى وقت لست فيه/ ويكون وقتا”.

صدر الديوان عن دار بعل لعام 2012 دمشق

جريدة الثورة / صفحة كتب

باسم سليمان

Bassemsso91@gmail.com

الصورة لقيط هذا العصر

لم يتحرر فعل” لقط” من بعض دلالاته السلبية, إلا بالعصر الحديث وخاصة عندما ظهرت الكاميرا وعُبر عن الحركة الميكانيكية, بدلالة هذا الفعل, حيث صار” التقط” فعلاً جمالياً, وتنحت دلالاته السلبية إلى الوراء, مثل صفة ” لقيط” وحتى دلالاته الأخرى من قبيل التقاط الثمار تراجعت هي الأخرى ليصبح فعل ” التقط” يكاد يستحضر في الذهن عملية التصوير فقط.

بعمل روتيني,قام المصور الكوبي “البيرتو كوردا” بالتقاط صورة لوزير الصناعة في الحكومة الجديدة التي تشكلت بعد انهيار حكم “باتيستا” تحت ضربات ثوار” الغوار” هذا الوزير,هو “أرنستو تشي غيفارا”. عنونت الصورة ب” الثائر البطل” ولم تجد طريقها للنشر في جريدة “الثورة” بل علقها المصور على حائط الأستوديو لديه وإلى هذه اللحظة التي يظهر بها ” تشي” بعينين تنظران للأفق مع البيريه الحمراء والشعر المرسل واللحية غير المشذبة وقد قيل فيما بعد كانت نظرته تحمل معاني الغضب والألم واستشراف حلمه الثوري بتحويل أمريكا اللاتينية إلى وحدة يتحقق بها حلمه عندما تجول بتلك البلاد على ظهر دراجة نارية!؟.

من الكونغو إلى بوليفيا وهناك قال لقاتليه:” أيها الجبناء لن تقتلوا إلا رجلاً” وبعدها انفجرت الصورة للتحول لإيقونة لكل الحركات الثورية وقد كرستها ثورة68 الطلابية في فرنسا وقلد لعب اليساري الإيطالي” جيانجياكو فليترنيللي ” دوراً محورياً في انتشار الصورة.

الصورة تكاد تكون الأشهر على الإطلاق من حيث إعادة الطباعة والقولبة بحيث صارت, تحمل محاميل أخرى وإن كانت ثمتها, الثورة ضد المؤسسة, فقد استخدمها الجيل الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية دون تمحيص لمن تعود بل معلومات قليلة عن ثائر يُدعى تشي, ثار ضد الديكتاتور “باتيستا” حيث ظهرت في جميع الحركات, فلقد صارت رمزاً للتمرد بشكل مطلق.

التفسير استغرق الصورة الأصلية ورح يبني عليها, تصورات وأحلام وحتى أوهام الشعوب في التحرر, حيث تجدها مرفوعة بين جانبين متصارعين وخرجت عن تبني الجماعة لها ليصبح تمرد الفرد الشخصي, يستلهم هذه الصورة, فالمغنية مادونا, لبست “تي شيرت” مطبوعة عليه صورة ” الثائر البطل” وكنتَ لتجدها حيث لا يخطر لك بال ويقول مؤرخ تاريخ البوسترات ” ديفيد كانزل” إنه في عام 1968 كان يباع منها ما يقارب المليون نسخة في الشهر.

لم تبق أسيرة التصورات الثورية, بل دخلت ثورة الجديد أو الاستهلاك, فشركات مثل ” نايك وأديداس” استخدمتها وحتى شركة سميرنوف للمشروبات الروحية وضعتها, فقضاها المصور وحصل على تعويضاً تبرع به.

تظهر الصورة بأغنية ” نتالي غاردون” “سانتا كلارا” التي تتحدث بها عن غيفارا وكأن الصورة كاليد الذهبية تحول كل ما تلمسه ذهباً انتشرت الأغنية محققة المرتبة الأولى عالمياً.

الهندي الأحمر كان يتطير من التصوير ويعتبره سرقة للروح وبمقارنة بسيطة بين صورة غيفارا وسيرة حياته تطابق يؤكد مقولة الهندي الأحمر الصاحب الحقيقي للأرض. تمت خيانة تشي وصفته المخابرات الأمريكية وتمت خيانة الصورة عبر إعادة التدوير بحيث بهت المضمون الحقيقي للصورة وتحول في كثيراً من الأحيان لسلعة وبنفس اليد التي تسلع الآن العالم ويبدو أن الدلالات السلبية لفعل ” لقط” تعود لتنافس الفن المتضمن في المعادل اللغوي للحركة الميكانيكية لفعل التصوير والسؤال, هل قتلوا الرجل فقط أم قتلوا فكرته معه!؟.

جريدة البعث

باسم سليمان

القصيدة حيازة صحيحة للحياة

لا قيامة للمكان إلا في اللغة, فالمكان غريب, موحش إلى أن تنطقه. لم يكن وقوف الشاعر على الطلل إلا لتبديد الغربة والوحشة التي أصابته بعدما هجره ناسه وبذات المقام, فالمهاجر يصبح طللاً إلى أن يقف في مكان هجرته ويبدأ المكان الجديد بالوقوف على طلل الشاعر, فتتبدد غربته ويتأنسن مكانه ليقول:” أحتمي بالمطر من البلل/ وبالمناداة من ضجيج الهدوء/ أنصت للقلوب وهي تتغامز: انظروا للغريب لقد صار واحدا منا”.

” بلوغ النهر” عتبة مناصية لديوان الشاعر باسم فرات بها يمنع الجزم بالجزم. بين بلوغ هو احتلام وبلوغ هو وصول وانتهاء, يستقرئ وطناً بوطن بين العراق وبلاد أقصى شرق أسيا يكتب هذا الأقصى باللغة العربية يدجن الغربة, يقيم وطناً سابقاً بوطن عابر” وفي أخريات النهار/ كان زنبيلي* مليئا بالمحبة والذكريات” الزنبيل كلمة شفاهية عراقية أصلها الزبيل: الوعاء أو الجراب.

اللغة كالبصمة كالروح وكما لا يحتمل الجسد روحين رغم الحلول الذي يقصر أو يطول ورغم الحميمية الكبيرة التي كتب بها باسم أمكنته الجديدة حتى أتقن مكره, فلا تقول إلا إنه ابن تلك البلاد كان العراق كلحظة المدد يفاجئ باسم حتى وهو في وَلنغتون- نيوزيلندا :” ميسوبوتاميا: هناك…/ حيث زرع أسلافي الحكمة/ وحصدوا الألم/ بنوا للآلهة عروشا/ وزينوها بأمانيهم /عمدوا الماء بشهوتهم/ والطين جعلوا منه قرطاسا ومأوى/ أسلافي وقد / اتخذوا من غضب النهر تقويما لأيامهم/ليعلنوا بدء التاريخ”.

كل مدينة حياة جديدة:

سندبادية مخاتلة يرومها باسم, من ناحية تتبدى الرغبة بالعودة بدءاً باللغة والعراق الذي يتخايل بالغيوم التي تلقي بمائها وظلّها عليه ومن ناحية أخرى رغبة عميقة بالتجذر في بلاد السفر؛ حتى تكاد تقول: إنه ابن تلك المدن التي يجوبها ” هي مدن تعبرنا ونعبرها/ لتترك وشمها فينا/ مدن / نطوف فيها كالمجاذيب نعلق ذكرياتنا فيها”.

شعر السفر:

ينتقي الشاعر قصائده بعناية من أعوام عديدة, يصبغ بها رؤيا الديوان وهو بذلك ينجز حيازة للمكان من وضع اليد والتقادم, فالبلاد والمدن والمعالم والأسواق صارت جزءاً منه لم تعد صورة تذكارية التقطها, دخل في صميم تفاصيلها تنفسها وتلمس هواءها وخطا بين ناسها وألقى السلام على جيرانه” سبادي*: أمرّ على قرويين/ أكواخهم تنبت البسمة والدهشة على وجوه العابرين/ ألمّ حياءهم وأحزانهم في سلال رحيلي/ بينما الغاضرية* تستفيق على امتداد حقول القصيدة/ أهدهدها على نغم المونغ/ مستسلما للضباب/ وهو ينفث أحزانه خلال أنفاسي” ( سبادي تعني سلام / الغاضرية, أحد أسماء كربلاء مدينة الشاعر).

لكل مكان, قصيدة/ هوية/ روح ولقد كثرتْ الأماكن  والشاعر ابن السفر, فلا تربكه جهات الهواء, فلكل جهة قلوعها وبذلك يضيف باسم لبنة جديدة إنْ صحتْ التسمية لشعر السفر, حيث القصيدة هي وشم لا يزول عن المكان ,فمن نهر ميكون إلى بوذا الذي لا يمل من الرحال بين ضفتيه وهو أمير الدارما وجبل فوجي وزهرة الكرز” الساكورا” في احتفالات ” الهنمي” في اليابان وهايكو باشو وساداكو البنت التي أصيب بالسرطان نتيجة إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما, فراحت تصنع مجسمات من الورق لطائر الغرنوق إذ تقول الأسطورة: إن من يصنع ألفاً من المجسمات يشفى من مرضه لكن الفتاة ماتت قبل أن تتم العدد, فراح اليابانيون ودعاة السلام يتمون العدد ومن وقتها صارت رمزا للسلام؛ يكتب باسم فرات قصائده بعفوية وتدفق وحميمية ترطب قسوة الغربة وتنجزه كشجرة منغروف جذوره في ماء الترحال لكن حنينها الأبدي لماء الرافدين” كنت معي/ تتجولين على مساحة قلب وقصيدة/ أبحت لنفسك ما لم تبحه اللغة للشاعر/ رأيتك تقطرين الفرات في مخيلة ميكون/ وتحت ظلالك يمتد الليطاني” ومن قصيدة متحف السلام في هيروشيما نقتطف” حين تدخل.. عليك أن تحذر الارتطام بالأنين/ أو أن تحرك دمعة طفلة بارتباكك”.

لغة نهرية تتجدد مع كل قصيدة:

لغة باسم كحقيبة الترحال, خفيفة كزهرة كرز مفرحة كشراب الساكي, عميقة كطعنة سيف الساموراي ولكنها مسالمة كساداكو ومتأملة كأميرة الدارما ” القمر/…./ ويمنى لحظاته/ البدينات جدا/ بالحلوى وراحة البال”

بلوغ النهر ديوان للشاعر باسم فرات صادر عن الحضارة للنشر 2012

جريدة الثورة / صفحة كتب

باسم سليمان

Bassemsso91@gmail.com

الشعر يتيم يتبناه الأفق

 

بعد أنْ تحرر الشاعر من مقولة: المعنى في قلب الشاعر, هل يسعى لتحريره أيضاً من القارئ أو النوسان بينهما!؟ إلى أين يسوق الشاعر معانيه؟. هي رغبة دفينة في قلب كلّ شاعر, أن تجتاح اللغة حرائقُ الجراد, فلا تترك غير حفنة من رماد يرفعها عالياً؛ لتقبلها الشمس ثم يمضي؛ في حين قبضة الرماد تتشكل خلفه كدخان سيجارة يمجها كما القطار يلتقط السكةَ الحديدية بين شفتيه.

” هواء ثقيل” لا يصلح للطيران وليس قادراً على حمل غيمة وأثر الفراشة فيه يضيع وماذا بعد!؟ هكذا يعتب جوان تتر ديوانه/ غرفته / تنفسه ثم يقول لك تفضل, الباب لا مفاصل له, فلا تجزع إنْ سقط! وتتردد قهقهاته ويسألك: ما المضحك!؟.

” الطفل الأصم / عامل الفرن/ تعمدوا تنبيهه بصفع خلف الرقبة ” ميتا سخرية, تهكمية, ثيمة متكررة في الديوان, يرومها جوان لحلحت الجليد عن أصابع الكلمة ومفاصل المعنى وروح المتلقي, فرغيف المعنى الذي سيشبع معدة القراءة, لن تهضمه مرتاحاً ولن تنفع معك علبة من مشروب غازي كل ما سيحدث أن الصفعة ستصبح صدى كلماتك, أين تهرب؟ إلى الصمت ومن ثم التأمل في النسق المفضي للصفعة, فتعمد إلى فك العزق الكبيرة التي تثبت قضبان طمأنينتك, لجمالية الرغيف المتوارثة.

التهكم وإن كان يقوض المعنى السابق إلا أنه يتناص معه, فهو يبقيه كخيال المأته والهدف أن تبقى الدهشة في حالة تأهب كجندي في نوبة حراسة, فالمعنى, إنْ غمض له جفن أسن.

أنا متشظية كضوء في فسيفساء:

لا يتقنع الشاعر بالشخصيات كما في السرد, فهو عادة ما يقدم نفسه كوجبة دسمة تورث الجلطات القلبية, فأناه هي الباحة الخلفية التي يلعب بفنائها, يداعب قطة, يلوث ثيابه, يمارس عادته السرية, ويغزو أعشاش الطيور, ويعشق ظلّ أول نهد يصادفه ومن هناك يسمع صوت أمه يناديه, فيصم السمع ويستمر, بتقليد جدجد, حتى يتعب قلمه ” أيتها الأم, لا تخجلي من خطايا ولَدك, اسمعي فقط/ ستنشد الملائكة خجلة أفعاله: …….. كان يختلس النقود من محفظة شقيقه ثمناً للجعة الرديئة, يكذب ليلاً, نهاراَ واضحاً كالشمس, يحرق ساعات الليل الأخيرة مضاجعاً أطياف بنات الحي القاصرات, في رحم كل طيف قاصر, حيوانٌ منويٌ منتحرٌ/ ……/ كانت العائلة تنعته بالجنون, سواكِ: ليس مجنوناً (ولَدي شارع) عوضاً عن( ولَدي شاعر)”.

لا ريب أنّ الأنا, كذات, كالجاذبية الأرضية, كونها عماد وعي الوجود ولكن الشاعر رغم هذا الإكراه الهائل دأبه التحرر منها ليس إلى ضمائر أخرى بل إلى ما لا يدركه وهو بذلك, ينتمي للمجهول الذي يقد منه طريقه وهكذا تتضح مقولة أدونيس: قل قصيدة وامض زدْ سعة الأرض ومنها تغدو الكتابة عن الذات بقدر ما تصنع الهوية بقدر ما تتحرر منها لأن الهوية كالطريق تفنى الأقدام ولا يفنى ” كل هذه الأرض/ ولا سنتيمتر يسعني” هو القلق ذاته يصيب الشعراء ” على قلق كأن الريح تحتي/ أوجهها يمنة وشمالا” ولكنه قلق المدينة, قلق الألفية الثالثة, حيث الشاعر, اسقط من هويته قناع الفخر ويتهكم ساخراً ممن يعيبون عليه ضعفه, فيشرع بوجههم عورة الحقيقة فهو الذات المتشظية في فسيفساء الوجود ” كنت السامع/ وقع خطى أقدامهم على البلاط المؤدي لردهة المقصف/ ذكرياتهم المثرثرة/ المدن الخاوية من الزحام/ كنت اسمع/ لكن لا أحد”.

سرد مقطعي وكولاجات ومشهدية:

يعتمد جوان الجملة والمقطع كبنية في قصيدته ونقصد هنا, أنه الجملة أو المقطع مكتفية بذاتها دلالياً, فالدفقة الشعرية كوابل المطر لديه لكن ما يعنيه هو البلل المتحقق والبلل له طبيعة خاصة بحسب الشيء المبلول, هذا الفصل يخدمه بالانتقال الحر والسلس مادام يروم مشهدية يترك للقارئ حرية التلقي الكامل لبانوراميتها أو الاكتفاء بالجملة أو المقطع ومن ثم يشكل مشهديتها كما يريد, هذا يقودنا لما قدمناه أعلاه من رغبة دفينة بأن يمحي المعنى ولكن هذه الرغبة المستحيلة تصطدم بأداة خلقها, فاللغة مهما طهرناها من أنساقها, تظل تحمل جرثومة النسق ومتى تظهر هي قضية حظ قد يوفق بها الشاعر والمتلقي وقد لا..!؟ ” نفذت كل الأحذية / وأنا أطرد هذه – القطة –”.

هايكو:

طعم جوان قصائده بالهايكو, تارة يفسح المجال له ليكون لوحده كما عهدناه شكلاً ومضموناً وتارة أخرى يضمنه بمقاطعه وهنا لا تضيع معالمه لاعتماده على الجملة والمقطع التامي الدلالة, وهذا ما جعله قصائده تبتعد عن التشبيه والاستعارة لصالح آثار التشبيه والاستعارة التأملية الناتجة عن المشهدية الكتلية التي تتكرر بقصائده ” أنثى تعتمر قبعة ثلجية وفستاناً طويلاً بني الملامح, تنتظر هبوط المصعد إليها”.

هواء ثقيل: 

حصل هذا الديوان على جائزة الملتقى الثاني  لقصيدة النثر في القاهرة, به يثبت  جوان تتر قدميه كشجرة منغروف في ماء الشعر, مقترحاً به أسلوباً يخصه إلى حد ما ولكن ضمناً, يشكل الديوان دفعاً لرافعة الشعر الذي يكتبه جيل جديد مِمَن لا تعنيهم قصة قتل الآباء ولا البحث عن عباءة؛ شعراء أيتام وهذا هو جمال الشعر أن يكون يتيماً يتبناه الأفق وهذا ما أتقنه جوان.

هواء ثقيل صادر عن دار الكتابة الأخرى / القاهرة.

جريدة الثورة

باسم سليمان

Bassemsso91@gmail.com

                        

القيامة الأرضية

تكلم أرسطو عن الكاثريس” التطهير” حيث يقوم المسرح بفعل إعادة خلق للمشاهد, يغسله من ذنوبه وبهذا يجد مطهر دانتي مبتدأه الفكري, فالأرواح بعذاباتها التي تتماثل مع انفعالات المشاهد لما يجري على الخشبة أمامه, نكاد نجدها بمذهب “ستانسلافسكي” الذي يدعو لذوبان الممثل في الشخصية ما يقارب مطهر دانتي حيث الأرواح تعيش بنفسها عملية تطهيرها وليس عبر وسيط كما لدى بريخت حيث يطالب أن يبدي الممثل, أنه يمثل وبريخت ينشئ وساطته التطهرية من فكرة أرسطو, فالمسرح اليوناني عبر الأقنعة التي يرتديها الممثل والجوقة أنشأ مسافة بين ذوبان الممثل بالشخصية وعملية المحاكاة التي تكلم عنها بريخت حيث يظل المتفرج والممثل واعيين تماماً لفعل المسرحة وإن كان الانفعال يعلو أو يهبط سواء بين الممثل والمتفرج.

التطهير والخشبة,إذ تقول أول الأساطير: إن أول ما ظهر من الماء الهيولي, كان هضبة أو جبل أو مصطبة أو خشبة تعلو والخشبة بطبيعتها تطفو على سطح الماء, فالمماثلة من جديد بين فعل الخلق الأول حيث لم يخطئ المخلوق بعد والمسرح من حيث هو خشبة تطفو وتتسلط عليها الأضواء في المحيط المظلم حيث بتواجد المشاهدون, يعيد للأذهان الجمعية لحظة الخلق الأولى, حيث تنفرج الستارة أو يخرج الممثلون من عتمة الكواليس كما يخرج الطفل من بطن أمّه أليس بطن الأم مسرحاً, يؤكد فكرة الهبوط بعد الخطيئة؟, فسقوط الولد من رحم أمه سقوط عكسي على رأسه وليس على قدميه, فالخطيئة هي خطأ بالحساب وهكذا تكمن مسرحة الطفل بزحفه بداية وحبوه إلى أن يقف على قدميه أي ينتصب أن يصبح هضبة, جبالاً, خشبة إذا ينتقل من الوجود المعكوس أو المنكوس إلى الوجد الصحيح وبذلك نفهم قيمة الصخرة التي كان الخطيب يتسنمها أو النبي أو القائد أو أي شخص له سلطة ما بها يعيد خلق الجموع المستمعة وهو إذ يلقي خطابه في الجموع يمسرحهم من جديد, يطهرهم, سواء بطريقة ستانسلافسكي أو بريخت, فتخرج الجموع وكأنها ولدتْ من جديد, فتذهب للمعركة بشجاعة كبيرة أو يصيبها تغير كبير يطال جوهر عقائدها.

الإلقاء, في جذرها الثلاثي” لقي” نجد المعنى أي “وجد” ووجد في تشعباتها, تعطينا الوجود, التطهير يعيد الوجود من جديد, هو إعادة خلق حقيقة تجب ما قبلها كما هو التطهير فعل يرفع الإنسان من الدناسة, ألم يقم النبي موسى بإلقاء عصاه, فإذا هي حيّة حقيقة تسعى تتلقف كل حبال السحرة التي توهم المشاهد, بأنها أفاع حقيقة, فالإلقاء, يجبّ ما بعده ويعيد الأمر لمبدئه والإلقاء لا يكون إلا من عال, كما الصخرة أو الخشبة أو اليد التي ألقت العصا, فالمسرحة التطهيرية هي إلقاء, وجود, لقاء من جديد مع المبتدأ إذ المتلقي أو المشاهد هو الخبر, فالخبر وإن كان يتم به المعنى للجملة الاسمية لا تقوم له قائمة بلا المبتدأ.

المسرح قبل أن يظهر بشكله اليوناني كان بذاته فعلاً دينياً, يقوم على إعادة تمثيل إنشاء الخلق والوجود كما كانت الأساطير, تتمثلها في سوريا والعراق, فهو إعادة تتماثل ولكنّه فيما بعد أخذ يأخذ شكل الفاعل بدلاً من المنفعل السابق والسبب يعود إلى أن الإنسان الذي تدرج بصعود هضبة الخلق, صار يماثل بينه وبين الموجِد الأول, فالتطهير لا يكون إلى من خالق كما الرحم وانتقل أيضاً من تمثل سيرة حياة الآلهة إلى سيرة حياته هو, فالخطيئة التي تدعو للتطهير, قد فصلتْ بينه وبينها لذلك هو بمسرحة ذاته يعيد لذاته الطهارة بعدما صار يعتقد بأن التطهير القادم من فوق لم يعد منتظراً وهكذا نجد الأديان التوحيدية بأطروحاتها كانت تنص على إعادة الرابطة المفقودة ولربما نفهم رفض الثقافة الدينية للمسرح بمرحلة ما إذ كانت تعتبره منافساً لها بعملية التطهير.

فالتطهير المسرحي والخشبة هو قيامة أرضية استبق فيها الإنسان قيامة أخروية, فالمسرح جعل الإنسان قادراً على إعادة خلق ذاته وإعادة خروج الهضبة, الجبل, الصخرة, الخشبة من ماء العماء الأولى, فالمسرح أبو الفنون ومَن أكثر من الفنون دعوة للحرية والاستقلال!؟.

جريدة البعث

باسم سليمان

Bassemsso91@gmail.com

وارد بدر السالم . . أيها الآخر أنا أيضاً آخر. .

كتب الأربعاء 4-4-2012 باسم سليمان

القوة الناعمة؛ هل نستطيع أن نرفع الاشتغال التخييلي لهذا المستوى من التأثير!؟؛ مجرد التساؤل, هو انتصار للرواية أمّا الجواب, فلم يعد قضية!؟ وبدلاً من القول: نحن محكومون بالأمل؛ نقول: نحن محكومون بالتخييل.

الحدائق المعلقة تلك الأعجوبة التي فتنتْ “هيرودتس” وحجزت لها في التصنيف البشري كإحدى الأعاجيب الخالدة عبر الزمن, فهل تخلتْ بغداد عن أعاجيبها أم إنّ معلقاتها الخضراء استبدلتها ناراً؛ يبدو الروائي وارد بدر السالم, ليس إلا “هيرودتس” عصري, شاءت الأقدار أن تقذف به في تلك المدينة, لم يشأ أن يكتب روايته “ عجائب بغداد” من قبل عين وعتْ وعايشتْ الحرب الطاحنة, خوفاً ومكراً من شبهة أيديولوجية بكل تفرعاتها العاطفية والعرقية والدينية والسياسية, فاختار صحفياً له ظل حبل سري من والدٍ, سندباد؛ هجر بلاده وأقام نسبه في موانئ عديدة, لم تكن منها البصرة!؟ وبينما بغداد تحتل من قبل الأمريكان: قال لولده لا تقل لي متى تسقط بغداد؛ كان يُبقي بغداده كنجمة بعيدة في أفق يشتهيه ولكن لا يقصده.‏

الولد/ الصحفي الذي ألف الشواطئ الغريبة تقوده مهنته لوطنه, لبغداد, ليبعث بتقارير صحفية لصحيفته التي يعمل بها وهي في الخارج وكما تتلمس الأم ولدها الذي عرفته طفلاً وقد عاد لها رجلاً, بدأتْ بغداد بالتعرف عليه والأحرى هو بدأ بنسج حبله السري بين بشرها وناسها وشوارعها وأزقتها ودمائها النازفة ودجلتها وفراتها ومحتليها وسياسييها و.. إلى ما لانهاية من خلطة عجيبة.‏

يتعرف على المسرحي الذي له قدرة على تمثيل سنوات الحكم السابق وعلى الأستاذ والجسد المقطوع الرأس على يد الزرقاوي وكيف يرفض الموت ويستمر رغم أن رأسه مفقود والأصبع الصغيرة التي بقيتْ من انفجار شلع جسد أخيه للمسرحي وعلبة الرماد, تلك الصبية التي أحرقتْ فقط لأنها أصبحت أخرى, لأنها من منطقة أخرى, يحملها والدها بين يديه وهي تعيش حياتها عبر تموج الرماد والأستاذ الذي يختصر تاريخ العراق من أوروك لهذه اللحظة, فوجد غار حرائه على ضفة نهر دجلة, بنى بيته الصفيحي ومن وقتها تكاثرت حوله البيوت؛ قرية لا تشبه إلا العراق الذي في التخييل رغم بؤس هذه القرية إلا إنها تمور بالخصب, قوس قزح لألوانه كلّها, تعيش في تناغم لا آخر فيه.‏

في هذه القرية وبعيداً عن الفندق الذي تجمع فيه الصحافيون من كل العالم وأيضاً عن المنطقة الخضراء, كان الصحفي يكتشف وطنه, يعيد ترتيبه كطلل تهدم بفعل الزمن, يبني حدائقه المعلقة, لذلك عرض على الأستاذ أن يقدموا عرضهم المسرحي بمعية رفيقه المسرحي, حيث المسرح هنا هو الحياة وما الخشبة إلا تلك المسرحية والصياد الذي يجمع من النهر هويات القتلى, فتعلق على لوحة, يأتي من ينتظرون أحبابهم, ليوقفوا هذا الانتظار أو يستمروا فيه.‏

غطت التلفزيونات والراديوهات والصحافة, هذا الاحتفال كما فعلتْ أبان دخول الاحتلال الأمريكي, قليلاً ما قاربت الموضوعية, غطته بكل الأيديولوجيات, بكل الذرائع, بكل المتعة, بكل فجور, لتخرج في اليوم الثاني, تهاجم الأستاذ وأنّ قريته كالورم السرطاني ولتبدأ أصوات القذائف والرصاص ومن ثم النار لتصبح هذه القرية حديقة معلقة في النار؛ يصرخ الأستاذ الذي غيبته النار في الصحفي: خذ حكمتي ولا تتراجع .. ويمرق كشبح لا ظل له . يتلاشى بين رصاص عنيد ينطلق من النهر.ويذوب في نيران حكمته التي اختارها.‏

أين أنت يا أستاذ !..أصيح وراءه ..‏

فيرد علي صوته من مسافاتٍ بعيدة :‏

لا تترك المرأة وحدها‏

ثم يأتي الصدى :‏

تشبث بها وأعطها ما فقدَته..‏

أصيح بصوت جمعت فيه كل خوفي :‏

وماذا حصل يا أستاذ ؟؟!!‏

يأتيني صوت الأستاذ من كل ركن يشتعل الآن بالنيران وتعصف الانفجارات به بلا رحمة :‏

لقد قتلوا الصياد !‏

قتلوا‏

الصيااااااااااااااااااااااااااااد …‏

ينتهي الحلم أم التخييل أم هل بدأ الآن في هذه اللحظة!؟؛ الصياد الذي كان يكشف عمليات القتل والتصفية؛ يموت ولكن هناك من يعرف وقد خبر النهر وتتلمذ على يد الأستاذ؛ إنه الصحفي / الجيل الجديد الذي سيبني ولن يوقفه أحد, فلا أحد قادر على أن يمنع العراق من أن يكون نفسه مهما طال الزمن.‏

المنصة الحيادية والسرد من الداخل:‏

يختار الروائي مفهوم السرد من الداخل, لسببين: الأول: ليحقق دهشة التعرف من قبل الصحفي العائد لوطنه, فتبنى العلاقة يوماً بيوم, وهكذا يسقط شبة الراوي العليم, وتتحقق الألفة بين السارد والمتلقي. الثاني: بهذه اللعبة يخفف عبء التاريخ القريب والآني عن عاتق السارد, فلا يأتي بخلفيات مسبقة, بل بعاطفة نقية تجمعه مع العراق الذي تتقاتل عناصره وتتنافر ويتقاتل فيه الآخرون, حتى صار كشبكة العنكبوت والهدف من ذلك تحقيق حيادية تخيلية, قد يعاب على المؤلف إنْ لم يلتزم بها, فهو يلاعب نار العراق المشتعلة, فلا بد من أن يحرق أصابعه وهذا ما استطاعه؛ المؤلف والروائي والسارد من الحفاظ على أصابعهم نظيفة من شبكة العنكبوت تلك لأن بوصلتهما كانت العراق والعراق فقط.‏

الصحفي/ الأستاذ؛ ضرورة البطل:‏

تغدو الشخصيات الأخرى في الرواية تنوس بين صوت, يوجه الصحفي أو صدى لفعله, سواء من والده أو “ بوحمد” رئيس تحرير صحيفته, أو الصحفيات والصحفيون ومن ذكرناهم سابقاً, فجميعهم يخبون أمام الصحفي والأستاذ وهنا الهدف ليس كلاسيكية أو محاباة للمتلقي الذي تستهويه قصص الأبطال, فيتمثلهم, بل لأن كل من الصحفي والأستاذ هما تمثل للعراق, فقد كان لابد من أن ينحو السرد هذا المنحى والبحث عن البطل الملهم.‏

أيها الآخر أنا أيضاً آخر:‏

الرواية تكشف ما آل إليه الوضع في العراق من تفتت وكيف الأخوة ضاعت مشاربهم وتاهت بهم الجهات, حتى صار الآخر/ الأخ؛ هو الجحيم الذي يحرق نفسه ويحرق الآخر غيره ومن خلال هذا المفهوم تصرخ الرواية : أيها الآخر أنا أيضاً آخر, فلماذا!؟, لنوقف هذه النار ولنفهم؛ أنه لا آخر بين أبناء الوطن الواحد.‏

بغداد الرواية:‏

رواية سلسة, عميقة الرؤية والرؤى, تستلهم مقولة جلجامش” الذي رأى” وبعدها عاد لأروك ليبنيها, للرواية هذه القوة الناعمة وأنْ نحكم بالتخييل, فهذه إرادة للحياة ؛ “عجائب بغداد” رواية للروائي وارد بدر السالم.‏

Bassemsso91@gmail.com

القرود الثلاثة

يؤرخون لنشأته في القرن السادس عشر, كفن معتمد ولكنه بدأ مع الإنسان ومع جده, وفق داروين, فالقرود تضحك وتفتعل المواقف المضحكة ويأتي كاريكاتير” القرود الثلاثة” كشاهد صارخ لمن يريد الاعتبار والإنسان بطبعه تضحكه حالات الخروج عن المألوف, كالسقوط, فالكثير تضحكهم سقطة آخر على الأرض وهذا يعني أن الكاريكاتير موجود مع بدء البشرية .

وهذا اللامألوف هو ما دعا أصحاب النظرية المدرسية لتعريفه بأنه فن يعتمد على تشويه وتضخيم وشقلبة الأشكال لهزءٍ ما أو نقدٍ وكسر قدسية ما ولم يوفر مشتغلوه جانباً من الحياة إلا خاضوا برسومهم به, حتى ناله من محاكم التفتيش كل عقوبة متصورة لكنه ظل موجوداً ومع ظهور الصحافة انتشر انتشار النار في ذيول الثعالب التي أطلاقها شمشون.

سريعاً خرج عن القهقهة وأنزل الدمعة وسخر من فكرة التضخيم والتشويه, ليصبح ” حنظلة” ناجي العلي, اسما آخر لفلسطين, صار الشكل, دالاً, عتبة عنونة, أحياناً يلعب بالتوازي مع الدلالات التي يتضمنها, كأنه المفتاح الذي يعلق برقبة كل فلسطيني, فهو التاريخ والحاضر والمستقبل وجاء اغتيال ناجي العلي ليجذره في واقع المعاناة صار حنظلة أفقاً آخر للفن الكاريكاتير نقله من السخرية للتهكم والفرق بين الحالتين, إن السخرية تبقى في حيز الفضح لكن التهكم نقل الحالة من الفضح,فالهدم, فالبناء كل هذا يعني أن التعريف المدرسي لا يدل أبداً إلى ما صار إليه الفن وفي المقلب الآخر توقف الشكل عند التمهيد للدلالات أو الفِكر المقدمة, فكان ممثلاً لكلاسيكية العنوان كصورة الرجل الذي يعتمر قبعة العم سام.

الكاريكاتير فن هيرمونيطقي يأخذ من الرسم وسيلة تعبيره, يؤسس نفسه في سيميائية العلامة وخاصة في الحالات التي لا يصاحبها التعليق, مجرد خطوط وظلال تنتقي ما تشاء لتوصل فكرته, فلم يعد الإنسان كجسد هو المدار بل صارت منتجاته, كالأرقام والأحرف والأعلام والماركات بل كل شيء وفق هيديغرية الوعي, أخذ الوعي حيزاً كبيراً فيه وعليه بدأ بنقل الحالة الداخلية للعلامة سواء أكانت إنسان أو غيره للخارج, بحيث أصبح كالقراءة النفسية للأحلام, رسم يحتمل قدر ما تستطيع من تفسير, هكذا تكون التاء المربوطة قنبلة أو عين تدمع.

بين لونين أبيض واسود أو كامل ألوان الطيف, يتنقل الرسم الكاريكاتيري, فرض ثنائية اللونين كيفية الطباعة التي كانت محصورة بهذين اللونين إلى أن تطورت فيما بعد لكن هذا لم يعني انحسار ثنائية الأسود والأبيض, إذ صارت نفسها مفارقة تطلب لذاتها ولتحقيقها مدلولات أخرى تفشل الألوان في تحقيها ولنعد لناجي العلي ولونيه المفضلين الأسود والأبيض إذ بهما أعلن عن موقفه الذي لا يقبل “لو , لولا” ففلسطين لا تحتمل الرمادي ولا لوناً آخر.

هكذا يتقدم فن الكاريكاتير على يد مبدعيه, متهكماً كل محاولة لتعريفه أو تبنيده أو حصره, فالكلمة التي كانت ترافق رسمه صارت هي بذاتها رسماً كاريكاتورياً.

نعود لقرودنا الثلاثة الذين تقاسموا إغلاق أهم منافذ العقل لمعرفة العالم, السمع والبصر والنطق والدلالة المتخفية وراء القرود الثلاثة أنهم كثيراً ما يجتمعوا في شخص واحد.

جريدة البعث

باسم سليمان

هايكو في فنجان اللغة العربية

لعب هيكل القصيدة دوراً مهماً في الحكم والتذوق والتصنيف الذي وقع على الشعر وهذا الهيكل سواء قدم كامل الهيكل العظمي أو اكتفى بعظمة صغيرة منه كان مشاعاً في النتاج البشري!؟, فشعر العامود العربي والذي يقوم على وحدة البيت المكتفي بذاته والذي كان يعتبر عيباً أن يتجاوز المعنى البيت للبيت الذي يليه أو يحتاج للبيت الثاني لإكمال المعنى, يدفعنا للقول: إنّ الشعر العربي عرف شعر الومضة بمكان ما!؟ رغم مافي مقولة الومضة من تجني؛ لأنها لاتؤسس إلا قياساً على طول هيكل شعري آخر!؟ وما سبق قوله, تأتى من انتشار ما يشبه شعر الهايكو وحتى هنا تغدو المشابهة مغلوطة, فترجمة “هايكو” تعني جملة ممتعة مفيدة وهي أقرب للروح اليابانية وتجلياتها الخاصة ولكن….!؟.

مقاطع صغيرة, كضربة ريشة, انطباعية, تأخذ من الرسم الانطباعي ضروراته في السرعة ووضع الإحساس بشكل حدسي, مع سخرية وتهكمية مبطنة, بالإضافة إلى تقشف عن المحسنات البديعية التي اشتهر بها الشعر العربي, حيث المقطع يأتي جماله من عورته الحسية؛ النقل المباشر للتأمل بعيداً عن تخميره واستنارته, يكاد القول إذا صح يكمن في العودة للقاء الأول مع الوجود.

هل نستطيع التكلم عن ” هايكو” عربي!؟:

السؤال يستدعي: إنّ سياق القول ليس وليد اللحظة بل هو نتاج سيرورة وعليه تبقى تجربة ” الهايكو” في لغة الضاد وصيرورتها الزمكانية مع فعل المبدِع وتذوق المتلقي, قضية تُترك للزمن ليصقل حوافها وقبل ذلك, للتجربة, الحق بالوجود وقياس جودتها قضية جدلية.

” هذا النحل/ يجمع رحيقه/ من زهر الخشخاش” المفارقة هنا ليست مقصودة لذاتها, لكي تقيم بنية جمالية بل وجودها يخدم التهكم والسخرية من العلائق الجمالية السائدة, فالنحل والرحيق والزهر, تثليث, يحتفل به ويكاد يكون مقدساً, فتأتي كلمة ” الخشخاش” فتأرضنه وتحرره من الانطباعات المؤدلجة, لتعيده للحظة التماس الأولى, تأملية معاكسة تدفعنا للسؤال عن ذات السؤال القار فينا والذي حفظنا أجوبته غيباً.

” في عتمة صالة المسرح/ قتل عطيل ديزدمونه/ لم يتدخل أحد من الجمهور..” المقطع قبل أن يتدخل النقاد والمفتشون وقبل أن ترفع البصمات وسؤال شكسبير والبحث عن عقدة أوديب ودراسة اسم عطيل دلالياً وشعور التطهير الذي حصل عليه الجمهور والتأويلات والتفسيرات. المقطع مقولة, شاهد جاهل أو طفل وبالأحرى, تهكمية كبيرة, من أنّ الجمهور القاتل الحقيقي لأنه كمراقب خارجي, كان يعرف أن “عطيل” سيقتل “ديزدمونه”.

بعيداً عن ما سبق يحمل المقطعان, روح ” الهايكو” فالشاعر لؤي ماجد سليمان, قدم المشهد بألفاظ بسيطة بعيدة عن التأنق إذ وصف الحدث بعفوية ودون تفكير كما يفعل طفل, فقد صبّ انطباعه بسلاسة. إنّه الإحساس نقي من الشعور!!.

ما الذي يلزم لنكتب ” الهايكو”؟:

العلاقة مع الطبيعة هي مصدر ” الهايكو” والطبيعة هنا لا تعني إلا العلاقة دون وساطة حتى اللغوية  وهنا نعود لموضوعة الرسم الانطباعي, فالرسام الذي يخرج بعدته للطبيعة والذي لا يعرف مسبقاً نوعية الطقس وتحولاته يكون في سباقاً مع الطقس من شمس ومطر وريح ليضع ألوانه المائية, قابلاً, نزق اللون المائي وتشربه للتغيرات, فيرسم الإحساس, كالشاعر الذي ينظف اللغة من حمولاتها ويكتب كأنّه للتو اكتشف اللغة.

” فتشت عن القلم كثيراً/ حتى أضعت الفكرة / وجدته ..word 2007 ” في هذا المقطع اللماح, نجد بوصلة الهايكو؛ إنها الجدة وقراءة الوجود في لحظته وفي آنه, فالهايكو لم يقف عند ” باشو” خزافه الأول بل كان طوعاً لصلصال اللحظة وعلاقة الشاعر بها وهكذا فأن طبيعة ” الهايكو” بكونه قراءة الحواس الخمس قبل أن تتم معالجتها بالشعور والعقل المتخمين بسياقات تحرف الإحساس عن جوهره.

لفافة الوقت:

ديوان للشاعر لؤي ماجد سلمان, مكتوب بالطريقة التي هناك تعارف عليها غير مقنن أي الومضة بانتماءاتها العديدة من كل مشارب الشعر العالمي لكن في المناصات التي وردت في الديوان من ذكر شاعر الهايكو الياباني ” باشو” بالإضافة إلى جزء من الديوان معنون” هيروشيما فصل القتل” مع مقطع ” باشو يا عرّاب قصائدي القصيرة/ متى ستكتب قصيدتك الطويلة/ عن هيروشيما القدس؟” استدعى المعالجة السابقة.

لا ريب إنّ لؤي كان يحيق به خطران؛ الأول : الذائقة الغارقة في آليات تلقي تختلف عن تذوق شعر ” الهايكو” والثاني: إن تقمص روح الهايكو, لن تكون باستدراج هيكليته فقط بل بالتنصل من السياق اللغوي والمعنوي لآليات اشتغال اللغة العربية وهذا جعل لؤي ينوس بين إشراقات من روح ” الهايكو” والإكراهات التي طوعها لؤي ليقدم هايكو بنكهة القهوة العربية.

مقاطع منتقاة من الديوان :

” أكره أن أغتابك/ حتى …./ في حنيني إليك” –” عندما يراودنا الموت…/ عن نفسه/ لماذا يداهمنا الخجل” – ” لو سمع ” الفراهيدي” قهقهة كعبك/ لصنع بحراً جديداً من العروض/ ولسقط الحصان عن القصيدة”

ليس لزاماَ أن نكتب الهايكو كما يكتبه اليابانيون بل كما ينبغي للشعر أن يكون وهذا ما فعله لؤي .

لفافة الوقت ديوان شعر لؤي ماجد سلمان صادر عن دار بدايات 2012

جريدة الثورة

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

خزف القصيدة وصلصال التجريب

 

يقول باختين عن الرواية : إنها خليط من الأجناس وشكل غير منجز وتوليفة تسمح بإدراج ما يريد الكاتب, فهل هذا التوصيف يصح للشعر وبالتالي قبول تجربيته وفهمها ضمن أحقيته بأن يكون صلصالاً ينفر من تاريخ الخزف الرائع الذي أنتجه!؟.

السيرة الذاتية والعبر ذاتية في الرواية, خصائص معروفة مبدئياً, كذلك في الشعر ظهرتْ بمفهوم الغنائية وهذه أخذتْ تجليات عديدة ولربما آخرها كتابة المكان وتحين الزمن لإظهار صوت الأنا سواء بالصوت؛ بتوجيه الخطاب لذات القائل أو استدراجه عبر آخر, سواء بأطلاله, ظلاله, سطوة غيابه, وانتظاره, حضوره…. .

إن محاولة كتابة الذات, نرجسية واعية, يروم من خلالها الشاعر تطمين قلقه أو تدثير الغموض بمعطف الألفة.

“هي أنا/ الخلاسيةُ/التي تركتَها سنواتٍ تُربّي شَعرَها/ في ضواحي إشبيليّة/وتغزلُ مع الغجريات/فساتينَ واسعةً/ بكرانيشَ زرقاءَ/ تناسبُ أحزانَ الفلامنكو.”.

 المقطع السابق من قصيدة “الخلاسية “يعتبر كمبتدأ, فاطمة ناعوت في ديوانها ” صانع الفرح” وكأنها بذلك توجه دفة القارئ لكي يتلصص على سيرتها, فمتعة التلصص هي بؤرة إيصال القراءة للحظة تختلط فيها الأوراق وتصبح سيرة الشاعرة هي سيرة القارئ أو بالأحرى سيرة هذا الغائب الذي تارة, يكون الحبيب أو الأم أو ذات الشاعرة نفسها, أليس ذلك من أهداف الرواية, بأن يصبح المرسل إليه في النص كما يقول أمبرتو أيكو, هو ذاته القارئ خارج النص!؟, فتأسيس المكان وتحين الزمن في القصيدة, ينجز هذا الأمر وتنمزج به الأنوات المختلفة المتعالقة مع النص”   لكنَّها/ سوف تخطفُه من يده/ ليندسّا في زاويةٍ مُشَجَّرة/ بعيدًا عن عيون المارّة والبصّاصين/ تمامًا/ كأنهما مراهقان صغيران يتعلمان الحبّ/ما همَّ أبدًا أن يكونا/ قد تجاوزا الخامسةَ والخمسين/بقليل.”

نستطيع أن نجد ثلاث عتبات دلالية, تعتبر مفاتيح نصية لينجز الخطاب الشعري في ديوان فاطمة مسعاه, الأول: يمكن فيها كذات والثاني: في الأم والثالث: في الحبيب الذي ينوس بينها وبين الأم من حيث الأم كزمن ماض, تُظهر الشاعرة طفولتها وريعان صباها من خلالها والحبيب كحاضر بالغياب وقادماً من المستقبل, يتجلى قلقها.

الأم/ الساعة:

”  كانت في بيتكِ قبل عام / بيتنا القديم / هي الآن في بيتي/ على الحائط المقابلِ صورتك / في فستان زفافِك إلى أبي/ هل قابلتِ أبي بعدُ؟ / هو هناك منذ عشرين عامًا/ لابد أنه ابتنى لنا بيتًا/ وزرعَ حوله حديقةً ونخلاً وبحيرة.” من قصيدة ” ساعة الحائط” المهداة لأم الشاعرة. جدلية الأم/ الساعة جدلية الزمن وفقدانه, حيث الأم مرتبطة بساعة الحائط إن توقف رنينها يعني توقف الحياة, لذلك الشاعرة حريصة على أن تملأ الساعة بالوقت, الوقت الذي هو الذكريات, لكي تستمر الطفولة حاضرة وتمنح الفرح أو الطمأنينة المفتقدة ,فتطلب من حبيبها أن يعيدها

الأم كدلالة والشاعرة كدال, هذه الثنائية المتلاحمة تريد الشاعرة إعادة إنتاجها, وذلك بأن تكون أمّاً/ أمّها وأن يكون الحبيب أيضاً أمّها, فالأب الغائب من فترة طويلة جعل من الحبيب بدلاً عن الأم وليس عن الوالد”  سأقول أيضًا:/ حبيبي شاعرٌ/ يعرفُ كيف يربتُ علي ظهري بحُنو أمٍّ / ويُضفِّرُ جديلتي في شريطةٍ بيضاء/ ثم يمسح عن جبيني/ وجعَ التوحُّد.” من قصيدة ” شباك أمي”.

الغياب كحبيب:

هذه الإزداوجية السابقة بين الأم والحبيب, تسمح بدخول العتبة الثالثة أي الحبيب. في الحضور يسقط الكلام, الغياب بنجز البوح, فغياب الأم مبرر لكن غياب الحبيب يصبغه الشك ولا يسعفه التبرير ” وهناك /  في قاعِ سلَّةِ الغسيل/ ترقدُ بيجامتُكَ / تتقلَّصُ مثل جنين/ يرفضُ الخروجَ إلى العالم ” من قصيدة ” بيتي طابور خامس” وهي إذ تكتب غيابه تكتب ذاتها الوحيدة والتي تتمثل بحركة النوسان بين قوسي الأم والحبيب وهي الشطر الأكبر من الديوان كخلفية ترسم عليها ناعوت مكانها وزمانها, فتملأ القصائد بالأمكنة والأشياء وأزمنة السفر وثيابها وأنوثتها التي تنتظر أن يأتي الحبيب, فيفك إعجامها لكن العجمة هنا مصيدة تنصبها الشاعرة لتصطاد ذاتها وتفصح بها عن حبها ”   هي أنا،/ وأنتَ /تجوبُ العالمَ / تفتِّشُ عن نصفِكَ،/ ونصفُكَ هنا/ عند نهاية خيطٍ أثيري / حيثُ عينان أمام كوّةٍ إلكترونية/  تتلصصان على غرفتك / وأشيائك:/ مكتبٌ/ فوقه دفترٌ أحمرُ/ ومخطوطةٌ مبعثرة / وورقةُ مواعيدَ/ فيها موعدُ سفرِكَ القادم إلى هنا؟/ وعند الركن/ علبةٌ كبيرةٌ شاغرةٌ من الكرتون / كانت قبل برهة ترقدُ فيها/ عروسُ جيشا / تضعُ كيمونو / يدثّرُ جسدي.” من قصيدة ” عروس الجيشا” وما سبق يمكن أن يضمن تحت عتبة الذات.

السرد الشعري:

تقوم قصيدة ناعوت على الصورة المقطعية, إذ تشتغل البنيات: الكلمة والجملة كمكونات تعف عن ذاتها لأجل الصورة المقطعية, هذا الأمر له وجهان: الإيجابي يتضمن التذوق الكتلي للمقطع مما يولد دهشة تؤسسها سهولة البنيات التي تعمر المقطع والثاني: السلبي يتضمن الأنسنة السلبية, فالأشياء تحضر كما هي, أي توقعها معروف وإنّ هذا فرضه موضوعة السرد إلا أنه خفف من وهج بنيات المقطع الشعري.

ومن ضمن آليات السرد الشعري يظهر لنا تيار الوعي وهذا إنْ دعم الرواية بشدة إلا أن لا يناسب الشعر من حيث اشتغاله, الذي يتضمن الإطناب والتبرير والتعليل وهذه الصفات تضعف الدفقة الشعرية التي تقوم على صدمة الكشف حيث الشعر ريادة في المجهول.

الصورة جاءت متقشفة وهذا مقصود من قبل فاطمة, فقصيدتها, قصيدة إطار, تهدف من خلالها لضبط الزمان والمكان والحالات النفسية التي اعترتها لكن وسعت ضفتي المجاز مما أعطى للمقطع في القصيدة إحالة بعيدة المدى.

لا ريب, إن التجريب يحمل مخاطره لكن روعة التجربة سواء الكتابية من قبل الشاعر والقرائية من قبل القارئ, تبرر وتدعم العودة للصلصال البدئي واكتشاف خزفاً لم يوضع على قبل.

صانع الفرح ديوان فاطمة ناعوت صادر عن دار ميريت القاهرة لعام 2012

باسم سليمان

الثورة

Bassem-sso@windowslive.com

المنتخَب الذي هزّ الملعب طولاً وعرضاً

 

قال أبو فلان لزوجته علتانة: وزعي البسكويت والراحة على الجيران, حمداً لله, فلقد صار فلان, ابن بطنك مفتوح الخاء بدلاً مكسورها.

فقالت أمّ فلان وهي تولول: خاء مفتوحة أو مكسورة وماذا لو كانت مضمومة!؟

قال أبو فلان: يا مجنونة, هذا يعني أنّ ابنك, أصبح منتخَباً وحاز ثقة الناخبين.

أم فلان: وهل اسموا فريق كرة القدم باسم ابننا!؟.

أبو فلان : استغفر الله وأتوب إليه: صار مسؤول يأمر وينهي, فتصوري كل أحلامي ستتحقق.

أم فلان: هذا الذي ينقص, أعرفك يا أبو نفس خضراء, تريد الزواج!!؟.

أبو فلان: فلج لا تعالج, حتى لو بالمشفى العام, أخيراً سأطلب من ابننا أن يأمر المؤسسات والقطاع العام والخاص أن تعتبرنا شركاء في العقد لا وفق صيغة الإذعان…. ماذا لو أن شركة الكهرباء, تعتذر مني؛ لأن قارئ العداد أخطأ وتصلح الخطأ بأن تتحمل نصف الفاتورة المتراكمة بدلاً من التهديد بالقطع أو تجعلني ألجأ لفلان وعلتان من أجل تجزيء الفاتورة وأيضاُ أن يخرج المسؤول بدلاً من الأعذار التي حفظناها عن ظهر قلب عن سبب التقنين الذي غدا قانوناً دون تشريع, أن يتكلم بصراحة عن الأخطاء الكثيرة السابقة …” تقاطعه”

أم فلان: أنت رح تقطع برزقتنا, بعنا شمع وربحنا بالشمعة تلك الحسبة, شو أخبار المتة هل مازالت عاجلة وبالخط الأحمر…” يقاطعها”

أبو فلان: ماذا لو صار المخطط التنظيمي خطة قرنية ” من قرن” .. ” تقاطعه”

أم فلان: والله ابن أم سين, إلى الآن لم يجدوا له قرنية لكن ابن أم عين وجدوا له حلزونة عن طريق الدولة وركبوا إياها بإذنه, حتى صار يسمع دبيب النملة …

أبو فلان : ماذا لو أن مؤسسة الهاتف, تتحمل تلك الفواتير الغريبة التي تصدم بعض الناس أو تلك الاستهلاكات التي يبندونها بالفاتورة ولا نعرف لها رأساً من أساس وإذا راجعتهم, تعللوا بالعدادات وكأنها لا تتعطل …

أم فلان: يا سيدي أم طاء اشترت موبايل لابنتها ” أي بدي” فغارت منه أم ظاء واشترت لابنتها موبايل متل لوح” سبورة”  الصف…

أبو فلان: لو أن تاجراً, جاء يعتذر من استغلاله واحتكار السلع وقال: حقكم عليّ لقد أعماني الطمع ولستُ ممن يفعلون الخير خوفاً من دورية تموين أو حماية المستهلك…

أم فلان : يا أبو فلان, لست أدري عن صحة هذا الكلام لكن أم جيم قالت: إن عائلة لام قد قدموا للمعزين بوفاة جدهم الأكبر الذي مات عن عمر مائة وثلاثين سنة, فناجين من قهوة المازوت وأكثر آخرين قدموا شربة ماء لها طعم المتة بعد أن عاد ابنه سالماً  ..

أبو فلان : ماذا لو …

أم فلان : ابننا مسؤول بأي منصب !؟.

أبو فلان : عضو مجلس بلدية !!؟

أم فلان : صرعتني بابنك, هذا الذي حملته تسعة أشعر وأرضعته من دمي وربيته كل شبر بنذر, عندما راجعه, جارنا أبو ميم, تكبر عليه وخاطبه من رأس أنفه, ضاع تعبنا عليه, كنتُ على طول أقول لكَ, الذي يسرق البيض, يسرق البطيخ!؟.

أبو فلان: هذا ابنك, عرفتِ ليش تزوجتُ عليك, لأنو نسلك …!!!؟؟

أم فلان: معك حق, ابنكَ وزيادة, لكن لا تنسى أنه قبل زواجك من خضراء الدمن, قال لك الطبيب: يا أبو فلان الحادث منعك من الإنجاب نهائياً!!؟؟؟.

باسم سليمان

الكون نص سيميائي

 

يعرّف يوري لوتمان مفهوم سيمياء الكون بأنّه: فضاء سيميوطيقي ضروري لوجود ولاشتغال اللغات المختلفة, وهو ليس بمثابة جماع للغات الحية. هذا التعريف يجد جوهره بمفهوم الكون الحيوي الذي نظر له عالم الفيزياء فيرناديسكي الذي يعتبر: إنّ الذات البشرية مثل الكائنات الحية عامة, لا تعد موضوعا في حد ذاتها, مستقلا عن الكون؛ لذاك لا يعتبر الكون فضاء فيزيائيا يوجد خارج الذوات التي تدركه ولكنه الكون الذي تسبح ضمنه هذه الكائنات وبالتالي يمكن خارج حدوده أن لا تحمل الحياة ولا تشكلاتها أي معنى.

سيمياء الكون سابقة كفضاء على اللغات وعلى كل فعل لإنتاج الخطاب, غير إنها تعد ضرورية لوجود هذه اللغات واشتغالها وهذا يعني بشكل معاكس أسبقية الفضاء السيميوطيقي على السيميوزيس أي الفعل؛ وفق مبدأ ديكارت الثالث في كتابه المنهج حيث نبدأ بعزل عنصر ومن ثم نرى القدرة على تعميمه هذه الأسبقية لا تعني بحال من الأحوال إلا أنّ الاشتغال السيميوطيقي, ماهو إلا حوار يقوم بين باث ومرسل إليه, بشكل دوري أي بين وعي الكون كمحيط  دلالي وإنشاء الدوال, يجب أن يكون في هذه الحوارية حد أدنى من الثبات وإلا فإن الحوار مقطوع وعليه يجب تجاوز العقبات التي تفرضها الإثنانية واللاتناظر بين مكوناته حتى نكون قادرين على فهم الكون كسيمياء نعيش في داخلها وننتجها في الوقت نفسه.

سيمياء الكون تقوم على مركز وهامش, فالمركز ينتج أنساق يحاول من خلالها أن يصبغ الكون بمعطياته ومن صفات هذه الأنساق الثبات والدائرية أي أن الطبقات الطبوغرافية للحياة, تعيد إنتاج نفس الصفات وهذا مرده إلا أن التوصيف عامل دفاعي يقوم النسق المركزي به بالمحافظة على ذاته لكن الهامش بدوره ليس منكفئا بل أنّ فترة تلقيه تجعله يستوعب الأنساق السيميوطقية عبر الترجمة ومن ثم الحوار ومن ثم هضمها نهائيا وتشكيلها عبر بيننة من ضمن محيطه ومن ثم بثها من جديد وبل التوسع بها وهذا ما حدث في إيطاليا التي تدفقت إليها الغزوات العسكرية والحضارية والتأثيرات الثقافية ولكن بعد فترة تحولت إيطاليا لمصدر لكل الثقافات التي تبنتها أوروبا فيما بعد مثلها مثل فرنسا قبل عصر الأنوار وروسيا بعد دخول المسيحية عليها والثقافات الأوروبية في القرنين الثامن والتاسع عشر.

الإثنانية تفرض الحدود, هذه الحدود تجعل لكل شخص ومجتمع تصوره الخاص عن فضائه, بحيث يصبح القول, فضائي, مقابل فضائهم أي الآخرين لكن ذلك يعني أن هذه الحدود بين المركز والهامش ممكن اختراقها عبر الحبكة والحبكة تعني هنا حالة مركبية أي زمنية, فلننظر لحالة الميتيولوجيا وكيف أن الإنسان يصنع فكره من كونه المحيط حيث يفعل به الكون فيتمثله, ليفعل به, فهل من الممكن لشخص يعيش خارج الجاذبية أن يتكلم عن فوق وتحت والتي بدورها ارتبطت بقيم إنسانية من باب الحسن والقبيح؛ إن العود الدوري لمظاهر الحياة جعل من النسق السيميوطيقي لأية كون سيمياء يتشابه, فالبداية والنهاية ليست ذات أهمية, فموت الإله وانبعاثه متكرر بشكل كبير وهذه النسق ينتج ثوابت دينية واجتماعية وإن كانت الرؤية الأخروية تطورا ما, بحيث يصل الإنسان لحالة من الراحة الدائمة إلا إن ذلك لا يغير بالأمر الكثير, فجاء الهامش ببنياته المقطعة بأن اعتنى بالحوادث والأشياء الاستثنائية, فأنتج ما يمكن تسميته بالزمن الخطي بداية وسط خاتمة لا عود دوري للأشياء ومن خلال حوار هذين النسقين تتبدى الحضارة بأشكالها العديدة, فإن غاب شيء لكنه لا يختفي يتم استيعابه وهكذا نرى أن المدن والدول هي تجليات لأنساق وفكر سابقة ومحايثة ومتصورة لمن يقومون بها.

إنّ سيمياء الكون تمثل نموذجا يحدد إنتاج وتبادل المعرفة التي تأخذ شكل خطابات أدبية وجمالية وسياسية وغيرها. تبادل المعرفة يقوم على خرق الحدود بين الفضاءات والمجالات السيميوطقية, عبر الحوار تتلاقى فيه وتتعارض عناصر معرفية تواصلية ويكاد هذا الكتاب نتيجة لدراسات يوري لوتمان بتوسيع حقل السيميائيات عبر الاشتغال بمواضيع سيميوطقية تدمج الاجتماعي وذلك عبر توسيع مفهوم النص, فالنص ليس قطبية توصيل بين باث ومتلقِ ولكنه يصبح قادر على توليد مستويات نصوصية تنتج عنها مستويات ميتا نصوصية وذلك لأن الضامن لاستقرار نسق ثقافي يتم عبر تعدده وتنوعه أي ما يمكن تسميته بحوار الحضارات, فالنص يتضمن عناصر لا تنحدر من اللغة وهو يتشكل من أكثر من لغة.

تضمن الكتاب عدة مواضيع تعتبر تطبيقا لنظرة يوري لوتمان منها: الفضاء الجغرافي في النصوص الروسية إثناء العصور والوسطى وسفر إبليس في الكوميديا الإلهية لدانتي.

سيمياء الكون ل يوري لوتمان ترجمة عبد المجيد نوسي صادر عن المركز الثقافي العربي الدار البيضاء لعام 2011

جريدة الثورة

باسم سليمان

تليراديو

هجين, يعتذر بهدوء, عن التجنيس, مرئي وغير مرئي, مسموع وغير مسموع, تمتلك الأذن فيه حق الراحة , كذلك العين, فالصوت والصورة فيه متكاملان وأيضاً منفصلان بكل ود, يزيد بصفاته عن الراديو, إنّه صاحب صورة وينقص عن التلفزيون إنّ صورته ثابتة, قد تكون صورة لشخص مشهور أو عادي,أو لوحة دعائية إعلانية, أو صورة لمنظر طبيعي وغير ذلك ولكنه يتفق مع التلفزيون بشريط أو شريطين من الأخبار والمعلومات وآخر للمشاهدين, متحركين, تستطيع العين متابعتهما بصمت أو بصوت تستمع الأذن للأغاني ونشرات الأخبار أو اللقاءات وتتابع العين أو لا تتابع.

حل وسط, له شعبيته الكبيرة بين الجمهور, أخذ موقعه دون تردد, وزاد في قوته كلفته البسيطة مع ما يتطلبه التلفزيون من تكلفات عالية في ظل منافسة يشهدها البث التلفزيوني تقوده لسباق يوقعه في أخطار كثيرة منها عدم التريث في بث الخبر وإعلاء شأن الصورة المتحركة على المضمون وكأنها وحدها كافية لقول كل شيء واختصار الوجود وهي بهذا المنحى تعمل عمل نهر المعلومات على النت بحيث تدافع المشاهد/ المعلومات, يجعل المتلقي قليل التفكير كثير الانفعال, فيصبح كمن يركب باصاً كثيراً ما تفوته المشاهد ولا يتحصل من طريقه غير الوصول للمحطة في حين السائر على قدميه, يعرف حيثيات الطريق ومشهدياته, فيرتبط بها وهذا ما يفعله التلفزيون الراديوي أو تليراديو*, إنْ صحت التسمية.

يمتاز عن الراديو بأنّه أكثر من منفذ للتواصل, فهناك الصورة والشريط المتحرك ولكن هذه الميزة لها سلبيتها التي تكاد, تشبه صورة التلفزيون المتحركة التي تأخذ بمجموع الحواس لكن هنا يستطيع المشاهد الاختيار, فإما, يستمتع بالصوت أو بالصورة أو بشريط المعلومات المتحرك وإن كان لابد من الذكر, إنه هناك زحمة في ما يعرض على شاشته, يجب أن ينتبه لها من يقومون على هكذا تلفزيون, تشوش التركيز.

يجد هذا النوع من البث التلفزيوني, جذره بصفحة النت لموقع ما, حيث تقدم الصفحات خيارات عديدة ما عليك إلا التجول, بينها ويمهد بشكل فعال لتعود المتلقي للتلفزيون الكامل “ملتي ميديا” حيث تختصر الشاشة كل شاشات البيت وأجهزته الصوتية, بما فيها شاشة الكومبيوتر ونضيف أنه يقيم لذاته مواقع الكترونية تفاعلية سواء كموقع رسمي أو صفحات التواصل الاجتماعي, التي تحقق صلة مباشرة لا تتاح للتلفزيون بشكله المتعارف عليه وإن كان التلفزيون يقيم ذات المواقع والصفحات لكن صفته المتحركة والمسجلة سابقاً تمنع الحرية المتاحة للتلفزيون الراديوي عنه.

إنّه شكل جديد لن تدوم طويلاً جدته ولكن له وجوده المعترف به وظهور أنماط جديدة من الميديا لن يؤثر عليه كما حدث للراديو الذي خالف توقعات اندثاره وظلّ موجوداً وبل يتطور باستمرار منافساً من أطاحه عن عرش الاتصال أي التلفزيون.

  • مصطلح للتلفزيون الراديوي
  • جريدة الثورة

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

أديب حسن محمد يُمكر بشدة الحضور

اللغة, هي غياب, استذكار دائم للكون والذات, وعندما يتجلى الكونُ وتشرق شمسُ الهوية, يكون الصمت؛ فالصمت في التأمل ليس شرطاً بل غاية يدخل بها المتأمِل, حالة من الحلول في الوجود وإدراك عيني لذاته, فتسقط المسافة, وتنتهي اللغة, ويحل السكون كأبلغ ما يمكن أن يكون بالحضور.

الحدس ليس لغة ولا جدل فكري تتصارع فيه الأضداد, إنه اللحظة التي تتجلى الحقيقة بكامل عريها والحدس هو نتيجة لغياب كبير, الغياب الذي يعتمل من نتيجته الفكر والشعور والحدس والتخييل والفن وكل هذه الاعتمالات, غايتها, الحضور, الشديد التمنع والماكر جداً في أن يظهر, فهكذا قالوا المتصوفة: شدة الحضور, غياب, فالغياب هو ما يجعل للحضور سيرورة وصيرورة متأبدة وخالدة.

الشعر, هو مكر, ضد مكر شدة الحضور, بأن تكون جيناته وخلاياه ومفاصله وروحه, تروم فتنة الغياب, لأن اللغة غياب والشعر لغة داخل اللغة, فهو غياب الغياب أي حضور.

“البرية كما شاءتها يداكِ” تبدو الثيمة الغياب, واضحة, فعل الحبيبة / الأنثى, الذي يؤشر لحضورها, يخفف الشاعر من مكره ويكمل جملته بكلمة ” يداكِ” التي فعلتْ وغابتْ؛ لأن البرية لا تصبح برية إلا بعد تمام الفعل والانتهاء منه, مما يدل على أن الفاعل غائب أو سيغيب لكي يسمح للبرية الغائبة وراء ظل الفعل أن تحضر بعد أن انتهى الفعل, فتصبح البرية هي الحضور الذي يعيه الشاعر لغياب الحبيبة الفاعلة التي انتهتْ وهو بمخاطبته للحبيبة مذكراً إياه بالبرية التي خلقتها, يحاول أن ينشئ حدس حضورها من جديد, فلقد أصبح, هو البرية وعبر الغياب/ اللغة/ الشعر, يستذكر يد الحبيبة” أفكر../ في عبث النسيان/ في وصفة تعيد الهواء القادم من أوروبا/ محملاً بك وحدك/ وفي تفجير الصباح بأغنية/ تُعيد الأشياء إلى جنونها الأول/ والعقل إلى إجازة مفتوحة/ كياقة قميصك/ أنا صوت ناحل في البرية / نادته من خلف الخرافة يد كاليقين/ فاستفزت فيه بقية الأمل”.

 عتبة واحدة لقصيدة طويلة:

وكأن أديب حسن محمد, يقول للغياب جهة واحدة مهما تعددت الأبواب, فلماذا العناوين الخلبية, إنّه يعي, إن للحبية درباً واحداً هو الحضور لذلك وإن اشتجرت الجمل الشعرية, في قصيدته, فبوصلتها واحدة والعتبة, إن كانت مناصية, مأخوذة من جملة في القصيدة وهو إذ يفعل ذلك, يرفض أن يكون نص الغياب مسنداً, لأشياء خارج نصية, فاستحضار الحضور لا يكون إلا في التعويل على الغياب, كمؤنث يؤثث عليه ذكورة حضوره, أمام خصب الغياب الأنثوي, هذه العملية الإلقاحية, والتي تشبه أن ينثر البذار في السماء لتطلع النجوم في الليل الحالك, فيهتدى بها” اطمئني…/ ستتركين البرية جميلة/ كما شاءتها يداك/ موحشة /كما خطها غيابك/ ستتركين طيوفاً تنتشلني/ كلما امتد طوفان الكآبة ليغرقني”.

التفاصيل كبخور يحرق في مجمرة الزمكان:

الذاكرة, بطبعها علامات, تنتج دلالات, فالبرية الكاملة الحضور والتي يعيها الشاعر كذاته, يصمت أمامها ولكنه يتكلم في جانبها الآخر, عن خالقها الغائب, وكعادة الذاكرة أن تكون انتخابية وعشوائية, تحرضها, ميتا أشياء عنها, ظهرت الحبيبة أو أثر الحبيبة كمجموعة من أحجار الفسيفساء التي على الشاعر أن يرصفها فوق البرية لتغيب, وليحصل حدوث الحبيبة” وأنت تسحبين النهار من فمي/ وتعلقينه غيمة في سمائك/ وأنت تعدّين المساء نجمة نجمة/ وتثبتين فحولة الرخام/ بلهاث مكين/ وأنت تفعلين كل شيء/ لإيقاظ وردة المنتصف/تبقين عليّ/ وترتفعين في سمائي”.

لغة تروم أنسنة جديدة للوجود:

الدلالة مابين حالة الجذر الهرمي, حيث الرأس يشق التربة وصولاً للماء والجذر الجذموري حيث الدلالة تمتد أفقياً ورأسياً عبر شبكة عنكبوتية تلتقط بها, كل قطرة معنى جديد, تنوس لغة الشاعر بين هاتين الحالتين وإن كانت الحالة الأولى أكثر اعتماداً ولربما الذي فرض ذلك طبيعة القصيدة من دلالة أنثى واحدة تدخل القصيدة, فجاء القاموس الدلالي, متأنياً بالمغامرة وإن كانت طزاجته تقطر ونجد فيما ذُكر, أعلاه, مؤشراً لذلك أما الحالة الثانية :” كل بعوضة/ أرسلتها لتقرص ساقيك البضتين”,” أعدي الليل على ريح هادئة/ الريح التي أصابتها ” الشقيقة”/ فشدت على رأسها عصابة السكون” في الصورتين السابقتين, هدم دلالي وبناء دلالي أنتج, مغامرة جديدة للمعنى وكأنه بذلك يمحي ما تم تأنيسه ومن ثم يؤنسنه من جديد, فتنفتح الدلالة على حياة جديدة.

البرية كما شاءتها يداك, قصيدة استقطرت عنب الغياب, بجودة روح خمّار, يشرب في اللون الأخضر نبيذه الأحمر, بسلاسة ارتشف أديب حسن محمد, قصيدته حتى الثمالة, وعلى مدى عيونه الذائغة, لان الكون من حوله, فطاوعه صلصال الشعر, لينجز قصيدته/ الخابية وليملؤه بخمر الشعر الذي يقول عنه:” يولد الشعر هكذا…/ من سهو صغير/ من إهمال مقصود للحياة/ عابرةً على يد لا تأبه لرنين الحضور/ المتزاحمة على رحيقها/ ولا تدير الأصابع لغير الجحيم/ مؤثثاً بما لذ وطاب من أشيائك/ فليكن…”.

البرّية كما شاءتها يداك – قصيدة – للشاعر أديب حسن محمد صادرة عن دار الغاوون لبنان 2011

باسم سليمان

جريدة الثورة

Bassem-sso@windowslive.com

بشير مفتي يراقص دمية النار

بقدر ما ينسج الروائي, العقد القرائي, بطريقة أشبه بعقد الإذعان مع القارئ المفترض, يحقق لسرده التجذر في العمود الفقري لوعي القارئ, مما يسمح بشخصنة السرد ودخوله أنساق الحياة دون أداة تشبيه تجعله مشبّهاً يسترضي المشبّه به وهذا يحدث سواء في الرواية ذات المنحى الواقعي وطرفها الآخر رواية الفانتستيك أو الخيال العلمي وما بينهما وما أشكل.

وهناك جملة من المعطيات يستخدمها الروائي لتتكامل وجودية روايته, سواء الزمانية أو المكانية أو شخصيات حقيقية وهذه المعطيات تعتبر خارج سردية وعليه يسعى لمعطيات داخل سردية تحقق له مرامه وقد يكون من أفضلها ما سُمي بسرد تيار الوعي حيث الخطاب الروائي ينطلق من ضمير المتكلم ولكن لهذه الموضوعة مشاكلها الخاصة وإنْ حاولتْ حلّها عبر السرد ذاتية ومن هنا لجأ الروائي بشير مفتي إلى لعبة المخطوط أو لنقل مذكرات ” رضا شاوش” أو روايته المكتوبة بتيار الوعي لينقي سرده من شبهة تواطؤ الراوي بل أكثر, إذ يقدمه أحد شخصيات الرواية, رواية رضا شاوش, واستهلال الراوي أيضاً, على أنه شبيه الكاتب بشير.م وفي هذه إشارة ضمنية لتأصيل الرواية في الواقع, فالراوي الذي يتعرف على رضا شاوش ويستبيح لنفسه استهلال الرواية الذي طال؛ ليؤسس لدخول مخطوط رضا شاوش هو في زمن بشير مفتي, إذاً, هو موجود وكذلك رضا شاوش الذي أرسل مخطوطه للروائي طالباً منه أن يذيله باسمه وأن تكون نتاج تخيله لكن أن تروى كحقيقة واقعة رغم ما يشوبها من خيال لم يعد يميزه عن الواقع في وعي رضا شاوش شيء.

لم يكن رضا شاوش في روايته إلا شاهداً على ما حصل في الجزائر بعد الثورة في مخطوطه وكان في الواقع منفعلاً وفاعلاً في هذا المابعد وهذه البرزخية لشخصيته جعلتْ من سرده أشبه بالاعتراف ومحاولة إطلاق حكم قيمة على هذه الذات وهذا الواقع وإنْ لم يأخذ الدرجة القطعية, فلقد ظلّ رضا شاوش ينوس بين الفعل والانفعال للحظة الأخيرة في الرواية, فهو لم يكن يقدر على الحسم, فهو أشبه بهاملت الذي فسر تردده بكثرة اعتمال العوامل داخله بين القدرة والضعف والشك واليقين.

رضا شاوش هو الحدود البينية بين المتن والهامش, فأبوه كان عصا السلطة في السجن تؤدب بيده من تشاء, هذه الحالة دفعته إلى رمادية تجلتْ, بمعطيات حياتية, علاقته مع والده التي يشوبها الحذر والخوف والرهبة, انفتاحه على حياة الهامش عن طريق عدة طرق سواء المكانية والزمانية والشخصيات, فمن معلمة اللغة العربية التي فتحت له عالم القراءة ومنها ظهرتْ رغبته بأن يكون كاتباً إلى شخصية ” العربي” وسعيد بن عزوز منافسه في الصف والكاره له لأن والد رضا كان سبباً في انتحار والد سعيد والذي بدوره انتحر أو قتل على يد الرجل السمين من المتن السلطوي الذي يدخله رضا لأنّه من صلب أبيه وأبيه كان من المتن في حين رغم محاولات سعيد بن عزوز رُفض لأنه من الهامش وعلاقته برانية حبّه النكوصي والتي عذبها بيد أخيها عندما شاهدها مع رجل أخر, ومن ثم عن طريق “العربي” يتعرف بالروائي الذي يرسل له مخطوطه.

هذه الشبكة من العلاقات, تكشف عن اليد الخفية التي تحرك المجتمع الجزائري بعد الثورة والتي أخذت على عاتقها حماية الثورة, فما تلبث أن تصبح هي استعمار من الداخل, تبيح لنفسها امتصاص نسغ الحياة في البلاد, لتحمي المتن من الهامش الذي أنتج متنه عبر تطرف أدخل الجزائر في متاهة من الدماء استمرت سنوات.

وفي تسلقه لدرج المتن, تتكشف الحقائق وبدلاً من أن يصبح رضا مثل ” العربي” نراه ينغمس ويتحول لمصاص دماء, يغتصب حبيبته ويقتل الرجل السمين الذي في توبة متأخرة يلفظه النظام كما حدث مع أبيه عندما أدعى الجنون هرباً من هذه المكنة الجهنمية لكن الرجل السمين ينهي حياته, فالولاء الكامل للمنظومة أو الموت إلى أن يكتشف أن رانية حبيبته التي هربتْ مع رجل آخر, له ولدٌ منها وهو مع المتطرفين في الجبل, يصعد لهناك محاولاً تلمس مقتلاً له يريحه من الذي فيه وأن ينقذ ابنه لكن في اللحظة التي توضع فوهة البندقية على جبهته من قبل ابنه, يمر شريط حياته أمامه ولكن يسقط كل من حوله إلا هو.

يعود بشير مفتي للفترة التي تلت الثورة الجزائرية يكشط عنها الرواسب ليعري خطاب السلطة ويتلمس خطاب الهامش, يهدم ويسخر من الخطابات التي سردت تلك المرحلة ويوتوبيتها المزيفة, ويحلل ويسبب في ما آلت له الأوضاع ورغم العدمية التي ينشرها البطل وفشله بأن لا يكون نسخة أكثر سوءاً من أبيه/ السلطة الذي رغب بقتله أو تغيرها والذي يبديه بسرد دائري, فنقطة البداية هي نقطة النهاية وكأن لا شيء يحدث وهناك قدرية عمياء, لا تسمح بأدنى تغير, نجد أن لعبة الرواة الثلاث تكسر هذه الدائرة, فمن سردية رضا شاوش والتي تعلوها رواية الراوي الذي قدم لرواية رضا إلى الراوي بشير مفتي ذاته, فإخراج حياة رضا شاوش للعلن ونشرها كما تمنى, يعني أن المنظومة الخفية التي تتحكم بكل شيء قد قصرت يدها.

تغدو الرواية هنا, الصوت الذي يكسر الصوت الأحادي لأية سلطة وتلعب دورها بأنها ” الأنت” مقابل ” الأنا” أو الآخر مقابل من يدعي المركز وأن المركز هو آخر بالنسبة وهكذا تشبك الرواية جذاذات الحياة التي تغرق في محيط الفساد لتصنع منها مركباً قادرا على العوم والإبحار. إنها كسر ضجيج الموت بصمت الكلمة , أ ولم يكن في البدء الكلمة.

دمية النار رواية من القطع المتوسط صادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون لعام 2010 وهي من الروايات التي انتقلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2012.

جريدة الثورة

باسم سليمان

Bassem-sso@windowslive.com

حكاية الرمل…. رواية الصحراء

يدرك محمد العشري, إنّه في الأصل الحكاية, لذلك يقيم روايته ” تفاحة الصحراء” على حكاية عشق “عبد الرحمن” للإنكليزية ” دونا ماكسويل” ولكن هذا المعمار يشبه أثر المشي على رمال الصحراء ما تلبث أن تمحيه الريح ليجدده الماشي في مكانٍ آخر في تفاصيل السرد.

من شجرة عبد الرحمن يظهر” صميدة” الراغب بالعمل في حقل “البريمة النفطي” كأخوته ويهجر رعي الإبل, فيلتقي الجيولوجي ” تامر الدكر” المغرم باقتناص كنوز هذه الصحراء وبنفس الوقت الراغب بالهروب منها مع حكاية عبد الرحمن  وغيره من شخصيات تخيلية وتاريخية واقعية, كالجنرال ” مونتغمري” وحربه الضروس مع “رومل” في منطقة العلمين حيث تتموضع قرية ” الضبعة” التي بذاتها نشأت من أسطورة/ سراب هذه الصحراء و”كيوديني ” الإيطالي القائم على مقبرة العلمين حيث يأتي الناس لتفقد موتاهم والبكاء عليهم ووضع الزهور و”عبد الرحمن” الحارس لهذه المقبرة الذي يتنسم شذى “دونا” في رائحة الصحراء وفيما قد مرّ عليه الزمن وهرم وصدئ كما صدئت المدافع والألغام في تلك المنطقة, تدخل فتاة يبهره شيء فيها يرجعه شاباً, هذه الصبية تسأل القائم على المقبرة” كيوديني” عن أمها وأبوها المدفونين؛ لقد كانت ابنة” دونا ماكسويل”.

هذه هي الحكاية أمّا الرواية, فهي الصحراء, ابتداءً من العنوان” التفاحة” يتداعى لذهن القارئ, تفاحة الغواية في بداية الخلق وتفاحة نيوتن وتفاحة الاتصالات والمواصلات, تشتغل هذه التفاحات كثيمات عاملة, فتفاحة الغواية, تدفع عبد الرحمن إلى عشق دونا وتفاحة الجاذبية تدفع العالم للتقاتل على بطن هذه الصحراء وتفاحة الاتصالات والمواصلات تدفع لغزو بطن هذه الصحراء وامتصاص دمها, فالجيل الجديد يحج لبئر البريمة النفطي يهجر دالات صحرائه ودلالاتها وأيضاً القادمون من خارجها كتامر وجون وقبلهم القادة العسكريين لامتلاكها كلّ بطريقته وأيضا أبناء من ماتوا على هذه الأرض, جعلوها مقبرة واسعة مملوءة برفات أحبائهم والألغام, ينثرون عليها عواطفهم وتنثر عليهم ذاكرتها وانفجاراتها.

الغواية: يدفع عبد الرحمن أصابعه ثمناً لأنه عشق من غير نسائها, كذلك تامر الدكر الذي لم يجد فيها مكاناً إلا لنزوات صيده وضجره, يفقد وظيفته بعدما انفجر فيه لغم أطاح به وبجون والآخرون رهن لذكرياتها من خالد الليبي الذي جاء يبحث عن رفات البحارة الليبيين الذي قتلوا بعدما شُك بأنهم يحملون مرض التيفوس وكيوديني صاحب سجلات الموتى والأجيال الجديدة التي تقطع جذورها مع الصحراء.

البنية الرملية للسرد: تتعدد الحكايات وتتقاطع وما أن تمسك بها تتسرب من بين يديك لتندمج في هذا الكل الذي يبدو من بعيد كأنّه جبل صلد لكن ما أن تقربه حتى تكتشف أنه حبيبات رمل متفرقة, هذه الطريقة وفرّت على محمد العشري أن لا يثقل روايته القصيرة بمحمولات سردية تأصيلية, تدفع إليها أحقية الشخصيات بالوجود ولكنه استعاض عن ذلك ببناء شخصية الصحراء باعتناء كبير تناولها بجوانب بيئية وجغرافية وتاريخية وعليه وضع نقاطه المتخيلة والواقعية, فالشخصيات أقرب لربيع الصحراء سريعة النمو سريعة الزوال ولكن بحضور قوي عبر قصص قوية تصلح لوحدها أن تقوم بمعمار قصة ما وعليه عمد إلى نثرها وقطع أثرها تاركاً لها حرية الظهور في الوقت المناسب.

الرواية سؤال الحاضر للماضي وهنا تكمن المفارقة والقطيعة, فناس الماضي للماضي وناس الحاضر للحاضر!؟, رغم أن الماضي مازال فاعلاً بحدة بواقع الحاضر لكن الكلّ يغفل عنه, كما الألغام المزروعة في الصحراء الغربية وهكذا بين فينة وأخرى يحدث انفجار, قد يطيح بيد أو بإنسان أو بمنطقة كاملة.

أنجز محمد العشري رؤيته بسلاسة عبر لغة متقنة التوصيل قليلة الحشو وشخصيات منتقاة بدقة مع نهاية ترضي القارئ حسب مستويات قراءته, فعودة ابنة دونا نهاية للحكاية وانتهاء عمل تامر وشغل أولاد عبد الرحمن بالبئر النفطي وغيرهم من أولاد قرية “الضبعة” بداية الرواية المفتوحة على الاحتمالات وتجد رواية” تفاحة الصحراء” حاضنتها السردية في روايات إبراهيم الكوني وعبد الرحمن منيف مما وفر لها دخولاً جيداً عند قارئها. الرواية من القطع الصغير لكنها تمور بالتفاصيل.

تفاحة الصحراء ل محمد العشري صادرة عن دار العربية للعلوم- ناشرون طبعة ثالثة 2012

باسم سليمان

جريدة الثورة

Bassem-sso@windowslive.com

أبراج الإرسال وأبراج الاستقبال
فضائيات الأربعاء 25-1-2012
باسم سليمان
 يتلمظ التاريخ شفتيه ساخراً ويقول: قال الراوي, يا سادة يا عقلاء, إن الاسكندر المقدوني قبل معركته التي هزم فيها جيش دارا وفرق شمله وطارده بعدها في أنحاء فارس, جاءه أحد العرافين ينبئه أن الآلهة أو الحظ أو القدر ليس معه في معركته هذه والأولى أن يتنحى عنها حتى تهب رياح حظه ولكن الاسكندر, لم يعره اهتماما وخطب بجيشه الصغير مقابلة م…ع جيش دارا الكبير ومن ثم أمر أن تنفخ أبواق الهجوم وكان النصر حليفه. يتوقف التاريخ قليلاً ويمط شفة ويزم أخرى ويتابع : لقد أحببتُ أن أعيش اللحظة الآنية معكم، وروعني ما رأيت حتى ندمتْ وقلتْ, من غيًر مقامه قلّ مقدار وقبل أن أعود لدوارسي ورواسمي واحفورياتي أحدثكم : من حكم النجوم في حاضره, تساقط مستقبله تساقط الشهب في الليلة المقمرة. وفجأة حلّ محل التاريخ شبكة عنكبوت, تصطاد به حشرات الحاضر, لقد اختفى!؟. يظهرون كالفطور, بعد رعد وبرق, تستضيفهم الفضائيات كأن أحدهم, قد أخذ جائزة نوبل بحل مشكلة قصر عمر الراتب إذ أطال عمره حتى آخر الشهر, تنفش استوديوهاتها بطريقة طاووسية, وتسلط على المنجّم العظيم, أضواءً تكفي إضاءة, خمس قرى وتقدمه بألقاب عديدة: صاحب الرقم القياسي بصحة التوقعات, فقد ثبت أنه تنبأ بأن ســلح طائرا ســصيب سيارة الوزير الفلاني وأن الأرض ســـتهز خصرها بزلزلة ولا نجوى فؤاد وأن المعمّر الفلاني المصاب بالقلب وبقصور الكلى وتشمع الكبد، الزهايمر, سيموت في العام القادم وأن السياسي الفلاني, سيعتزل السياسة ويصبح ممثلا على عكس رولاند ريغن وأن طفلاً, سيعض أخته, فتصرخ, فيرتعب كابتن الطائرة وتسقط الطائرة على شواطئ قارة أتلنتس المفقودة ومن هذا الحديث حتى يشيب الجنين في بطنه أمه. الفضائيات العربية, خصصتْ رأس السنة بكامله مع ليّلة السنة الفائتة, لقارئي الأبراج وطبعاً خلال العام, تخصص لهم البرامج والاستضافات وتعاود بين فينة وأخرى أن تجرد حسبة التوقعات, فمن كان يظهر باستوديوهاتها, تفبرك له تقريراً, يظهر دقته الخارقة التي تُخجل زرقاء اليمامة في قبرها وتجعل “سطيحاً” يقف على قدميه ويتوقف عن تنبؤاته السجعية ومن لم تعجبها توجهاته ومنها السياسية, تنشر غسيله الوسخ وإن أصاب بتوقع ما, تخفف من شأنه حتى تبخسه حقه وحظه وهكذا حتى تعتقد أن متلقي هذه الفضائيات في كشف دائم لمستقبلهم, فلا خوف من فقاعة اقتصادية أو صدمة سياسية أو حتى خطة طوارئ, فالحوادث والمصائب, صار لنا بها علم ولكن لكي نبقي للبشرية بعض الواقعية الموضوعية نترك بعض المصائب تحدث لكي لا تبطر الناس وتظن نفسها آلهة وهنا خرج التاريخ من جديد معتذراً لأنه حنث بيمينه لأنه حلف بأن لا يقارب الحاضر ثانية وقال: للحقيقة هكذا فضائيات وهكذا متلقين لا يحتاجون لاثني عشر برجاً بل لبرج واحد هو برج بابل لأنهم قد بلبلتْ عقولهم وليس لغتهم فقط والآن صرت أفهم معنى أبراج الإرسال وأبراج الاستقبال.
أُديب بقناع عُطيل
قراءة في رواية ” ميدان السلاح ” ل محمد جعفر – الجزائر
 كتب الأربعاء 25-1-2012
بقدر ما تنافس الرواية الواقع, تنجز نوعها الأدبي وبقدرة الرواية على الامتناع عن نسخ الواقع تتم أسلوبها في أنها نص مواز, تكمن عبقريتها أنها ترسم ألوف المتوازيات مع هذا الواقع والتي تقيم معه تقاطعات بزوايا متنوعة ومهما اغتربت الرواية إن جاز التعبير في أشكالها العديدة كالرواية العلمية يبقى للواقع حصته الكام…لة من وجودها, فهو الجزء الأصم الذي لا يستطيع الراوي أن ينحته بأزميل التخييل. هل كانت صدفة محضة أن يأتي « كاكي» المسرحي ويختار عبد القادر؛ ليفتح عيني عبد القادر على الخشبة التي بدلاً من أن تحمله حملها على ظهره ودار بها البلاد وطحن بها حياته!؟. عبد القادر ابن لمناضل شهد بأم عينه كيف خرج آخر جندي فرنسي، وشهد كيف تم تحويل الثورة لمناصب وثروات وإقطاعيات, يتصارع عليها آباء الثورة وأولادها وأحفادها حتى أدخلوا البلاد في أتون حرب, قتل الشقيق شقيقه فيها. عبد القادر الذي نال جائزة لم تكن في الحسبان لأن مهرجاناً مسرحياً رفض مسرحية تعري الواقع, فبحثوا عن كبشي فداء وكانت مسرحية عبد القادر التي لم تحتفل بها مسارح البلاد, تكون السبب في جائزة وغصة مرّة في حلقه, لكن قبوله تلك الجائزة, ألم يكن بذاته انهياراً داخلياً!؟ بدأ باللحظة التي غضِب من أمّه لأنها تزوجتْ بعد موت والده الذي جرب حظه بثورة مضادة يقودها من فرنسا لكنّه قُتل وترك زوجة أخرى. هجر البيت وكان يستطيع أن يتعلل أنها تزوجت عدو والده الذي قطف ثمار الثورة وهو يضع رجلاً على رجل, لكن رفض تلويث ذكرى الوالد, غريب أمر المبادئ!؟. يشرح عبد القادر الواقع الجزائري, يعريه وخاصة في الجانبين الفني والأدبي فيه, يظهر اهتلاك الفنان ووصليته, وكيف صار الفن بذاته وسيلة للمناصب والمال والعلاقات المشبوهة وكيف أن معدومي المواهب وأنصافها يحتلون رأس الهرم ومع ذلك يبقى كأديب يرفض أن يرى حقيقته ذاتها, فزواجه الذي قام على رغبة ترك على أثرها حبه الأول انتهى للطلاق وزوجته تسلقت مراتب الشهرة بسوقية فاضحة وهو أيضاً كان يبدل النساء كمن يبدل أحذيته, فرغم الحب والشوق والهيام والرغبة الجامحة لم يستطع أن يقود فتاة منهم لبر الأمان، فدوماً كان عذره جاهزاً أو هروباً ينجزه والضحية تتشبث به رغم كل الأدلة الواضحة على أنه اللاعب الحقيقي في هذه المأساة، ورغم ذلك ظلّت النساء اللواتي أحببنه أوفياء له, هل لأن المرأة بتجلياتها الكثيرة وطن لا يقطع الحبل السري مع أولاده!؟. عبد القادر الذي رأى كيف أن الناس يتبدلون نتيجة الهزائم والإحباط من أقصى اليسار لأقصى اليمن من شيوعي إلى إسلاموي راديكالي, من فنان إلى متعهد حفلات من صديق وأخ إلى قاتل, حتى هو الذي ذبحه صديقه «منداس» الذي نام معه على حصيرة واحدة في السجن جاءه يشهر سيف الردة بوجهه بعدما كان « منداس» شيوعي سأم من السجون, في أحد الأحلام, مات على يد أخيه وهو يصرخ: لماذا!!؟. لم ينجز مشروعه الذي يتعلق بتأريخ المسرح الجزائري, طرد من وظيفته, هام على وجهه وهو يوجه الاتهامات للآخرين أنهم العائق ولم يلحظ رغم اكتشافه أن طلب المسرحي « كاكي» منه ترك فرقته المسرحية في صباه لم يكن إلا إشارة له, جِدْ لك مساحة ودافع عنها بقوة وإن اختلف النهج, فالمساحات الإبداعية لا تعطى بل تؤخذ!!؟. هو «أديب» لكنّ تجليه« عُطيل», ف«أديب» أخذ قراره الجريء وسمل عينيه بعدما عرف الحقيقة رغم أن القدر من ورطه بها, في حين «عُطيل» قتل محبوبته, هرباً من ضعفه, هكذا كان عبد القادر هارباً دائماً من ضعفه لم يواجهه مرة واحدة رغم كل المبادئ والحكم والأخلاقيات التي اتهم الآخرين بخرقها, كان صوته عالياً بحق الآخرين وصامتاً بحق نفسه. يمثل عبد القادر, مجتمعاً اعتبر, أن التحرر من الاستعمار هو أقصى غاية وتناسى أن الاستعمار الحقيقي هو في ثورة الفرد الذاتية على استلابه, ما أسهل أن تحارب عدواً خارجياً ليس من جلدتك لكن الصعب كل الصعب أن تحارب نفسك. الثورة ارتدت على أعقابها عندما لم تثر على ذاتها مرة بل ألوف المرات. شخصيات عديدة حفلت بها الرواية تقاطعت مع عبد القادر لكنه بقي الجزء الصم, كان من الممكن بإرادة صلبة إعادة الزمن لمساره والمكان لعمقه, لو كان هناك اعتراف صريح من عبد القادر على مستوى نفسه: أنتَ من سعيت وسعيت بالآخرين إلى أن يشهدوا حتفك البائس. الرواية استلهمت التراجيديا والكوميديا المسرحية بخلطة سردية يقوم بها الراوي العليم كأنه الكورس. كانت تنوس بين حاضر, يتجه نحو حتميته وماض يمهد له الطريق لتكتمل الخاتمة, بلغة استعاراتها كلاسيكية, حيث أضعفت من تمثل اللغة, للبنية الروائية وكانت أقرب منها للحكاية وإن كان ذلك, فهذا ليس مسلوباً بقدر، إنه حالة تقنية تختلف فيها الذائقة ولكن كما يقول «يوسا»: المهم في الرواية أن تقنعك وهذا لوحده دليل جودة. عبد القادر هو الهزيمة وتغدو الهزيمة أكبر عندما يتحول الفن إلى شماعات وكلمات فارغة وحماسيات, إنه مرثية الزمن المتقهقر للوراء والمكان المنطوي على ذاته والذي يُشهر سلاحه ويطأ به بطن الأبعاد. ميدان السلاح رواية محمد جعفر, صادرة عن دار الغرب للنشر والتوزيع الجزائر

لينا هويان الحسن وشعرها الخارج من حرملك اللغة

بين مجاز صائت ومجاز صامت ترمي لينا هويان الحسن الودع وتقول: الشجر يمشي, أليس الوصف” قد شبّه لهم”!؟ ليستْ اللغة, نهر هيراقليتس!؟, لا تنطقها مرتين!؟. هي لعنة المتردم التي قالها عنترة وليلى تتبسم!, قدر الشعراء الهجرة من متردم إلى آخر والآخر جحيم. اللغة خارج قيد الأوابد, إنها مكر.. إلى أن حطّه السيل.., اللغة افتراس للوجود, لذلك الشّعر نابٌ ومخلبٌ ولسان يتلمظ الحبر.

تخط وشمها الأزرق والأزرق, بُعد في البعد عبر بورنوغرافية افتراسية صائتة تصدم وتدهش وتقطع كلحظ في غمده أو صامتة تهز شجرة القول, تساقط ظلالاً, هو العواء والفحيح والزئير والمخلب والناب هو الترويض للعري وافتراس المفترِس باللغة” يا أطلس/ يا عسال/ كأني وإياك على سبورة المدى/ نتكئ على سندس واستبرق من وهم../ هات وعدك/ ومدّ لي/ يدك في الظلام/ واسمع ضوضاء/ غزال مذعور/يستقرئ/ السراب والحجارة” هي الغزالة إذن وقد نفذ صبرها, والدم البدئي يغلي, والشهوة قاب قوس وسهم, فاقتلني لأعشقك.

تمدّ المجاز كأنه وثبة نمر في أسوارة النار, تارة يكون ضليلاً وقروحه آبار تروي عباءة الغدر” كيف نرقى للثريّا/ ونواري النسيان/…./ مع كأسك الظمآن/ لا الريح تحملُ ما نقول ولا الصدى” وأخرى يتسلل مجازها, فيغافل, نعاج اللغة حيث المعنى يسقط عنه النصيف” إنْ يهلك حصانك/ تلقى مطية تلوذ بكثبانٍ/ كثبانٍ/ تؤلبها جيوش إياد وبهراء وتنوخ/ وبريد المنذر بن ماء السماء/ خذلتك حِمْيَر وبكتك كِندة/ دائما السم بمثل هذه الوفرة”.

” قد شبّه لهم” هو الوصف بادئة الافتراس وكما اللغة تربتْ في مفازات الشاعر الجاهلي, وكأن المعنى هو الحداء أو الصهيل والكلمة جسد فرس امرئ القيس أو ناقة, أو ثعلب أو سرحان, فاللغة حيازة للوجود ووعي له وأنسنة, واعتراش الإنسان على سدة الأمر, من سمّاه فقد خلد ومن نساه فقد درس, وهنا لينا هويان الحسن تعارض حيازة بحيازة, فتطلق للعواء, الكلام , ولذاكرة السلمون, الاتجاهات, ولأبن أوى تعطيه مفاتيح المدن, تشبب بهم, إذن تسقط عنهم الأسماء, وتعيدهم لبريتهم, تمدح خصالهم التي فقدوها في أنسنة الإنسان للوجود, تقول للسلمون:” لا تكفكف قرمزك/ لا عارٌ عليك, ولا إثمُ/ بعناد يصدع الصخر/ اتبع دفة.. فطرتك/ حتى.. لا تكون ذاكرتك: ندما خالصاً ” إنها تحرره تعيده لمجرى نهر هيراقليتس.

أليس المتردم الذي لم يغادره الشعراء هو الحبّ!؟, ألم يذكر عنترة ليلى وبيض الهند تبسم والرماح نواهل ومع هذا والتاريخ يُسكت ليلى عن القول المباح وليلى هي ليليت ذات الشعر الملتهب في الريح تقول الحسن:” كوني جميلة ولا تصمتي/ كوني كمن سيدلي باعتراف.. واصمتي” تسقط النصيف كما بنات طارق والطارق هو النجم الثاقب نجم سهيل, نجم الخصب والعشق, حيث الأنثى مطر دافق, كنمر يفترس مروضه وصقر تمنى أن يكونه, صاحب الصخب والعنف وذئب تغنيه صبية بمقتبل الأفق” عيني صايبها سهر ونعاس ياذيب” تخرج لينا هويان الحسن الشعر النسوي من حرملك النساء, لا بكائيات ولا رومانسيات, بل بجرأة كيلوباترا وبصلابة عشتار التي تقف على سبعين, تناوش الحبيب, تفترسه لا توفره لأحلامها “أحبّ حنانك../ مثل ثلج يغطي كلّ الأشياء/ أحبك وأنت تهمس/ اطلبي وتمني, ريش العنقاء, إذني الغول, ورأس الخل الوفي/ أكرهك, يا نهراً:/ أعبره صبحاً ومساء/ وأسأل أين الضِّفتان..؟/ أحبُّ سخونة شفتيك/ مثل آب اللّهاب/ أحب شلالك المستعجل/ وهو ينحدر صوب.. القاع/ يخرب أعشاش العمق”.

تشتغل لينا عبر نصوصها على عدة عتبات, عتبة عنوان النص التي توازيه وتقاطعه  وعتبة الاقتباس حيث نص لكاتب آخر, فيحمل من جحيمه ما شاء من تداعيات والعتبة الثالثة هي الثيمة في عنوان الديوان ” نمور صريحة” أو ذئاب صريحة أو صقور أو أنوف شماء, وهي تريد بالافتراس الجمال, فالجمال مفترس, يخر المتأمل فيه أمامه صريعاً, فكل جمال قاتل مفترس بطبعه, ألم تفترس انعكاس صورة نارسيس, صاحبها, عبر هذه الثيمات الثلاث, تقيم أثافيها لتضع عليها قدر اللغة الطيعة والقاسية بنفس الوقت, حيث المعنى, رحيل دائم نحو المجهول, وكأنه سراب ولكنه كشف, أيضاً, لشهرزاد لم تعد اللغة لديها حبل نجاة بل وجود وإعلان تمرد على أنوثة الحرملك والجهر بأنوثة كانتْ آلهة, جمالها افتراس, لربما اللغة ظهرتْ عندما استعطف ذكر أنثى يتخبط بين مخالبها وأنيابها.

الديوان عواء لشعرية تتشكل بقوة بعيداً عن سطوة اللغة الذكرية واللغة الأنثوية المستعبدة ” عليك أن تفطن/ حين تجيء مرة أخرى بلحمك ورمادك ولهيبك وحبك/ عليك ألا تخاف/ حتى/ لا تشتم ذئبة الحب رائحة: ارتباكك/ …/ وتأكلك”.

بين مجازين المجاز الصائت حيث التناصات, تخلع كل عباءات اللغة التي ارتدتها عبر التاريخ وتنسج عباءة جديدة والمجاز الصامت الذي يحتاج فيه القارئ لصفعة على ظهر ولادته للتو في النص ليصرخ وجدتها, تكتب لينا هويان الحسن أول أعمالها الشعرية بتقريب تتفل.

لينا هويان الحسن في ” نمور صريحة , في شاعرية الافتراس” صادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب 2011

تشرين

باسم سليمان

الشعر.. أرملة سوداء
ثقافة الثلاثاء 17-1-2012
باسم سليمان
كلّ تعريف للشعر, هو حبّ له ولكن لابد من المخاطرة في ذلك والقول: الشعر استذئاب, أي الخروج من الحالة الطبيعية للغة المدجنة في منظومة التواصل البشري إلى حالة ما قبل أو مابعد. الشعر, ليس وسطية لغوية بل راديكالية إلغائية, عنصرية شوفينية, إنه سلبية مطلقة, إنه النفي الكامل لكل معرفة والوصول لحالة جهل مطبق تجاه الوجود والذات, فهو عودة دائم للحظة …البدء ولايجب تجاوزها إذ هو لحظة عنيدة لا تأتي من مستقبل أو تغور في ماض, عصية على المكان ناشزة عن الزمان, معلقة الوجود كمشنوق. وبعد هذا, كيف للشعر أن يكون ذاته, هو المحكوم بلغة مقننة يقوم على حراستها سدنة عظام, لا همّ لهم إلا تعقيدها وتصريفها في أنساق التواصل الكسول!؟. كيف له هذا وقد ربطتْ بعنقه أحبال من مسدٍ تشده لأغراض هو منها براء, فالغرضية في الشعر نافلة بقدر ماهي فرض واجب القيام به!؟. كيف له هذا وقد ألبس عريه الفاضح أوزاناً ونثراً وسرداً وتشبيهاً واستعارة ومجازاً وما شاء لسدنة اللغة الذين يحرسون العفة والعذرية بأقفال من حديد لحماية شرف اللغة التي ينتهكها الشعر كلّ ما قاربها!؟. كيف له هذا وهو ابن لغة, ما بين وقفية وتوفيقية, فهل يقتل الابن أمّه, أوليست هذه الجريمة الكبرى التي ما بعدها جريمة!؟. هذه الكيفيات بنفس الوقت تحمل الجواب, فالمقعّدون يضعون العربة أمام الحصان أو يربطون العربة للحصان وقناعتهم أنهم على صواب, الشعر عليه دوماً أن ينطلق من الجهل أو هو الجهل, فلا دهشة ولا كشف ولا عذرية إلا في المجهول, يستطيع الشاعر أن يحرث أرضاً ويبذرها بالبذور المعروفة وله أن يمارس كافة عمليات الاستصلاح والري بالتنقيط وعلم التهجين والوراثة لينتج حصاداً يطعم جياع السمع لكن الشعر, هو جوع تطعمه الصيام, صرخة بوجه الآفلين, من قال على الشاعر أن يصنع معجزة من سمك وخبز يطعم بها الجمهور, الذي يتلهف!؟, على الشاعر أن يجعل الجائعين أشد جوعاً وعطشاً, حتى يكفروا به ويقولوا له: أنت أفاك, ساحر لعين, أفاعيك لا تسعى بل تشربنا سمها, فهل جئنا لتذيقنا الموت, فيقول الشعر تمنوا الموت أن كنتم…!؟, فلا شعر إلا بأن يطأ الشعر موتاً بموت, فالولادة الجديدة تقتضي موتاً. الغرضية, تجعل الشعر وسيلة, وقد يقول قائل: الشعر غاية, الشعر لا هذه ولا ذاك, يكاد الشعر إن يستعبد كل شيء, هو مصاص دماء, روح هائمة ترفض المطهر وترفض الناسوت وترفض حتى خلقها, الشعر عدم, رتق لفتق, عماء نرجسي يكره نرسيس, فليس الشعر من المرآة سواء أكان الناظر أو الانعكاس!؟, هو حلول من جهة في الوجود وهو غني عن هذا الوجود؛ لذلك الغرضية فيه, نافلة وإنْ كانتْ فرضاً لا بد منه, لكن الغرض فيه بأن يجهل الغرضية فيه, ترفض غرضيتها وتكفر بها وتلعنها, فالحب هو كره والكره هو حب في الشعر وهو لا حب ولا كره هو سخرية وتهكم لكن لا بأس ببعض الثرثرة. الشعر, قل كلمتك وامض, لا يأسف ولا يعتذر ولا تبكيت ضمير, ولا يجزع من مقصلة, يدخل خنجره حتى النفس الأخير ويخرجه وكأنّه أشعل سيجارة أو غابة من مستصغر شرر, فلا تعنيه معجزات قوم غزية, ولا مديح لإله ولا حجيج يلاحقونه كظلّه من جحيم لجحيم, يلتفت إليهم ويضحك ملء السماء والأرض ومن بين قهقهاته يتشظى قول: ما أنا إلا وهم على وهم. إن لم يكن الشعر أرملة سوداء يضج الوجود بشباكها ويعيش الموت على جثث فرائسها وفرائسها ما هم إلا ذكور, في لحظة الآه الخالقة, تغرز الأرملة السوداء نابيها الجميلين, في جسد اللغة وتلف حولها شرنقة من عماء, لتحول الوجود لعصارة تقتات عليها في وحدانيتها كمحراب بلا راهب, فأشد أعداء الشعر هو الشعر لذلك على الشعر أن يقتل نفسه وأن يقطع حبل سرته اللغوية ويكون رحم ذاته ومنجباً نفسه ليس كفيض بل كعدم يخلق وجوداً ومن ثم يعدمه أمام الجمهور الذي خرا على وجهه صعقاً.
جريدة الثورة

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 67 other followers

%d bloggers like this: